جريدة اليسار العراقي الاسبوعية – العدد التاسع – مقالات اليسار العراقي

العدد التاسع – مقالات اليسار العراقي

جريدة اليسار العراقي الاسبوعية – العدد التاسع – مقالات اليسار العراقي

1
الوضع الثوري
أعداد وتقديم
د.أكرم الفلاحي
الوضع الثوري- هو الموقف السياسي الموضوعي الذي يسبق الثورة ، وهو دليل على أختمار الظروف الموضوعية لاستيلاء الطبقة الطليعية على السلطة .
يتميز الوضع الثوري بالخصائص الاساسية التالية :
• أولا :- ظهور أزمة عامة وشاملة، تشمل جميع مرافق الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية, وحتى أزمة في ميدان الاخلاق للطبقة الحاكمة في ادارة شؤون البلاد، وضعفها في الاحتفاظ على السلطة القائمة. وهي عاجزة وفاشلة أن تتخذ أجراءات جذرية لمعالجة الازمة التي تعاني منها الطبقة الحاكمة ، ومن نتائج هذه الازمة السخط والتذمر للطبقات والفئات الفقيرة والمضطهدة .
يؤكد لينين أنه لا يكفي ، عادة ، للوضع الثوري .
عدم رغبة الاكثرية من الشعب بالعيش على نمط الطريقة القديمة، بل يتطلب كذلك عجز او عدم امكانية الطبقة الحاكمة بالعيش على نفس الاسلوب المتبع .
• ثانيآ :- أشتداد وتفاقم التناقضات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية بين الطبقة الظالمة والجماهير المظلومة أكثر من المعتاد، ويمكن لأشتداد وتفاقم هذه من ان ترتبط بالظلم الاجتماعي وبؤس وفقر الجماهير الكادحة وبتفاقم المشاكل الاقتصادية وحرمان الشغيلة وسائر فئات السكان، وبالتالي يمكن ان يظهر من الحركة الديمقراطية مقاومة الاستبداد والطغمة المالية والطفيلية بهدف التحرر السياسي والتحرر الاقتصادي والتخلص من التبعية للغرب الامبريالي بزعامة الامبريالية الامريكية .
• ثالثآ :-ازدياد كبير وفعال في النشاط السياسي للطبقات المضطَهدة وتحت قيادة حزبها الثوري الذي ينهض الى قيادة الجماهير الكادحة بهدف تقويض سلطة الحكم الفاسدة .

• رابعآ :- تفشي ظاهرة الفساد المالي والاداري بشكل مرعب، وتنامي معدلات البطالة والفقر وأنحطاط المستوى المعاشي للغالبية العظمى من الشعب، وتعمق الفجوة الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع لصالح فئة طفيلية محدودة أستحوذت على السلطة والمال وبشكل غير شرعي، وتدني مستوى الخدمات وأنهيار شبه كامل للقطاعات الانتاجية والخدمية، وظهور المافيات الاجرامية والمافيات السياسية والتي تنسق هذه المافيات مع بعضها البعض بهدف الاستحواذ على السلطة والمال وحتى في قمع الشعب اذا تطلب الامر من وجهة نظر المافيات السياسية والاجرامية ، وتفاقم هذه الصراع بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية بهدف الاستحواذ على مال الشعب من جهة وبين الشعب من جهة اخرى، كما يتميز الوضع الثوري ايضآ بفقدان الثقة بين الشعب والسلطة، اي ان الغالبية العظمى للشعب فقد ثقته واحترامه وتاييده للسلطة الحاكمة.
أن هذه العوامل وغيرها تخلق المقدمات المادية والجماهيرية للوضع الثوري الذي يهدف منه تقويض السلطة الحاكمة وانتقالها الى الشعب، اي قيام سلطة الشعب . أن الاساس العميق لظهور الوضع الثوري ايضآ يكمن في اشتداد التناقض والصراع بين القوى المنتجة وعلاقات الانتاج داخل اسلوب الانتاج السائد سواء كان اسلوب انتاج عبودي، انتاج اقطاعي، اسلوب انتاج راسمالي .

أن وقت ظهور الوضع الثوري واشكال ووتائر تطوره تتوقف على شبكة معقدة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والطبقية، وعلى حالة ألة الدولة وعلى قوة الطبقة الثورية وقوة وقناعة وجرأة واقدام القيادة الثورية في استثمار الوضع الثوري من اجل نجاح الثورة الشعبية.

