عصام حوج : في الانحطاط والتفسخ.. وما بعده!


عصام حوج

التوصيف الأمثل للراهن السوري هو أن الوضع وصل الى درجة التفسخ، والتفسخ في أية بنية، يعني إن الكل مأزوم، الكل في مأزق: من السلطة، الى المعارضة، الى القوى المتدخلة بجميع مواقفها، وبغض النظر عن الموقف منها، لا أحد يمتلك أدوات تحقيق مشروعه، وكيفما تحركوا ثمة فشل جديد، وضريبة مستجدة يدفعها السوريين، واي احتكاك بين المأزومين بالطريقة السائدة منذ عشر سنوات، لم يعد يعني إلا المزيد من التفسخ.. دولة كسورية لم تعد قادرة على إشباع ناسها خبزاً، وماءً، وكهرباءً هل من توصيف مناسب، سوى الانحطاط؟

ماذا بعد..؟

ليست المرة الأولى التي يصل فيها التأزم على مسرح التاريخ إلى هذه الذروة، والتفسخ إلى هذا المستوى، في هذه الجغرافيا او تلك..ودائما كانت إحدى دلالات التفسخ على الرغم من كل مأساويته، هي أن حلاً ما بات على الابواب – على ما يبدو ثمة قانون هنا يفعل فعله – ومن يعرف الف باء علم التاريخ سيدرك ذلك، بدءاً من تفسخ الملكية الفرنسية 1789وسقوطها، وشبيهاتها آنذاك، ومروراً بتفسخ القيصرية الروسية، ومن ثم الامبراطورية العثمانية، وانتهاءً بالحرب العالمية الأولى، والثانية، دائما كان ثمة عنصر جديد يظهر ويضع بصمته على صفحة التاريخ، بشرط أن يتوافق مع حاجات الواقع الموضوعي، واتجاه التطور التاريخي ويتجاوز ما سبقه .. هذا الجديد لم يلحظه من نظر الى الواقع في حالته الساكنة، ولم يفهمه، فتفاجأ به، أما من التقطه كأفراد وقوى فدخل التاريخ..

في مرحلة انحطاط وتفسخ البنى، تبدأ حرب الإرادات، ولعبة عض الأصابع، من سيقول (آخ) أولاً ؟ في سورية لم تعد تنفع أي من الادوات السابقة : لاسلاح، ولاميليشيا، ولا دجل إعلامي، ولا اختراقات استخباراتية، ولا حميّات؛ وطنية – أو ثورية – أو قومية – أو طائفية، خريطة الجوع والقلق وحّدت الجميع، كذّبت كل النخب وأطاحت بالاصطفافات، الكل بات عاجزاً، وعارياً..

من يدعو الى الصمود بات محل سخرية، ومن يتحدث في الثورة تأتيه اللعنات من كل حدب وصوب، ثمة عنصر كان يبدو (مجهولاً) في معادلة الازمة، وفي الحقيقة كان قد تم تغييبه بقوة السلاح أكثر مما كان مجهولاً، الآن ثمة 5% من السوريين مستفيدين من الأزمة، بمواجهة 95% من المتضررين، وكل اصطفاف ما عدا ذلك بات مجال تهكّم وتندّر، من أي انسان يتمتع بحد أدنى من الفهم والضمير.

هناك إشارات واضحة من كل مناطق سورية، من درعا وبيان عشائرها الذي ينضح بوعي نسبي، يفوق وعي كل نخب السلاح والدم، سلوك ومواقف قوى مجتمعية واسعة وفاعلة في السويداء ضد حملة السلاح من اي اصطفاف كان، وارغامهم على التراجع عن العربدة والزعرنة، الفضاء الالكتروني وما يزخر به من ردود افعال تجاه سياسات النظام وخصوصاً في المناطق الخاضعة لسلطته، احتجاجات السوريين في المناطق الخاضعة لسلطة الاحتلال التركي بما فيها ادلب…

مواقف أبناء الجزيرة السورية من محاولات التوتير والفساد، ربما تبدو كل هذه المظاهر للبعض هامشية، وغير ذي جدوى، ربما لا يلحظها كل من ينظر الى المشهد بعين واحدة، ولايعيرها أهمية كل من حكم على نفسه بالاصطفاف في خندق من الخنادق، ولكن نظرة عميقة ستقول لنا: رغم حالة التفسخ، ثمة عودة للعنصر المغيّب من المعادلة، وبات يعبر عن نفسه بالف طريقة وطريقة و رغماً عن الكل، من لايرى ذلك حتى الآن، سيراه قريباً بالعين المجردة…بغض النظر عن الشكل الذي سيظهر به..

واستطراداً، ثمة مخزون سوري هائل، من اصحاب الكفاءات السورية، تم تهميشه، وتحييده، وشل فعاليته، وتحوّل الى قوة سلبية بعد أن اصطف تحت ضغط الحرب البسيكترونية مع أحد طرفي المأساة السورية: من دعاة الوطنية، ودعاة الثورة رغم انه لم يكن مستفيداً بالمعنى المباشر، ولكنه أخطأ في حساباته، او فعل ذلك كرها بالطرف الآخر، وليس حباً بالطرف الذي اصطف معه، وأصبح ضحية البروباغندا مثل غيره من السوريين..

المسؤولية بابعادها الوطنية – الثورية – الاخلاقية – الانسانية – تقتضي من هؤلاء اليوم الجرأة مع الذات، والمراجعة، وتغيير زاوية الرؤية الى الزلازال السوري، والخروج من دائرة رد الفعل المغلقة، و السعي الى اعادة انتاج مفهوم الوطنية لمن يريد، وإعادة انتاج مفهوم الثورة على حقيقتهما لمن يريد..

ما من طرف أساء إلى الوطنية الحقة، كما أساء لها سلوك السلطة، وهي التي غطت كل سلوكها مع الشعب السوري قمعاً وحرباً وتجويعاً بداعي الانتصار للوطن، وما من جهة اساءت الى الثورة الحقة كما اساءت لها معارضة الائتلاف، وهي التي ارتكبت كل الحماقات والموبقات بدءاً من الغباء السياسي وصولاً الى الارتزاق والعمالة، تحت راية الانتصار لـ (ثورة) الشعب السوري..

الوطن مقدس ولكن ليس الوطن الذي تقصده ديماغوجيا التشبيح والتعفيش، والثورة مقدسة، ولكن ليست ثورة تصبح في خدمة التشبيح والتعفيش الدولي، وتصبح مفرخة لإنتاج المرتزقة.

نختصر، ونقول، حزب الفاقة والجوع في سورية، امامه فرصة تاريخية، كي يكنس كل هذا الهشيم، وكل هذا الرماد المادي والروحي الذي خلفتها حرائق الحرب، واغلب الظن ان الجميع سيأتي الى الحل مكرهاً، ولكن حذار من استغلال حاجة السوريين الى الأمان والاستقرار والخبز، لتشويه وتمييع الحل، او سرقته.. القتلة عبر التاريخ عندما عجزوا عن ايقاف قاطرة التغييرحاولوا التحكم بطريق سيرها.. وعندما عجزوا عن ذلك احتلوا مقعداً فيها.