مفيد الجزائري وبشت آشان!

عبدالكريم كاصد.

كريم كاصد


في مقالتي هذه سأتناول اللقاء الذي اجراه د. علاء هادي الحطاب مع السيد مفيد الجزائري في برنامج “خطى” ولاسيما الجزء الخاص بـ “بشت آشان”، تاركاً التعليق على اللقاءات الأخرى إلى مناسبة قادمة. تدفعني إلى ذلك أسباب شتى، منها أن الجزائري الذي تَفترض به الدقة باعتباره صحافياً، وكاتباً، ونائبَ السكرتير العام للحزب الشيوعي العراقي أن يكون على معرفةٍ، بأدق التفاصيل المتعلقة بمجزرةٍ كمجزرة بشت آشان التي راح ضحيتها عدد كبير من مناضلي الحزب، بينما هو، كما تبين من حديثه، لا يعرف عدد قتلاها، ولا بواعث قتلهم وهو بهذا لا يحيلهم أرقاماً فحسب، وإنما هو يلغي حتى العدّ الصحيح لأرقامهم، مهملا لا الشهداء وحدهم، بل وما يشير إليهم أيضاً. كأنّ الحزب لا يملك سجلاً بهم، فلا تاريخ هناك ولا أسماء ولا عوائل شهداء تُزار لتُعزّى، وإنما عددٌ غائم لحدثٍ غائم لا يزال هناك من يتحدثون عنه، كما يتحدث الفلاسفة الذين يأتون عادة متأخرين إلى موضع الجريمة على حدّ تعبير ماركس، وحين يسأله المحاور: هل المجموعة التي هجمت هي بيشمركة جلال الطالباني و نوشيروان مصطفى، وكان بإمكانه الإجابة بنعم، فهي في كلّ الأحوال بيشمركة الاثنين إن كان أحدهما مجرماً أو بريئاً، ثمّ بإمكانه التطرّق إلى المجزرة متستراً على حرجه في الأقلّ، ولكنه على العكس مما هو متوقع انتفض كالملدوغ بكلمة “لا”.. جلال الطالباني ليس له علاقة مباشرة، ملقياً تبعات الجريمة على جماعة نوشيروان مصطفى.
لنفترض أن علاقته غير مباشرة، فهل يبرئه هذا من الجريمة، كما يُبرأ أمير مكافيللي عادةً بإلقاء وزر الجريمة على أتباعه، ما يجعل أهل القتيل ممتنين له، ولاسيما بعد رشوتهم بإعادة ما صودر منهم، أو بما ينتفعون به من عطايا الأمير الجديدة. وحين سئل هل كان الطالباني على معرفة بالجريمة أجاب السيد الجزائري مغلوباً على أمره بالإيجاب مكرراً براءة الطالباني، ورافضاً حتى تعبير”جماعة الاتحاد الوطني” الواردة على لسان المحاور الذي بدا أكثر معرفة بأحوال الشيوعيين من قائدهم السيد مفيد.
كل هذه المراوغة من أجل تبرئة الطالباني وإلقاء التهمة على نوشيروان وحده مفضلا التعبير الذي ذكرناه: “جماعة نوشيروان”. ولا ندري كيف يكون الطالباني وهو رئيس الحزب مُبرءاً على الرغم من معرفته بالجريمة، ولأن المحاور لم يقتنع أعقب سؤاله بسؤال آخر: وهل الطالباني اعتذر عن جريمة حزبه هذه نظراً للعلاقة الوثيقة التي تربطه بالحزب الشيوعي العراقي حالياً وسابقاً، كان الجواب: لا، أي أن الغموض ليس في الجريمة، ولا القاتل أو أسئلة المحاور، كما اعتاد القاتل والإعلام العربيان ممارستهما، وإنما الغموض في القتيل وأهله هذه المرّة.
ما يجري هو العكس: الجريمة واضحة والقتيل هو الغامض، بل يكاد القتيل يكون مجرّداً: لا عائلة له ولا اسم، بل حتى ولارقم (باختصار لا حزب له) فهو لدى السيد مفيد فوق 60 أو 65، ولدى قائد آخر أكثر من ثمانين، وفي مصادر أخرى سبعون وهذا لم يرد حتى في أردأ ديالكتيك ممكن تصوره في المنطق أو الفلسفة أو خارجهما.
