لستُ جميلة يا ربّي، طيّب ما ذنبي؟!

ضيا اسكندر

2021 / 4 / 16

كانت السماء تصهل بفجائعيّة من يُحتضَر، عندما داهم ظلام الليل الضيعة، يتخلّله وميض البرق المبهر، متناوباً مع هزيم الرعد الغاضب. وشآبيب المطر تسوط البيت الطيني بعنف أشبه بوقع آلاف السياط الناقمة. الأب مستلقٍ مغمض العينين، يبتهل إلى الله كي لا يدلف سقف البيت في هذا الجوﱢ العاصف. وأولاده الخمسة يلتحفون أغطية الصوف وقد غطّوا رؤوسهم من شدة البرد. وأمّهم بين الفينة والأخرى تلقّم الوجاق بحطب السنديان والبلّوط. أمّا نظيرة كبيرة أخوتها، فإنها تستلقي على طرف الفرشة التي اختار أهلها أن تكون في هذا الركن المهمل قرب الباب، تلحُّ عليها مجموعة من الأسئلة في ليالي الشتاء الحزينة ككلﱢ عام منذ أن وعت على هذه الدنيا. تستعرض من خلالها مسيرة حياتها المكتظّة بالإهمال والشقاء وتناجي خالقها بالقول:
يا ربّ، دخيلك لا تؤاخذني. كل مرة أُسمِعُكَ ذات الموّال. أرجوك لا تضجر منّي. لِمَن أبثُّ شكواي، حيث لا شفيع ولا مجيب لي سواك؟! والله لولا شعوري بأني مظلومة ما فتحتُ فمي بحرف. طيب لماذا خلقتني هكذا!؟ ألهذه الدرجة أنت ساخطٌ عليّ؟! لم تتكرّم بمنحي ملمحٍ جماليﱟ واحد! فأنا حدباء بدينة، ذراعاي قصيرتان جداً، وكذلك الأمر ساقاي. شعري أجعد ملبَّد لا تدخل فيه حتى أسنان المشط الواسعة. أنفي ضخم وعيناي صغيرتان. وسُمرتي داكنة. لا رقبة لي؛ فرأسي يلتصق مباشرةً بنحري. كما أن صوتي خشن. وفوق كل ذلك، عرجاء إثر خلع ورك ولادي. لم أتابع تحصيلي العلمي في مدرسة القرية. فقد كان أقراني يعيّرونني بقباحتي، يقلّدون مشْيتي وصوتي ويُغيظونني يومياً بضحكاتهم الكاوية، يتردّدُ في صداها أكثر العبارات سخريةً واستهزاءً بشكلي. لذلك كرهتُ المدرسة وكل من يرتادها وقرّرتُ أن أتركها غير نادمة.. لم أعرف لعبةً واحدة من تلك التي يلعبنها البنات. فأنا مكروهة منبوذة منهنَّ جميعاً. لم أشارك بواجبٍ اجتماعي في كل مناسبات الضيعة طيلة حياتي، لا في أفراحها ولا في أتراحها. حتى أهلي يا ربّي ينفرون منّي. ولا يوفّروا ظرفاً ليُجهروا اشمئزازهم إلّا ويقذفونني بأقسى نصال الكلمات الجارحة. فأنا مثلاً لا أجرؤ على النظر في المرآة بوجودهم لئلّا يتهكّموا. فغدَوتُ أفضّلُ الموت على حياة الذلّ هذه.
ولكي تبعدني أمي عن تعليقات أخوتي الاستفزازية، كلّفتني برعاية العنزات، وأنا طفلة لم أتجاوز الثامنة من عمري. أستيقظ من الصباح الباكر، أخوتي يتوجَّهون إلى المدرسة، وأنا إلى البراري الموحشة برفقة خمس عنزات وتيس. أعود عند الظهيرة لأرتاح ساعاتٍ ثلاث، ثم إلى البرّية مرةً أخرى حتى يذوي النهار ويدمي الغروبُ السماء.
ومع مرور الأيام أصبحتُ أعشق مهنة الرعي، فهي تُشعرني بأهمية وجودي؛ وصرتُ صديقة الينابيع والطيور والوديان وزهور الطبيعة. كم كنت أنسى الزهرات التي أقطفها وأضعها خلف أذنيّ كما يفعلن بعض الصبايا. ولدى بلوغي مشارف الضيعة يضحك هازئاً على منظري أوّل من يراني. فأُسارعُ إلى نزع الزهور ورميها على الأرض وأنا أذوب خجلاً..
