كيف نفكر – فريد الحداد : الحالة العراقية والاختراق المطلوب على خطى منديلا لضمان مستقبل العراق والاجيال القادمة


فريد الحداد

منذ 2011 تحاول الفئات الشبابية الوطنية، وأحزاب ومنظمات المجتمع المدني إصلاح المنظومة الحاكمة بهدف إعادة بناء البلد المنكوب، الذي إذا استمر على هذا الحال فمن المؤكد اننا لن نستطيع التحدث عن مستقبل، لأن البلد لن يكون له مستقبلاً اطلاقاً، فلربما يتجزأ ويضمحل ضمن بلدان الجوار التي تتصارع على نهشه.

‎وكان يرتفع في هذا المخاض صوتاً غير مسموعاً في الساحات يدعو الى إسقاط المنظومة الحاكمة الفاسدة، لكنه تصدر التظاهرات فجأة في انتفاضة تشرين 2019 المستمرة حتى يومنا هذا رغم مواصلة ” الاصلاحيون ” التشويش عليه، سواء من قبل متظاهري ” الاصلاح” أنفسهم أو احزاب المنظومة ذاتها التي تتاجر بشعار الإصلاح.”

‎أذن فالمخاض مستمر حتى يومنا هذا وهي مدة ليست بقصيرة منذ 2011 حتى 2021.

‎أنها عشر سنوات عجاف لم نخرج منها بالتغيير  الجذري المطلوب رغم التضحيات الجسام باستشهاد مئات الشباب وجرح وإصابة وعوق واختطاف عشرات الآلاف منهم.

‎ وافقار المزيد من العوائل وازدياد مكبات النفايات ازدحاما بمن يبحث عن لقمة العيش فيها.

‎ولا أرى ان الجماهير المنتفضة ستستطيع الغلبة بهذه الإستراتيجية والتفكير المبني على محاولة إزاحة هذه الطغمة الفاسدة من سدة الحكم وسحب السلطة من يدها وحتى الآمال بمحاسبة السراق والمقصرين. رغم اهتزاز المنظومة اهتزازاً كبيراً.

‎فعشر سنوات كافية لنتوقف وننظر في استراتيجية العمل وما أنجزته التظاهرات؟

‎وما الواقع الذي اصبحت عليه أحزاب السلطة الفاسدة حيث تركز السلاح بيدها لدرجة تهدد به الدولة وأصبحت أكثر وحشية واجرام بحق المتظاهرين السلميين!!

‎اما الدولة التي تغير رأس الحكومة فيها وهذا الإنجاز الأوضح للانتفاضة، فهي حكومة ما زالت تمثل الطغمة الفاسدة رغم تقنعها بقناع حكومة مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة وتحقيق أهداف انتفاضة تشرين.

‎بعد هذه السنوات العشر التي مرت بالتظاهرات المتوجة بانتفاضة تشرين…حانت ساعة أن نسأل أنفسنا مجموعة أسئلة..

ماذا نريد بالضبط؟

‎ما هي الأهداف الاستراتيجية الصحيحة التي يجب تبنيها؟

‎كيف نخطط على أساسها الصراع اليومي وكيف سنخترق هذا الواقع ونقطع الحلقة المفرغة؟

‎لا اريد ان اقلل من شان الانتفاضة او عدمية وجدوى التظاهر او مواصلة الصراع، بل سيبقى ويتواصل الصراع، بل والصراع الحاد مع أعداء التقدم والتطور للبلد والعيش الرغيد لشعبنا.

‎ لكن السؤال الكبير هو …كيف سنخوض المعركة القادمة في ظل هذه الظروف كما شرحتها وواقع ميزان القوى على الأرض…؟

‎يبدو أن أسوأ سيناريو يبرز على الواجهة اليوم، هو القبول بحالة مشابه لما حدث في السقوط من قبل الاحتلال الأميركي للبلد عام 2003…

‎وما نمر به هو نتاج لذلك الاحتلال لأن عملية اسقاط النظام السابق جرت بطريقة خارجية،

ولم يسمح للقوى الوطنية العراقية بأخذ زمام المبادرة لإسقاط النظام مع دعم دولي، لان تلك القوى الخارجية لم ترحب بالتغيير الوطني للنظام العراقي البائد.!!

‎وللأسف سيتكرر المشهد وكما كان رأي الشعب بانه لا يهمه من سيسقط النظام، وإنما المهم إزاحته، وهذا ما تظهر بوادره الان على الساحة العراقية.

‎حيث يروج الكثيرون لهذا التغيير ويدعون لتدخل قوى خارجية… وللأسف فإن الطامة الكبرى هي دعوة اميركا ذاتها للقيام بذلك.

‎والتي هي السبب الرئيسي لأزمة البلد وما نحن عليه سوى نتائج لاحتلالها العراق!!