أن الرأسمالية المتوحشة والعدوانية والاجرامية والطفيلية هي التي تنتج وتولد التناقضات والنزاعات والتي تقوم بنسف مرتكزاته وتهئ المقدمات الضرورية الاجتماعية والاقتصادية والنفسية للوضع الثوري .

أن الوضع الثوري يمر بعد ظهوره بعدة مراحل، ومن السمات الملحوظة للأنفعال الجماهيري البادئ وحتى الازمة العامة التي تتحول الى ثورة . وكلما كانت مرحلة الوضع الثوري أعلى، كلما إزداد دور العامل الذاتي اي قوة الحزب الثوري، قوة وأستعداد الجماهير للتضحية وهذا اساسآ مرتبط بالقيادة السياسية للحزب الثوري، هل هي فعلآ وقولآ ثورية وتستغل، تنتهز الفرصة السانحة لتقويض السلطة الحاكمة، أم إنها “ثورية” بالكلام و “بالتنظير” وبهذا الخصوص يقول لينين عن الثورة اليوم وليس غدآ .

وفي لحظة تفاقم واشتداد التناقضات، وتفاقم الازمة بكل ابعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى النفسية يصبح دور العامل الذاتي دورآ هامآ وكبيرآ وحاسمآ، أما اذا كانت الطبقة العاملة وحلفائها وحزبها الثوري غير مؤهل للقيام بالثورة ولاسباب متعددة ، فأن الركود سوف يحل محل الوضع الثوري لفترة زمنية معينة وينتهي الوضع الثوري خلال تلك الفترة ، ثم تستمر التناقضات داخل المجتمع الطبقي ثم ينشأ الوضع الثوري مرة اخرى .

أن الكشف عن خصائص / سمات الوضع الثوري المختصر يتسم بأهمية بالغة من أجل وضع استراتيجية وتكتيك ناجح وسليم وموضوعي للاحزاب المستندة الى نظريتها الثورية النظرية الماركسية – اللينينية ، فطالما لا توجد أية سمات للازمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية ، لا يجوز توجيه الطبقات الثورية نحو القيام بالثورة الشعبية والاستيلاء على السلطة.

إن محاولات اسقاط سلطة الطبقة الحاكمة الاستغلالية والمسيطرة خلافآ للموقف السياسي والاقتصادي – الاجتماعي والموضوعي تنتهي بالفشل المؤكد، ولا تقل خطأ عن ذلك سياسة الانتظار السلبي في ضروف تصاعد ونضوج الوضع الثوري .

أن فن القيادة السياسية يتلخص في ملاحظة بداية التطورات العميقة في الموقف الموضوعي في الوقت المناسب والتعجيل بتطوير وتصعد الازمة السياسية عن طريق التعبئة الفعالة والنشيطة للجماهير بقيادة الطبقة العاملة وحزبها الثوري .
عند حلول لحظة الانعطاف النوعي- انتقال السلطة كاملة الى الطبقة العاملة وحلفائها ، ولا يمكن اجتياز هذا الحد الفاصل الحاسم إلا في جو النهوض الشعبي الشامل والقادر على قهر مقاومة الطبقة المسيطرة وشل محاولات العنف المسلح من جانبها، ومهما كان السمات الخاصة التي يتميز بها شكل الاقتراب والانتقال الى الثورة في هذا البلد او ذلك، فأن الازمة العامة تسير دومآ لحظة الانعطاف ، أي استيلاء الطبقة العاملة الثورية وحلفائها على السلطة بالكامل ، ونعت لينين هذه الحقيقة بالقانون الاساسي للثورة.