ما يدفعني إلى الكتابة أوّلاً لا مفيد، ولا لجلجلته، وإنما أولئك الضحايا لا باعتبارهم شهداء أو أرقاماً، وإنما لأنّ لي من بينهم أصدقاء وأحباء قتلى، لعلّ أكثرهم باعثاً على الألم الفنانة الشابة الجميلة النصيرة عميدة التي مثّلوا بجسدها أبشع تمثيل، فهي كانت جارتي في عدن في مبنى البيكاجي. تسكن، مع رفيقاتٍ لها، الغرفة المجاورة لسكني الذي هو غرفةٌ أيضاً مع زوجتي الراحلة التي تربطها بالقتيلة صداقةٌ عميقة. والحقيقة أنهم لم يكتفوا بالتمثيل بها وقطع إصبعها الذي يحمل خاتم زواجها، بل تركوا جسدها طعماً للوحوش الجائعة التي لم تترك منها سوى العظام المتبقية، وشعرها الجميل الطويل الذي تتميز به، بعد أن أبدت وهي الرقيقة الناحلة الجميلة شجاعة قلّ نظيرها في مقاومتهم كما روى الرفاق الأنصار العائدون إلى دمشق.
أما شهود المجزرة الأحياء فمن بينهم أحد طلابي حين كنت أدرّس علم النفس في معهد المعلمين في البصرة إذ روى لي – حين التقيته قبل بضع سنوات في إحدى البلدان الإسكندنافية بدعوة من منظمة الحزب الشيوعي هناك لإقامة أمسيات لي، وكان هو مسؤولها – أنه عاش المجزرة لا كما عاشها الذين هربوا مخلفين وراءهم القتلى، ومَنْ تُركوا في مواضع الحراسة البعيدة من دون تبليغهم، وكان هو من بين هؤلاء. لم يرد في ذهن أحدٍ توقع مجزرة كهذه، رغم قصف طيران النظام العراقيّ المتواصل المريع، وعلاقة الطالباني بالسلطة العراقية آنذاك، وكأنّ الأمر حدث فجأة بكل أسبابه ونتائجه وهزائمه؛ فلا أحد يعلم ما الذي جرى، أو ما الذي سيجري، مثلما جرى لشعبنا من قبل، في أواخر السبعينات حين تُرك الآلاف يواجهون مصائرهم الشخصيّة مذبوحين أو هاربين على البغال، أوالجمال، والسير على القدمين، كما حدث لي وللكثير من الأصدقاء. هكذا يتكرر التاريخ لا كمهزلة، كما كتب ماركس مرة، بل كمأساة حقيقية تستعاد مرةً إثر أخرى.
كان هذا الرفيق في موضع حراسته مع رفيق آخر وحين انتهت مهمتهما في الحراسة وعادا إلى المقر فوجئا بأكداس القتلى، ولكنْ ما لم يتوقعاه أيضاً هو أصوات القتلة التي تصلهم من مكان ما همساً، ليس بعيداً عنهما؛ فاضطرا إلى حشر جسديهما بين جثث القتلى منتظرين أن يرحل القتلة وقد حلّ الليل ليلتحقا بالفارين من الرفاق الذين لم يتركوا لهما حتى شارةً في الطريق.
تل من القتلى وسط المقر.
إذن لم يكن هؤلاء القتلى بأسرى، ولم يتم فرزهم بصفتهم شيوعيين عرباً لا أكراداً ليجري قتلهم بدم بارد، كما جرى فيما بعد للكثير من الرفاق، وليغيبوا ليس عن المكان وحده، بل حتى عن ذاكرتك البيضاء التي تتطوح وسطها روحك في شاشة التلفزيون أمام الجميع، وقد يأتي من يصورها من رفاقك بأنها بطولةٌ، مثلما صورتَ أنت انسحابك أو هربك بطولةً. هذا ما يحدث في تاريخنا العربي المعاصر حين تٌصور الهزائم انتصارات، والانتصارات هزائم، فلا فرق بين معارضة ونظام في التبرير. أي أن الهارب يا مفيد الجزائري ليس هو الذي عاش التجربة، بل ذلك الذي اندسّ بين أكوام الموتى وسط همس القتلة. شتان بين هروبك ومعاناة الموت القريب على بعد خطوتين!
ولولا بطولة أولئك المقاومين الذين تكدسوا تلاٌ من القتلى في مواجهة ميليشيات الطالباني القادمة بكل همجيتها ووحشيتها لما نجوت أنت وغيرك ممن لم يتركوا حتى علامة باهتة لإنقاذهم، في مكان موحش، يقرّ الجميع على أنه أسوأ المواقع التي يمكن أن تُتخذ منطلقاً للقتال والمقاومة، وهذا ما اعترفتَ به أنت بشكل غير مباشر من دون أن تعي، ربّما، معناه الأبعد، حين قلت جاءوا من السفح ولم يكن أمامنا غير جبل قنديل الوعر لنجتازه وهذا يعني: السهل من ورائنا والجبل من أمامنا”. كنا نقرأ في الأدبيات الماركسبة، منذ نعومة أظفارنا واعتيادنا القراءة، أن “لنين” لا يدخل بيتاً من دون أن يعرف أسهل مخرجٍ منه إذا ما اضطرّ إلى الفرار.