ولكن ما يسعدني يا ربّي، أن أهلي وبفضلي، صاروا يشربون الحليب ويأكلون الزبدة والجبنة والشنكليش. وعند ولادة حبيباتي العنزات وبيع سخلاتها، يشتري لنا أبي أهمَّ ما نحتاجه من أغراضٍ مؤجّلة. فطبيعة ضيعتنا بائسة جبلية حراجية ومداخيلها شحيحة.. فقد اعتمد أهلوها على استصلاح ما تيسَّر من مساحاتٍ مستويةٍ من أراضيها بواسطة قلع الصخور والأحجار منها، لتتحوَّل إلى حواكير صغيرة صالحة لزراعة التبغ وبعض أشجار الزيتون.
أشدُّ ما يؤلمني يا ربّي هو فصل الشتاء؛ فكثيرةٌ هي الأيام التي لا أبرح فيها البيت بسبب غزارة الأمطار وسرعة الرياح. فضيعتنا على كتف جبلٍ تتساقط الثلوج عليه كل عام، وتبقى مكلَّلةً أعاليه ببياضه أسابيع عديدة. فأضطرُّ إلى البقاء في البيت أتفقَّد العنزات في الحظيرة عدة مرات في اليوم. أقدﱢمُ لهم العلف والماء وأتسلّى بملاعبتهم. فهم أصدقائي الوحيدون في الضيعة كلها. وصارت أثوابي جميعها تفوح منها رائحة الرَّوث، التي لم تعد تفارقني حتى بعد استحمامي الأسبوعي.
يا ربّ! أليس من حقّي أن أكون معشوقةً كغيري من الصبايا؟ ها قد شارفتُ على الثلاثين من عمري، ولم أتلقَّ كلمة غزل من شاب. صحيح أنني أفتقر إلى الحدﱢ الأدنى من الجمال، لكنّي لستُ مجنونة، وصحّتي جيدة، وأملك نهدين كبيرين وشفتين غليظتين و.. ثم ما ذنبي أنني خُلِقتُ بهذه الهيئة؟! لم أخترْ شكلي ولا اسمي ولا ديني ولا عائلتي ولا ضيعتي.. يقولون أنني أُعاقب في هذا الزمن لأُكفِّرَ عن ذنوبٍ اقترفتها في حياتي السابقة التي لا أعرف عنها شيئاً. ليتك يا ربّي تذكّرني بها لأتداركها في هذا الجيل. فالعقوبة التي فرضتَها عليّ بخُلقتي هذه، أقسى بكثير من أن أُطبَخ في قدور جهنَّم. أتضرَّع إليك يا ربّ أن تسامحني إذا كنت أعبّر عن غضبي وقهري».
التفتت إليها أمّها، وعلى لهيب نار الوجاق لمحت دموع نظيرة تنسرب على وجنتيها. فأدركتْ ما يجول في خاطرها. اقتربتْ منها بهدوء متسلّحةً بأكثر ما تملكه من عطفٍ ومودَّة، ومسحتْ دمعها وهي تقول لها:
– لماذا تبكين يا ابنتي؟ نامي يا عيني نامي!
ردَّت عليها نظيرة وقد نبتت على شفتيها بسمة خفيفة وسط الدموع:
– يامو، في الجيل القادم، ألن أكون حلوة؟ فأنا لم أرتكب في هذا الجيل أيَّ ذنبٍ على ما أعتقد؟
مسحت أمُّها دموعها مجدَّداً بحنان، وهي تهمس بنبرةٍ متهدّجةٍ تحمل حزن جميع القرى المنسيّة:
– ستكونين إنشاء الله الست بدور يا روح أمّك!
غطّت نظيرة رأسها وهي لا تزال تشرق بالدمع متمتمةً:
– يا ربّ، دخيل اسمك عجّلْ في رحيلي عن هذه الدنيا إلى حياةٍ قادمةٍ أخرى، بشرط أن أكون فيها جميلة. أنا لا أطلب مالاً ولا جاهاً. فقط أن أكون جميلة. فها أنذا أقضي حياتي وحيدةً مُعذَّبَةً صابرة. لم أرتكب إثماً كبيراً كما أخمّن، وحريصة ألّا أؤذي أحداً كما تعلم. فهل ستحقّقُ لي أمنيتي وأنت السميع القدير؟! أرجوك يا ألله لا تُخيّب رجائي!