2

3
افكار عن صيرورات تشكل الدولة العراقية- الجزء الأول
د.عقيل الناصري

من الناحية المنهجية اعتقد أن إحلال تشكيلة اجتماعية – اقتصادية معينة ، محل تشكيلة أخرى هي عملية مرهونة بطائفة من القوانين الموضوعية التي يستحيل ترويظها أو تطويعها بالملامسات الرومانسية الوديعة ، أو حتى بالارادة الانسانية الصارمة وعليه يكمن تطور المجتمع البشري في تطور قوى الانتاج الاجتماعي التي تتالف “… من ثلاث عناصر هي: عنصر الانسان العامل وعنصر الطبيعة التي يعمل عليها وعنصر الادوات التي يخترعها ويستعملها ويطورها في الانتاج. والطبقة التي تستولي على كامل الانتاج الاجتماعي عليها ان تستولي على احد العناصر الثلاثة لكي تستولي على كامل فائض الانتاج الاجتماعي. وكان عنصر الانسان العامل هو العنصر الاول الذي يجب الاستيلاء عليه من اجل الاستيلاء على فائض الانتاج الاجتماعي كله. فكان المجتمع العبودي. ولكن تطور الانتاج الاجتماعي ادى الى امكانية الاستيلاء على العنصر الثاني، عنصر الارض، بينما ادت ثورات العبيد الى اسقاط دولة اسياد العبيد فتحولت العملية الطبقية الى عملية اقطاعية ونشأ المجتمع الاقطاعي. وادى تطور الانتاج الاجتماعي الى امكانية استخدام العنصر الثالث، عنصر الالة، من اجل الاستيلاء على فائض الانتاج الاجتماعي وادت الثورات البرجوازية ضد النظام الاقطاعي الى نشوء النظام الراسمالي الذي يستولي على عنصر الالة من اجل الاستيلاء على فائض الانتاج الاجتماعي كله فنشأ النظام الراسمالي… نرى من هذا ان تطور المجتمعات الطبقية تاريخيا مر في ثلاث مراحل، مرحلة السيادة على عنصر الانسان، النظام العبودي، ومرحلة السيادة على عنصر الارض، النظام الاقطاعي، ومرحلة السيادة على عنصر الالة، النظام الراسمالي … لان استيلاء الراسمالية على العنصر الثالث، عنصر الالة هو اخر العناصر الثلاثة. ولم يعد ثمة عنصر اخر يمكن الاستيلاء عليه لتطوير مجتمع اخر غير المجتمع الراسمالي الامبريالي. فالامبريالية اعلى مراحل الراسمالية. لكن تطور الانتاج الاجتماعي لا يمكن ان يتوقف واصبح النظام الراسمالي الامبريالي عائقا امام تطور الانتاج… “.( التوكيد منا- الناصري)
كما أن الصراع الطبقي هو في الواقع قوة محركة كبرى في التأريخ البشري ولكن ليس القوة الأولى والاخيرة في صياغة وبلورة سائر الاحداث والتحولات في هذا التاريخ. طالما “… إن تأريخ كل مجتمع إلى يومنا هذا لم يكن سوى تأريخ صراع بين الطبقات – فالحر والعبد، والنبيل والعامي، والسيد والاقطاعي والقن، ورئيس الحرفة والصان ، أي باختصار المضطهِدون والمضطهَدون- كانوا في تعارض دائم ، وكانت بينهم حرب مستمرة ، تارة ظاهرة وتارة مستترة: حرب كانت تنتهي دوما إلى إنقلاب ثوري يشمل المجتمع بإسره، أو بانهيار الطبقتين المتصارعتين معاً … “.
وعلى ضوء هذا المنهج النظري المجرد، فان الانسان يمثل الجوهر في هذه النظرة وبخاصة عندما يمتلك فهم الضرورة الموضوعية (الحرية) . كما ان هذه المراحل أعلاه لا يمكن ملاحظتها ضمن سياق التطور الاجتماعي في العراق، ضمن المسايرة التاريخية التي تستوجب مراحل انتقالية وحلقات وسيطة، أي انضاج الشروط الضرورية لتحقيق التطور المنشود، طالما كان عراق تلك المرحلة يمر بمرحلة انتقالية لم نستطع تحديد أبعادها من حيث تطور قوى الانتاج الاجتماعي، أي أنه في مرحلة تداخلية حيث سادها شيء من ماهيات الانماط الاقتصادية (وليس تشكلية اجتماعية) المتماثلة إلى حد ما، مع نمط الانتاج الاسيوي المنتقل إلى النمط شبه الاقطاعي الذي أبتدأ منذ آواخر القرن التاسع عشر، ومن ثم الانتقال النهائي إليه وهذا ما وسم المرحلة الملكية برمتها رغم نشوء انماط أخرى كنمط رأسمالية الدولة الوطنية ، ومن ثم الانتقال لتعددية الانماط بعد ثورة 14 تموز حيث كانت الغلبة فيه للنمط الرأسمالي الموجه سواءً نمط القطاع الخاص أو نمط رأسمالية الدولة الوطنية ( القطاع الحكومي) والنمط التعاوني الذي برز بعد الثورة .