أخليتم المقر – تقول – وانسحب “الجسم الأكبر”، فمن أين أتى هذا التلّ من القتلى إن لم يكونوا هم من دافعوا عن المكان حتى القطرة الأخيرة من دمهم؟
كيف يكون الطلباني البرئ طيب الذكر، على حد قولك في المقابلة، لا علاقة له بالمجزرة، وهو ذاته الشخص الذي يظهر في الفيلم المترجم المنشور في صفحة رفيقك وصديقي “شه مال عادل سليم” في الحوار المتمدن؟ فليعد إليه من يريد أن يتأكد من ذلك، وفيه يحث الطالباني مقاتليه على الهجوم على مقرات الحزب الشيوعيّ العراقيّ.
كيف يمكن أن يتفوّه بعد هذه الوقائع شاهدٌ مثلك بمثل هذه العبارات:”رجعت علاقاتنا طبيعية” بعد المجزرة” أو هذه العبارة التي لا أدري كيف سمح ضميرك بالتفوه بها:” ثم تُركت القضية”؟ أو “مو كلش متابع القضية”.
لا بأس لتقل ما تشاء ولكن أليس من المنطق في حدّه الأدنى أن توضح لنا لماذا هي “طبيعية”، ولماذا “تُركت القضية”، أو “لماذا موكلش متابع القضية” وأنت الآن الرجل الثاني في الحزب الشيوعي العراقي، أمّا عباراتك الأخرى: “ليس هناك صراع كرديّ كرديّ” أو ” المسالة – يقصد بشتاشان – مفتعلة” فهي باعثة على الضحك المرير، ولا يقولها إلا جاهل بتاريخ المنطقة – وحاشاك من الجهل – أو مستخف بعقول سامعيه. إنها من مراوغاتك المفضوحة الكبرى.
إذن بشت آشان مسألةٌ مرةً وقضيةٌ مرةً أخرى، أما المجزرة فهي بعيدة.. بعيدة جدّاً.
ليس في مثل هذه العبارات ذرةٌ من احترامٍ لذكرى القتلى، ومشاعر رفاقك وقارئك أو سامعك، بل وأيّ إنسان يمتلك الحدّ الأدنى من المشاعر الإنسانية تجاه رفاق قتلوا وأسروا وتعذبوا وأصيب بعضهم بالجنون، ووقع من نجا منهم ثمّ عاد إلى القتال ثانية، في قبضة السلطة العراقية فلم يُعرف مصيره حتى الآن ومن بينهم رفيق طبيب التقيناه في دمشق.
أردتَ أن تحصر السبب الرئيسيّ في عنصرية نوشيروان، ولم تكتف بذلك إذ استبدلته بالطالباني وجعلته هو ممثل الاتحاد الوطني في علاقته بالنظام العراقي، فاتخذته ذريعة أيضاً لتبرئةٍ أخرى، دون أن تعرف – وأنت العارف – أن ما يربط الطالباني بالنظام العراقي وبصدام شخصياً تاريخٌ يمتد كما يقول الطالباني نفسه إلى العلاقة التاريخية التي تربط عائلة طالباني بعشيرة البيجات التي ينحدر منها صدام حسين. وليس ما فعله الطالباني في بداية الثمانينات، عبر وفده المرسل إلى بغداد، يختلف عما فعله لاحقاً في بداية التسعينات، حين التقى بصدام وقبّل وجنتيه ذليلا على شاشة التلفزيون، ولا أعتقد أن صدام يقبل ولاءً ممن هم أقل منزلة من الطالباني المعروف بتذبذبه وخسته في التنقل من موقف إلى آخر، لذلك فإن القول إنّ نوشيروان هو الرأس ليس سوى امتداد لمراوغاتك المتواصلة، فليس لثعلب ماكر كالطالباني أن يكون عاطلاً مثلما كنتَ عاطلاً في براغ . وكلمة عاطل ليست من ابتداعي فهي ما صرحتَ بها أنت بنفسك في اللقاء.