وعليه شهد العراق المعاصر وبخاصة بعد تأسيس الدولة المركزية ولحد الان، صراعات حول الافق اللاحق لشكل الدولة السياسي ونظامها الاقتصادي، تجسدت ماديا في جملة من الصراعات الاجتماسياسية والفكرية والأثنية الداخلية ،بالاساس، ومع قوى الاحتلال على تعدديتها ومضامين استراتيجيتها لمستقبل العراق والمنطقة.. انعكست بجملتها على تغيير معادلات وتوازنات القوى الاجتماعية وتمظهرها وعلى نشاطها الاجتصادي والسياسي والفكري سواءً بالريف وحواضره وقيمه المعيارية أو بالمدينة ومتجاوراتها المؤسساتية التي انبثقت بعد تأسيس الدولة على وفق معاييرها الدستورية ( الغربية) التي رسمتها الدولة المحتلة وحققتها ماديا القاعدة الاجتماعية للحكم. وهذا ما وسم أهم معلمين أرأسيين في التاريخ العراقي المعاصر وهما:
– تأسيس الدولة المركزية في آب 1921؛
– التغيير الجذري في 14 تموز 1958 ؛
ومن ثم:
– إعادة تاسيس الدولة ( الاحتلال الأمريكي- نيسان 2003)
واعتقد أن أفضل منهج لمعالجة أية ظاهرة اجتماتاريخية، أن يتم تناولها ضمن الأطر التالية :
– نطاقها التاريخي الملموس ؛
– في الحقبة التاريخية المعينة ؛
– ضمن منظومة المفاهيم العلمية ؛
– على ضوء الخصائص المادية الملموسة لتلك الظاهرة .
لهذا سنحاول قدر الامكان متابعة هذه الظواهر المبحوثة في هذا الكتاب، وغيره، ضمن هذه المنهجية العلمية. نقول لقد تعددت وتنوعت هذه الصراعات مع الدولة العراقية المعاصرة ( الملكية والجمهورية على السواء) وقاعدتها الاجتماعية، كمكونات طبقية وأفق برنامجها المستقبلي. كانت مفردات هذا الصراع وماهياتها تتغير حسب طبيعة القوى الاجتماعية التي تدير الدولة، وزمنيتها وتسيسها، ونضج هذه المفردات في التعبير عن ذاتها ومصالحها الطبقية ورؤاها الفكرية. لذا كان صراع الهوية الجماعية للبلد واحد من أهم المناحي التي وسمت الصراع السياسي في العراق المعاصر. كما أنه كان ولا يزال أحد أهم عوامل عدم الاستقرار فيه منذ تأسيس الدولة العراقية ولحد الآن.
لقد مثل أنبثاق وتشكل فئة الانتلجنسيا العراقية بحد ذاته أحد أهم أوجه الصراع النوعي والاجتماسياسي في العراق المعاصر سواءً مع محيطها الاجتمافكري أو القاعدة الاجتماعي للمرحلة الملكية ، أو فيما بين عناصرها المتعددة كذات عضوية، إذ حاول بعض منها استحداث تاريخ جديد للمجتمع من خلال تعميق فكرة التغيير القرينة بالحداثة.. وفي الوقت نفسه وقفت القوى المحافظة من هذه الفئة بالضد النوعي من خلال إثارة بعض من مفاصل الوعي الديني والترويج للافكار السلفية غير المتجددة.
كما اشتدت أوار هذا الصراع مع تطور الدولة في الملكية وبالأخص في الجمهورية الأولى ( 14 تموز 1958- 9 شباط 1963 ) والذي تمحور حول أولوية المهام المطلوب تحقيقها هل للوحدة الفورية أم للاتحاد الفدرالي .. حيث رفعت الشعار الأول المجاميع العروبية، في حين رفعت الثاني المجاميع العراقوية . واستمر هذا النزاع بين الطرفين إلى وقتنا الحاضر في الجمهورية الثالثة ( 9 نيسان 2003- ولحد الان) ، وهذا الصراع ( الذي في الكثير من أوجهه مبوصل ومصطنع) كان واحداُ من الاسباب الأرأسية لعدم استقرار الوضع السياسي في العراق المعاصر. ويمكن تفسير بعض أوجه الصراع الحالي في الجمهورية الثالثة بهذه المعضلة التي لم تحل بكل قناعة وعلى وفق التشاركية التضامنية للمكونات الاجتماعية العراقية.
وفي الوقت نفسه، وفي زمن الجمهورية الأولى (14 تموز1958-9 شباط 1963) ، كان الصراع بين تيارين ارأسيتين هما :
– التيار العراقوي والعروبي ؛
– وبين مكونات القوى السياسية للقاعدة الاجتماعية العراقوية .
وهذا الصراعان كان لهما أسوء العواقب على صيرورة التمدن الحضاري التي بدأت تعي ذاتها واهميتها وولادتها المعاصرة. كما كان للأخير الذي يمثل أحدى أهم المفارقات التاريخية، ذات العواقب الوخيمة، بعد نجاح التغيير الجذري وتأسيس الجمهورية، وأثرت سلباً على حراكها، كذات اجتماسياسية وقوى حية سبرت غور الظاهرة العراقية وأشكالياتها على مختلف الأصعدة، أو/و في عدم استكمال ذاتها والهادفة على إحداث نقلة نوعية في الحياة الاجتصادية والسياسية، الثقافية والفكرية للعراق المعاصر.
لقد تمثل هذا الصراع الأخير في: عدم الإلتئام والإلتقاء الفكري والسياسي المنتظر بين القوى العراقوية ذاتها، رغم ضرورته الموضوعية والذاتية، وبينها وبين قيادة التغيير الجذري المتمثلة بالتحديد بقاسم، وبعض القيادات السياسية للقوى الاجتماعية الحية، ورموزها السياسية ذات البعد التاريخي آنذاك، واعني في هذه الدراسة بالتحديد كامل الجادرجي رئيس الحزب الوطني الديمقراطي، الذي مَثَلَ، وبقية زعامة القوى العراقوية المُنطلق :
– جزء مهماً وأساسياً من القاعدة الاجتماعية لذات التغيير الجذري الفكرية والسياسية ؛
– كما مثلت ماهيات القاعدة الاجتماعية لهذه القوى الغائية المستهدفه من فعل التغيير الجذري ذاته ؛
– ولأنها الأكثر تمثيلا للتنوع الاجتماعي العراقي ؛
– والأكثر انعكاساً وتبنياً للذات الثقافية العراقية المتنوعة ؛
-. تمثل هذه القوى الاغلبية المطلقة للشعب العراقي نوعياً وعددياً .
ونقصد بالإلتئام الموعود، ضمن نطاق الأمنية المفترضة ، ليس مع الحزب الوطني الديمقراطي حسب، بل مع كل قوى والأحزاب العراقوية في جبهة الاتحاد الوطني والقوى المستقلة فيها وسوف نطلق عليها مجازا ( الكتلة التاريخية ) آنذاك كما اعتقد، التي ساندت التغيير الجذري في 14 تموز، وما كامل الجادرجي هنا إلا ممثلاً للتيار العراقوي ولثورة الطبقة الوسطى، بفئاتها المتعددة، المعبر عن طموحاتها ومصالحها ورؤيتها. وفي اعتقادي، إن هذا اللقاء المفترض، موضوعيا وذاتياً، في تلك الظروف الملموسة مادياً تحديدا، التي سادت عراق آنذاك ، كان له أكثر من ضرورة :
– لذات صيرورة التغيير الجذري وسيرورته اللاحقة ؛
– ولمشروعه الوطني وهويته الوطنية ؛
– ولامتداده الأرحب نحو العروبية ؛
– ولذات قادة الكتلة التاريخية (السياسيين والعسكريين على السواء) وأحزابهم المعبرة عن الذات الطبقية؛
– والأكثر اهمية للقاعدة الاجتماعية المستهدفة والارتقاء بها (ماديا ومعنوياً وبضمنها معرفياً) إلى ما عجزت عن تحقيقه كل حكومات المرحلة الملكية، وفتح الأبواب نحو التحقيق المادي للمساواتية والعدالة الاجتماعية (النسبيتين) لجميع المكونات الاجتماعية الجمعية والفردية على السواء، وبالأخص للطبقات الفقيرة (مادة التاريخ الانساني) ولذوي الدخل المحدود والمتوسط، ضمن إطار الهوية الوطنية العابرة للهويات الفرعية وللولاءات الدنيا من مناطقية ومذهبية وأثنية ورابطة الدم (قبيلة،عشيرة، فخذ…الخ)، فتكون الجامع الموحد لكل هذه المكونات، مع احتفاظ كل مكون بخصوصيته الاثنية والثقافية واللغوي والدينية بإعتبارها حقوق طبيعية ومكتسبة، والارتقاء بها وتطويرها ضمن الممكن المتاح. كل تلك الماهيات تشمل ايضاً الحياة الريفية وترمي بالاساس إلى إلغاء قانون التفاوت بين الريف والمدينة.