كما إن دفاعك عنه ينقضه ما جرى فيما بعد في مستهلّ التسعينات حين خاض حربه مع الحزب الديمقراطي الكردستاني ودخل أربيل؛ إذ كرر ما فعله في مجزرة بشت آشان وأمر أتباعه بقتل جميع الأسرى من أعضاء الحزب الديمقراطي الكردستاني، وهم أكراد وليسوا عرباً، (هل سمعت بذلك؟ هل قرأت عن ذلك؟) وإذا سمعت أو قرأت فمن أين يأتيك هذا اليقين ببراءة الطالباني. إذا كنت لا تعرف ماضيك فكيف تعرف مستقبلك بل ومستقبل الآخرين الذين تنطق باسمهم قائداً. أمن المعقول أن ما جرى ثانية كان بأمر نوشيروان أيضاً وليس الطالباني (أمقتنعٌ أنت حقّاً؟) وباعتبارك إنساناً رقيقاً تتكلم عن القيم الإنسانية ألا تجعلك مثل هذه الأفعال المكرورة ساخطاً كافراً بالحزب ورئيسه مجتمعَين وبما فوقه كنوشيروان وما تحته من قادةٍ آخرين؟ أيصح في مثل هذا التكرار أن نضع فارقاً بين السكين وحاملها، أو نفلسف هذا الفارق بمثل هذه الضحالة التي يطالعنا بها البعض من المنتفعين؟ هل يمكن أن تتكرر التبرئة مرتين؟ وإن تكررت في مجزرتين كبيرتين فلم التبرير والالتصاق بقائدٍ خائرٍ ضعيف مفرد لا يملك من أمره شيئاً، هو في وادٍ وحزبه في واد (وهذا محال)؟ وإذا كنا مخطئين في تقديرنا الأول، فهل نحن مخطئون في تقديرنا الثاني، وهذا ما تفصح عنه الوقائع ويقوله الأكراد أنفسهم بلا مواربة عمّن تنعته بالطيب الذكر البريء رئيس جمهوريتنا العزيز الذي كان يعيّن مسسشاريه في أثناء زياراتهم العابرة إليه ليودعهم من مكتبه، مبهورين، مبهوتين محمّلين بالشارات، والأعطية، والرواتب الضخمة، والنياشين، وهذا ما حدث لصديق عزيز لي اضطرني أن أتناوله، على مضض، بفصلٍ كاملٍ من كتابي الحواريّ الذي أجراه معي الصديق الشاعر معتز رشدي، لا بوحي مني، وإنما استناداً إلى ما كتبه هو في مذكراته حرفياً، حتى أنه شعر بخجل شديد، لا لتقبُّلِهِ كلّ هذه العطايا، بل لأنه لم يستطع حتى أن يُقيم فعالية كاذبة واحدة، ليبرئ ذمته رغم قدرته الكبيرة على تبرئة ذمة الطالباني التي يشاركه فيها الكثيرون ومنهم أنت.
كم مرة ردّدتَ أنك لا تعرف سبباً للهجوم! ثم فجأة عرفت السبب لأنك لم تستطع الإفلات من إلحاح المحاور، من دون أن نعرف نحن: هل هي بسبب أم بلا سبب؟ أم هي بسبب وبلا سبب؟ (ألا يكفي الذهاب إلى بغداد أن يكون سبباً؟) وليتك اكتفيت بذلك، ولكنك ضاعفتَ الأسباب لك وعليك، فأضفت سبباً ثالثاً لم تقله أنت ولم تقله الوقائع ومن قاله هو ملا بختيار، ولم يقل ملا بختيار غير ما أنقله حرفياً على لسانك: “الذي فُهم بعدين عن السبب جاء من أفواه قادة الحزب – أي قادة حزب الاتحاد الوطني -” ماذا قال ملا بختيار:”الهجوم على الشيوعيين ما كان لازم اصير” ياسلام.. هل وضح السبب الذي كان من بعد وليس من قبل، ومتى؟ في سنة 2020 ، وبعبارة مجردة لا تعني شيئاً ولا تفسّر سبباً، ولكن بالنسبة إلى السيد مفيد كان كل ما يريده هو هذه الجملة لتبرئة نفسه لا لإدانة العدوّ – إن كان عدوّاً-:
المحاور: تركتم الأمر
مفيد: إلى ان يأتي وقت مناسب وتُطرح القضية
المحاور : ولم يأت هذا الوقت
مفيد: اجت من طلعت الحقائق التي حجاها (قالها) ملا بختيار
فهنيئاً لرفاق الحزب ولأصدقائه ومحبيه بمجيء الوقت المناسب الذي لم نشعر بمجيئه للأسف.
علّق المحاور إثر هذا الحوار تعليقاً بسيطاً ولكنه مؤلم يلخص مشاعر الكثير من شيوعيين وغير شيوعيين:
– ودماؤكم اللي راحت منو يدفع ثمنها؟
حقّاً أن ثمة لوثة في فهمي أو في فهم هذا الرجل المرتبك طوال اللقاء. والأدهى من ذلك أنه يقول إنه لا يدري إن قرأ هذا التصريح في كتاب أم مقالة ثم يسأل المحاور: “سامع بيه (يقصد ملا بختيار)” فأجابه المحاور الهاديء الذكيّ: إن هذا ما قاله في برنامجي فهب صاحبنا ليرجوه أن يسلمه نسخة منه فكان رد المحاور أنه موجود في اليوتيوب – يا للسخرية!.