هل (الله) بحاجة الى بناء كل هذه المساجد في اقليم كردستان؟
شه مال عادل سليم
ما شجعني على كتابة هذا الموضوع هو تصريح السيد (مريوان النقشبندي) (*) مدير العلاقات والتعايش الديني والشؤون الدينية في وزارة الاوقاف في حكومة اقليم كردستان عن تزايد عدد المساجد في اقليم كردستان بشكل لافت وملحوظ خلال السنوات السابقة وبارقام قياسية شهدت ارتفاعا كبيرا فاقت دول كثيرة عربية واسلامية مجاورة, حيث بلغ عدد المساجد حاليأ (5473 ) مسجد في إقليم كردستان فيما لا يتعدى عدد المساجد في الجزائر( 20 ) ألف مسجد، وفي الكويت ( 1478 )مسجدأ،وفي المملكة الأردنية الهاشمية (5400 ) مسجداً, وفي تونس ( 470 5 ) مسجدا وجامعا، وفي إمارة دبي وصل العدد إلى ( 1610 ) مسجد، وفي قطر( 1844 ) مسجدا تتوزع بين (584 )مسجدا جامعا و(699 ) مسجد فروض و(346 ) مسجدا خاصا.
كتب السيد (النقشبندي) عبر صفحته الرسمية على “فيس بوك” بان خلال الستة أشهر الماضية تم بناء مايزيد عن ( 130) مسجدا وجامعا في اقليم كردستان، اضافة الى ان هناك عشرات المساجد تحت الإنشاء والتعمير والصيانة في أرجاء مختلفة من إقليم كردستان.
وللتأكد من صحة الخبر، اتصلنا بالسيد (النقشبندي ) وقد أجابنا مشكورا على كل الأسئلة والأستفسارات دون تردد، حيث أكد السيد (النقشبندي) خلال لقائي معه على “صحة” الإحصائيات والأرقام المعلنة حول عدد المساجد وازديادها بشكل ملحوظ في الإقليم وقال: ( هناك حوالي (5473 ) مسجد في محافظات الإقليم الأربع ( أربيل والسليمانية ودهوك وحلبجة )، ( 600 ) منها بنيت من قبل (الرابطة الاسلامية برئاسة المدعو علي القرداغي ) وان اكثر من ( 4000 ) مسجد بُنيت خلال 25 عام من الحكم المحلي وتحديدا بعد انتفاضة اذار 1991، واضاف (التقشبندي) انه خلال الاشهر الستة الماضية شهد الإقليم بناء( 130 )مسجدا وهناك العشرات من المساجد الاخرى قيد الإنشاء، لافتأ الى ان جميع المساجد الجديدة يتم بناؤها على نفقة الأغنياء والميسورين وبموافقة وزارة الاوقاف، واستطرد (النقشبندي ) قائلا: ان عدد المساجد التي تقام بها خطبة الجمعة تقدر بـ( 3011 ) مسجد،وان نصف مليون شخص في اقليم كردستان يؤدون صلاة الجمعة في المساجد ( حسب اخر احصائية وزارة الاقاف )، وأن عدد الأئمة والخطباء بلغ لحد اليوم ( 3011 ) إماماً وخطيباً في حين ان( 1750) خطيباً منهم فقط يحمل صفة “إمام وخطيب”، وقال ( النقشبندي ) ردّا على سؤالي حول: لماذا لاتكون الخطب موحدة في جميع مساجد الإقليم حتى يتحقق الهدف من الخطبة،كما هو معمول في كثير من الدول الاسلامية، بالاضافة الى تجهيز خطب معدة مسبقا للخطيب وكذلك محاور لمواضيع الخطب، قال (النقشبندي): انه فكرة جيدة ولكن تحتاج الى موافقة وقرار من الوزارة.
وفي ختام اللقاء أشار (النقشبندي ) إلى أنه فى الوقت الحالى لايوجد اي رقابة على المساجد التي تقام فيها خطبة الجمعة في الاقليم، وذالك لكثرة عددها ).
(الجهاد في سبيل الله):
أبعدت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في اقليم كردستان في الفترة الاخيرة عشرات من الأئمة عن الخطابة بدعوى أن تصاريحهم غير صالحة، كما سنت تشريعات تقضي بتجريم كل من يلقي موعظة داخل أي مسجد دون ترخيص. اضافة الى إيقاف عمل عدد من خطباء ومنعهم من إلقاء خطب الجمعة في جوامع الإقليم بسبب تهجمهم على طوائف ومذاهب واحزاب معينة وأقليات لاسيما (الشيعة والايزيديين والمسيحيين والشيوعيين ) وخاصة بعد ان تحول بعض المساجد في إقليم كردستان إلى بؤر لتغلغل الإرهاب، وبث النعرة التكفيرية والجهادية المتطرفة و التحريض على العنف بكل أنواعه واثارة الفتن والتناحر والكراهية بين المسلمين ونشر افكارهم المسمومة والتكفير والتشهير بالاخرين زورا وبهتانا، إذ لا يختلف إثنان في الإقليم اليوم على أن بعض من المساجد تحولت إلى مكان للدعوة والتبليغ والتبشير والتنظير بعد أن سيطر عليها بعض الأحزاب الإسلامية الكردستانية واستخدموا عددا من اشباه الأئمة والخطباء من الذين لا يمتون بصلة للاختصاصات الدينية في المساجد لأغراض سياسية بحتة…
فبدل ان يكون المسجد رمزا ومنارة للعلم والمعرفة، ورمزا لإحياء الروح والوجدان، ورمزا لتقوية الأنا الأخلاقية للتعايش مع الآخر المختلف (دينا وعقيدة وفكرا وعرقأ )، اصبح مكانا لتفريخ العنف و الإرهاب في اقليم كردستان.
إن بعض المساجد في اقليم كردستان كانت ولاتزال تعمل من اجل غسل أدمغة الشباب والمستضعفين بأفكار تحضّ على القتل والإرهاب والتطرف والغاء الاخر، و تمارس دورا سياسيا من خلال خطب أئمتها الموجهة والخطيرة باسم (الجهاد في سبيل الله).
فعلى سبيل المثال لاالحصر، تم توزيع كتاب مؤلف من 80 صفحة من الحجم المتوسط،طبع عام 1999 ومترجم الى اللغة الكردية بقلم المدعو ( هيمن ابوزيد ) بعنوان ( تصحيح المصطلحات والكلمات الباطلة ) على معتادى المساجد في مدينة اربيل قبل شهر تقريبا.
ومن بين تلك المصطلحات (الباطلة او الخاطئة ) التي ذكرت في الكتاب نستذكر على سبيل المثال كلمة ( الشهيد، البيشمركة، عيد نوروز، إخواننا المسيحيين ).
يقول المدعو (ابو زيد) في كتابه بان كلمة (البيشمه ركه ) تستخدم من قبل (المرتدين) وهي كلمة باطلة شرعاً وناقصة لغةً, اما (نوروز) فهو عيد النار عند المجوس الفُرْس،, اما ( إخواننا المسيحيين ) فهو مصطلح خاطئ و لا يصحّ أن يُقال لغير المسلمين إخواننا، اما الشهيد فهو من قتل في سبيل الله، وهو من( أهريق دمه وعقر جواده).
ويرى المراقبون ان المشكلة الاساسية ليست في بناء المسجد، وإنما المشكلة فيما يقال داخله من قبل بعض اشباه الائمة، وخاصة ان خطبة الجمعة التي يستمع لها عشرات آلاف المواطنين في مساجد اقليم كردستان المختلفة يُقال فيها ما يدفع أي شاب، إلى التوجه إلى (داعش لإعلان البيعة والجهاد في سبيل الله )، وان اعترافات الارهابيين الضالعين في التفجيرات والهجمات التي فجعت اقليم كردستان منذ ظهور داعش إلى يومنا هذا خير دليل على ذالك، حيث اعترف المتهمون بعد القاء القبض عليهم بانضمامهم إلى تنظيم داعش الارهابي وأنه تم( تجنيدهم عن طريق المساجد ) التي يسيطر عليها أئمة متشددون يبثون خطابات تحريضية تكفيرية جهادية مقيتة في الإقليم.