قائد لا يقرأ فهل يرى؟
سنرى.
مادمت تعرف السبب وأن وراءه النظام العراقيّ ونوشيروان فلماذا كانت المباغتة وعدم توقع الهجوم؟ وشللكم الذي وصل حدّا لا تستطيعون فيه حتى إخطار حراس مواقعكم للنجاة بأنفسهم مثلما نجوتم أنتم؟ أليس الأولى أن تكونوا في غاية الحذر وعلى استعداد لمواجهة مثل هذه المخاطر التي وراءها شيطان هو ألعن من سيّده الطالباني المشهور بثعلبيته وتقلبه المفاجيء اللذين لا يجاريه فيهما أحد؟ فهو (بين بغداد وطهران رائحٌ غادٍ كما يعرف الجميع) لماذا حديثك الباهت، إذن، الخطابيّ الإنشائي عن عدم جواز قتل الأسرى ووووو…. والتظاهر بإنسانيتك العريضة المفاجئة في الدفاع عن القيم، بينما ترواغ في أخطر ما يدنّس الإنسان: تبرئة القاتل وكأن هذه التبرئة ليست أقل جرماً فكيف إذا كانت هي السبب المباشر للقتل كما تدل الشواهد.
كيف تفسر هذا المشهد الذي روته نصيرة من نصيرات الحزب، شاءت المصادفة أن تنجو من الأسر: “كنتُ واقفة في طابور الأسرى ولم أشعر إلا وأحدُ القتلة تقدم من الرفيق الذي أمامي وأفرغ في رأسه كلّ رصاصه فأرداه قتيلاً، وحين صرختُ في وجهه شاتمة أياه بأقذع الألفاظ كان رده أنك امراة ولا تستحقين الردّ”.
هل كان يعرف أنه عربي وليس كردياً؟
هكذا هم حلفاؤكم قتلة مجرمون: أعداء لدودون ليس للشيوعية وحدها، بل لكل شيء جميل: امرأة أو غير امرأةٍ، كرديّ أو غير كرديّ، عربيّ أو غير عربيّ، وهم في عدائهم للشيوعية يذهبون في أحقادهم حتى أبعد من العنصرية ذاتها. ولكن هذه الحقيقة غائبة عنك، لانك لم تواجههم إلا أيام السلم بصفتك قائداً، أو وزيراً محروساً بسور سليمان، توزع ابتساماتك اللطيفة للجميع أصدقاء وأعداء، أو هارباً تاركاً رفاقك خلفك يتكدسون كالتل، فرِحاً بنجاتك وملاقاتك للعدو ثانية، وهو في قناعه الجديد على مسرح تمثيل أنت واحدٌ من ممثليه أيضاً. هكذا ينعكس الواقع العراقيّ مقلوباً في المرآة.
سأغلق عينيّ وضميري مؤقتاً وأقتنع بكل ما قلتَ ولكن أين اضع كلامك في أي خانة إنسانية أو غير إنسانية (هل هناك علاقة بين خانة وخيانة في اللغة؟) حين أجبت عن سؤال محاورك هل تمّ إعدام جميع الأسرى؟ فكان جوابك المعتاد: “لا أعرف .. لو أعرف أكلك.. أنا موكلش متابع القضية ” وكأنك تقمصت روح حليفك السابق أيضاً السيد أياد علاوي، بينما نحن، البعيدين عن المجزرة، التقينا بالعديدين منهم. ألم تلتق بواحدٍ منهم؟ ألم ترهم؟ لتسألهم بصفتك صحافياً ولتعرف منهم ماجرى بعد انسحابك البطوليّ، حنيناً إلى المكان الذي يحن إليه حتى القاتل يا مفيد الجميل الإنسان الذي يتساءل في المقابلة كيف يتم أعدام الأسرى؟ وكل تاريخ البشرية يقول العكس: كيف لا يتم إعدام الأسرى؟. إن ما يستوقف النبيه ليس السؤال الأول، بل الثاني لكثرة ما شهدته البشرية من الآلام والخيانات المتلاحقة عبر التاريخ حتى في سلوك أشدّ أبنائها نبلاً. إن مهمة القيادة ليس طرح الأسئلة الفلسفية حول الأسر، أيها الفيلسوف، بل إنقاذ الاسرى؟
ليس السؤال هو: أهنالك أسرى أطلق سراحهم من الشيوعيين العرب وقد التقينا بهم، وإن لم يلتق بهم السيد مفيد، وإنما هو كيف أطلق سراح الأسرى: بوساطة من؟ أكان ثمة تفاوض بين القيادتين: الاتحاد الوطني والشيوعي، وكيف تم وصول هؤلاء إلى دمشق واليمن؟ وغيرها من أسئلة ملحة مؤرقة لا يزال الجميع يطرحها بألمٍ.