اخيرا اقول: هل ( الله )بحاجة الى كل هذه المساجد في اقليم كردستان وخاصة اذا كان لدينا وفرة في المساجد، في وقت الذي يعيش غالبية النازحين في الإقليم في ظروف قاسية جداً في الكرفانات والخيم الرثة والبائسة لا تحميهم من حر الصيف ولا من برد الشتاء، أليس هؤلاء الضحايا أولى بالمال الذي يتم تبذيره اليوم على بناء المساجد؟ هل الله بحاجة لمن يدافع عنه في المساجد؟ أيهما أولى بالتقديم بناء مسجد أم مساعدة مئات الآلاف من أسر الفقيرة والتي تسكن في بيوت بالايجار والاف الشباب العاطلين عن العمل من(خريجي الجامعات والمعاهد ) الذين لا يجدون مأوى ليسكنوا ويتزوجوا فيه؟
أيهما أولى أن تصرف ملايين الدولارات على بناء مساجد كبيرة وضخمة ام عمل مشروع سكني لعوائل البيشمركة التي انهكها الايجار والجوع؟ هل يعقل ان يكون في حي كالذي أسكن فيه أكثر من 5 مساجد و(مدرسة واحدة ) فقط ؟ّ أيهما أولى بالتقديم بناء مسجد أم انشاء مستشفى؟ ايهما اقرب الى الله بناء جامع ام اطعام مسكين؟ ايهما اولى بالتقديم بناء مسجد أم بناء دار للايتام؟ ايهما اولى بالتقديم بناء مسجد ام اقامة مستشفى للسرطان والامراض المزمنة في حلبجة؟ ايهما اقرب الى الله بناء جامع ام تعمير القرى الإيزيدية المدمرة؟ ايهما اقرب الى الله بناء مسجد ام مساعدة عوائل المؤنفلين؟
أيهما أولى أن تصرف ملايين الدولارات على بناء مساجد كبيرة وضخمة لمجرد ان يقال فلان بنى هذا المسجد ام مساعدة الايزيديات الناجيات من براثن وانياب وحوش داعش؟ ماقيمة كل هذه المساجد الضخمة وبجوارها فقراء لايجدون مايحميهم من البرد والحر؟ هل كثرة المساجد دليل على اقبال الناس على الصلاة والتدين في الإقليم؟
نعم، لو أن نصف ما يصرف اليوم لبناء المساجد صرف لبناء مشاريع سياحية وبناء معامل صغيرة ومتوسطة على سبيل المثال لاالحصر معامل لتجفيف الفواكه والتعليب بانواعها والالبان والخ، لاستطعنا اليوم بالحد الأدنى ان نتخطى الكثير من العقبات الاقتصادية والاجتماعية و نعالج جزء من مشكلة البطالة المتفاقمة في الاقليم من جهة، ووضع حد لعشوائية الإستيراد وتشجيع المنتج المحلي أمام المنتجات التركية والايرانية والصينية البائسة من جهة اخرى.
اخيرا…اختتم مقالتي بمقولة الدكتور(علي شريعتي) في هذا الجانب قد تختصر كل المعاني وهي: افضل المشي في الشارع وانا افكر في الله على الجلوس في المسجد وانا افكر في حذائي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) السيد مريوان النقشبندي: اعلامي و ناشط في مجال التعايش الديني‎ والشؤون الدينية ‎في وزارة الاوقاف والشؤون الدينية، ولد سنة 1966 بمنطقة هورامان التابعة لمحافظة (حلبجة، جنوب شرق مدينة السليمانية), حاصل على دبلوم تقني في الكهرباء- في المعهد التفني في مدينة كركوك, يعمل منذ عام 1994 في وزارة الاوقاف والشؤون الدينية، وهو الان مسؤول عن ملف مكافحة الفكر الداعشي الارهابي، شارك في عشرات المؤتمرات والكونفرنسات المحلية والعربية والدولية والتي انعقدت من اجل دعم التعايش الديني وقضايا حقوق الانسان و التسامح والحوار بين الأديان.