يقول السيد مفيد كنا لسنا في وارد أن نشعل القضية من جديد بعد زيارة وفد الطلباني إلى بغداد. طيب.. وإن أشعلها الآخر فماذا تفعل؟
تتحدث وكأن لا مهمة للحزب الشيوعي في كردستان غير التوسط للمصالحة بين حزبين كرديين عدوين عرفا بعدائهما المستميت لبعضهما بعضاً! أحدهما حليفٌ لنظام بغداد، ثم لطهران والآخر قد يكون مشروع حليف، وهذا ماحدث لاحقاً، كعادة الأحزاب في شرقنا الأوسطي أو الوسطيّ، وكلاهما في حرب دموية دائمة منذ 1976 لم تتوقف إلا بهدنةٍ وسيطها، كما يكتب البعض، إيران في أواخر الثمانينات، غير أن السيد مفيد لم يكف عن الحديث عن التوسط للمصالحة بين العدوين حتى بعد المجزرة، بحيث يجعلك مبهوتاً لا تفرّق بين مرحلة وأخرى من مراحل تاريخ الحزب. وقد تبدو هذه المهمة أقرب إلى الكاركتير عندما تسمع السيد مفيد يتحدث عن مساع حميدة لا تعقبها إلا حروب بين الطرفين أو مجازر كمجزرتي بشت آشان وأربيل وقتل الأسرى البرزانيين إضافة إلى مآسٍ أخرى كالأنفال. كيف يحرص حزب على وحدة حزبين أحدهما عدو لدود لم تجف دماء ضحاياه بعد. أليس هذا اعتراف علنيّ أو ضمنيّ على بشاعة ما كان يجري من لا مبالاة رهيبة إزاء أحداث ومصائر كبرى.
لعل من المساخر الأخرى أن تؤدي كل هذه المساعي الحميدة لا إلى مصالحة العدوين اللدودين، بل إلى انشطار الحزب الشيوعي العراقي إلى حزبين عربي وكردستانيّ.
كان مسعود البرزاني كثيراً ما يصرح أن التفاهم مع صدام أهون من التفاهم مع جلال الطالباني فكيف وأنت المهزوم قادر على تقريبهما.
أجل هناك من سيأتي ليدافع عن كلمات مفيد المترددة، المراوغة ولكن سأقول له إن تبرئة الطالباني ليست جديدة، فهي جرت بعد تنفيذ المجزرة مباشرة، من خلال الرسالة المذلة التي قُرئت علينا في التنظيم، أيام دمشق، والموجهة إلى جلال الطالباني بصيغة المخاطب: مام جلال، وكأنها تخاطب حليفاً حبيباً بتوسّلٍ ذليل. أتذكّرُ أن المسؤول التي قرأها ردد كالببغاء: “هل رأيتم رفاق جرأة هذا الخطاب؟” لم تستطع فنانتنا الكبيرة الراحلة، فنانة الشعب زينب أن تكبح غضبها: لتصرخ في وجهه: كفى! وهل هناك ذل أكثر من هذا؟!. حتى أن الحزب فكّر، بعد أن أثار استياءنا وهزءنا هذا المسؤول الفاقد الذكاء، بتنحيته ومفاتحتي ومفاتحة بعض الرفاق بالحلول محله، فأنكرنا أننا نقوم بمثل هذه المسؤوليات التنظيمية البليدة القائمة على التبرير والولاء، ففي نشاطنا الإعلامي والإبداعي ما يغنينا عن مثل هذه المواقع.
وهذا ما دفع الحزب إلى استدعاء رفيق من الخارج كان أكثر ارتياباً منا وأشد استياءً مما يجري متحملا المسؤولية بخجل شديد. وهو لا يزال معافى ويقرأ كلماتي الآن. ولكي أقول لمن يأتي مبرراً أو مؤوّلا كلامَ مفيد، وهم كثيرون، أنني حين كنت سكرتيراً لمجلة الثقافة الجديدة طُلب منا أنا ورئيس التحرير آنذاك الدكتور الراحل غانم حمدون اللقاء بالطالباني مع عدد من العاملين في الإعلام من مثقفينا فرفضتُ الذهاب إلى المقابلة بينما ذهب الجميع، ولا أعتقد أن هذا موقف شخصيّ فأغلب من التقيتهم من الشيوعيين يشاركونني موقفي هذا. وحتى لو كان هذا موقفاًعاماً من الحزب فإين موقف الجزائريّ الشخصيّ باعتباره صحفياً وكاتباً ومثقفاً؟
وإذا ما تركنا بشت اشان يا مفيد يا من كنت تردد طوال اللقاء التلفزيوني إعلانك الأثير أنك لا تعرف، وأنك عاطل فإن من الغرابة أن أسمع منك، ولربما من غيرك، أن لا عمل لكم في أوربا طوال نصف قرن مضى غير نشاطات محصورة بالسفرات، والاحتفالات، والأماسي الشعرية التي عادة ما يدعى إليها شاعرنا الجواهري المقيم بينكم في براغ. وكأن أوربا خلت من المنظمات العربية والعالمية التي يمكن مخاطبتها بقضيتنا ومحنتنا، ولا سيما أن براغ مركز لنشاط أوربي محتدم يتطلب معرفة باللغات، والاتجاهات، والمناحي الفكرية العديدة، والصراعات الدائرة آنذاك في العالم أجمع، وهذا ما لم يستطع حتى الراحل “علي الشوك”، على الرغم من معرفته الموسوعية، كما جاء في سيرته، أن يحققه بمعرفته هذه، أو بلغته الإنكليزية العاجزة عن مجاراة هذا الواقع المحتدم. إذا كان الأمر هكذا فلم رشحك الحزب أو رشحتَ نفسك إلى الهيئة الإدارية لرابطة الكتاب والصحفيين والفنانين الديمقراطيين العراقيين؟ فأنا، و كنتُ سكرتيرها، لم أر منك نشاطاً حتى خافتاً، أو كتابةَ ما يدل على أنك كاتب وصحفي قديم، فلا مقالة قرأتها لك في مجلة رابطتنا التي صدرت منها أعداد كثيرة آنذاك، ولا مشاركة تُذكر رغم ان الرابطة كان لها فروعها العديدة في الكثير من بلدان العالم، وتضم أكثر من الف عضو من الفنانين والشعراء والكتاب والصحفيين وكان بعض أعضائها يراسلوننا حتى من الهند.
حسنا إذا كان كل شيء دافعاً إلى العطالة فلم هذه المعلومة التي يعرفها الجميع أنك عملت في المخابرات الجيكوسلوفاكية. ما الظرف العظيم الذي دفعك إلى الارتباط بوكر مريب حتى ولو كان في مدن اليوتوبيا، وحين سألناك يوما في اجتماع في مدينة برمنغهام سنة 1990 كان مقصوراً على الحزبيين ولم يُدعَ له من خارج الحزب سواي، باعتباري رفيقاً سابقاً معنياً بأمور الصحافة والإعلام، سألناك وكان من بين الحاضرين من الأحياء الفنان فيصل لعيبي، والنصير مناف الأعسم: بماذا تردّ على مثل هذه الأقاويل؟ لم تنكر وغلفتها كعادتك باعتبارها علاقات رفاقية وهذا يعني أنك لم تكن عاطلاً، بل أنّ مهماتٍ جساماً تطلبت أن تكون على علاقة بمخابرات بلد يعرف الجميع ما ذا تعني الاشتراكية فيه. ولعلّ تجربتك هذه هي التي تكمن وراء مراوغاتك التي شهدناها فيما بعد.
أما حيرتي التي ما بعدها حيرة فهو افتتاحك جلستك التلفزيونة بمديح الشاعر صادق الصائغ الذي تصفه بـ “الأخ الأكبر”، ولا أدري هل قرأت ما كتبه عن “الأخ الأصغر” الذي هو أنت في قصائده المنشورة بعنوان: “قصائد إلى مفيد الجزائري”: والتي احتوت نعوتاً لا تقال حتى في ألدّ الأعداء: يهوذا، بروتس، الملاك الذي يطعن من الخلف ويقول لقتيله بتواضع كبير: من أكون أنا سيدي من أكون إزاءك (وهذا ما فعلته أنت في المقابلة بكلماتك المداهنة لمن يصفك بأسوأ صفات البشر على الأرض). ولا يكتفي صادق بهذا بل يستمر في نعوته: حرباء “لا لاعب أكثر مكراً منك، لا أحد يتلون مثلك كالحرباء” ، ثم ينهي قصيدته أو قصائده بأنك قاتل رفاقك:
5 – وَمَاذا تـَكـــوُنْ ؟
وَمَاذا تـَكـــوُنْ ؟
رَفيـْقاً يـُبادِلُ لحْظـَةَ َحَـظٍ ضـَريْرهْ
بـرُفــــاتِ رَفيْـقٍ قـَتـــيْلٍ ؟
أأنتَ ابْنُ آوى
يُسَافِر ُفي جسْم ِحَمْلٍ ؟
امُحْـــدُث ُنعْمـَهْ
بأسْنـَانِهِ الجَـائِعَهْ
يُعَضْعضُ قطـْعَة َنقـْدٍ ؟
أقِنـَاع ٌجَديْدٌ
واكذوبَة ٌ
ذات نـَصْلٍ مُفـَضْضْ ؟
أنا في الحقيقة لا أفهم مثل هذه المداهنة أبداً.. وإن كانت تسامحاً فهذا التسامح لا يليق إلا بمن كان متصوفاً، أو زاهداً وأنت أبعد البشر طرّاً عن هاتين الصفتين، لما أعرفه عنك من أمثلة يعرفها أيضاً الصديق الشاعر صادق الصائغ. لن أتوقف عندها؛ لأنها ليست شاغلي ولكني أتساءل إنْ كنتَ تداهن السياسيين الأعداء فما حاجتك إلى مداهنة الشعراء، ومنهم صادق الصائغ الذي لا يمكن أن يصدّق، على الاطلاق، بهذه المحبة المجانية، وهذا ما تشي به قصائده العديدة ومعرفتي به صديقاً.
ولم يقتصر الأمر على ما قاله صادق الصائغ فما كتبه الشاعر الراحل سعدي يوسف عنك أشنع بكثير حتى أنني أعف عن ذكره.
هل أسرد لك ما قاله الآخرون فيك علناً وآخرهم مازال رفيقاً في الحزب هو الفنان فيصل لعيبي في آخر تعليق له عنك: “الرفيق مفيد دائماً يدوّر الزوايا الحادة ولا يريد ان يتورط في نقاشات قد تؤثر على علاقاته مع الآخرين وانا متابع للعديد من لقاءاته . فلا تفهم منها لاباطل ولا حق.أو هو مع من او ضد من، ولا أدري كيف تم إنتخابه نائباً للسكرتير العام للحزب”
أنت تخفي جريمة بشعة وقاتلاً بشعاً هو جلال الطالباني الذي لا يمر ذكره من دون تسبيح منك ومن رفاقك المنتفعين ومنهم رفيقتك هناء إدور التي تبدو أشجع منك بإعلانها الصريح في التلفزيون: “وأفتخر أيضاً باعتراف الفقيد الطيب الذكر مام جلال بدور حركة الأنصار العراقية وتقديرهم وأنا كنت واحدة من الذين شُرفوا بهذا التكريم براتب تقاعدي بدرجة وكيل وزارة وليس بدرجة وزير”
هنيئاً لهناء!
(ممكن لأيّ كان أن يطلع على هذا التصريح في اليويتيوب).
ما هذه “الطيب الذكر” التي يرددها الجميع؟ الطيب الذكر بماذا؟ بجريمته أو جرائمه، بتنصيبه رئيس جمهورية لبلد محتل في طريقه إلى الهاوية وباختيار بريمير الطيب الذكر أيضاً؟ بحزبه القاتل (ألم تقل إنهم هجموا علينا بالمئات؟” كيف لرئيس حزب لا يعرف بهجوم المئات وليس له رأي في ذلك هل تصدق هذا أنت الذكي البارع الديالكتيكي المتصوف الزاهد الوزير السابق (أتذكّرُ وجهك في المربد حين نودي باسمك مرة بصفتك وزيراً سابقاً كيف تهلل وأشرق حتى حسبتك حقّاً أنك الزاهد العفيف الشريف المتصوف مفيد الجزائري).
حسناً لنتفق أن جلال الطالباني في جهة، وحزبه في جهة أخرى، فهل هو يرئس الفراغ، وحزبه المليء بالقتلة يرئسه مجهول. ما هذا المنطق الذي لا يمكن الاسترسال فيه معك ومن هم أمثالك
إنّ أبسط ما يقال فيك إنك:”عدوّ المثقفين” لأنك فاشل صحافياً وكاتباً ومثقفاً وليس أدلّ على ذلك من المقابلات الأربع التي جرت معك وجهلك حتى بما يحيط بك من ماضٍ قريب.
أستغرب أن رجلاً بهذه المواصفات ممقوتاً في الوسط الأدبيّ تُعهد له مهام ثقافية، في وسطٍ هو في غاية التعقيد، لذلك أنصحك من العقل، وليس من القلب أن تبتعد عن التدخل في هذا الوسط وإلا ستجلب الخراب لا لنفسك وإنما لمن يقفون وراءك لتبدو ضئيلاً ممسوخ الهيئة كلما ارتفعت.

2021-07-26