‎ وأنه لمن الخطأ والمعيب ان نلجأ اليها مرة أخرى فان حرص المناضلون الوطنيون الغيارى على مستقبل البلد لا يمكن ان يكون هذا طريقهم للتغيير!!

إذا ما العمل؟

انه سؤال كبير، والجواب عليه ليس سهلا طبعاً ويحتاج الى جرأة في إعطاء الجواب.

أولا: استناداً لدراسة الواقع الذي مرت به تجربة الانتفاضة وتجربة عشر سنين من التظاهرات الاحتجاجيةً

وحجم التجربة المتراكم الذي يؤكد ضعف أدوات التغيير بيد المنتفضين الوطنيين، وبالتأكيد لا يمكن من تطوير الانتفاضة السلمية الى انتفاضة عنيفة يستخدم فيها السلاح لأنها ببساطة عملية انتحار، لأن الطرف المقابل مدجج بالسلاح، ولا توجد لديه أي قيود أخلاقية تمنعه من قتل وابادة المتظاهرين.

ثانيا: لنحدد الأهداف

بالطبع ان اهم قاعدة في تحديد الأهداف هو عدم النظر الى الخلف وإنما للمستقبل، بمعنى ليس كم خسرنا بل كم سنخسر؟، وإذا بقي الحال كما هو سيكون المستقبل مظلم، او لا مستقبل ابدا وقد لا يكون هناك عراق.

وسنتحمل أيضا امام الأجيال القادمة مسؤولية واقعهم الذي هو المستقبل الذي نريد ان نبنيه، وفي تكرار للأخطاء فأننا نضيع واقع الأجيال القادمة والبلد بأكمله.

كما قد نتحمل جزء من المسؤولية في ضياع واختفاء العراق كما نعرفه بحدوده الحالية والتي آلت اليه بعد هذه السنين الطويلة من سياسة فاشلة وعدوانيه من النظام السابق الذي أضاع الكثير من أراضي العراق.

وحتى نحدد الأهداف يجب ان نعي ان موارد العراق الحالية التي استنزفت سابقا، سيستمر استنزافها إذا لم نستطع إيقاف ذلك، فاقتصادنا ريعي ويعتمد على البترول وهو في طريقه ليس للنضوب بل للضمور.

خصوصا وأن الطلب عليه سيتقلص كثيراً نتيجة تطوير مصادر الطاقة في العالم والتقليل من الاعتماد على النفط.

وكذلك الدعوات المستمرة واتفاقية باريس بخصوص تخفيض التلوث والتي تعمل البلدان على تخفيض الاعتماد على البترول.

فهذه مخاوف حقيقية تجعلنا ان نفكر مليا بإيجاد مخرج لازمتنا السياسية والخروج منها حتى نلحق في العشر سنوات القادمة ان نضع لبنة واساس للمضي للأمام في بناء مستقبل الأجيال.

إذا الهدف الأول هو إيقاف هذا التداعي وخلق حالة سياسية نستطيع تحتها ان يفكر الجميع في طريقة البناء، وهذه هي المهمة المركزية التي يجب ان نعيها ومنها تبدأ رحلة الالف ميل.

لقد مرت قبلنا دول بعدة تجارب مختلفة وانتهت لتجارب مختلفة…

فمثلا التدخل وخلق الصراع الاثني في يوغسلافيا السابقة قد أدى الى تمزيق البلد بعد مجازر إبادة دامية راح ضحيتها الآلاف.

ولا اريد ان اطيل بالتجارب، لان التجربة التي تهمني، والتي أرى انها الأنسب والاقل تضحية هي تجربة جنوب افريقيا وبقيادة المناضل نلسن منديلا

الذي خرج من السجن بعد 27 عاماً ليحكم دولة جنوب افريقيا بعد حكم عنصري اجرامي لأكثر من قرن.

فقد خرج منديلا مقتنع بعمل تصالح يفضي الى انهاء العنف وخلق سلم مجتمعي، و لكي يستمر تطور البلد ويستعيد الاكثرية السود الحكم، وبدون ثأر او قتل او مذابح، لقد تسامح وضحى بالكثير لان الهذف الأساسي هو انهاء نظام التمييز العنصري الذي جثم على صدر شعب جنوب افريقيا الأصليين،

 فكان الهذف الوحيد انهاء الحكم العنصري وتحرير السود من اخر نظام عنصري على وجه الأرض، وترك شكل الحكم ومنحاه الى شعب جنوب افريقيا لحدده بنفسه.

أذن، فالهدف الوطني الجوهري في الصراع في العراق هو الوصول الى مرحلة إيقاف التدهور، ومن ثم الانعراج نحن المسار الصحيح، مسار البناء وضمان مستقبل الأجيال القادمة.

بالبدء في بناء السلم المجتمعي وتهيئة الظروف لتطوير البنى التحتية وتطوير الاقتصاد وتنويعه ليكون اقتصاد مستدام قادر على خلق فرص تطور للبلد.

هنا يأتي السؤال الكبير والمهم وهو..

كيف نخطط على أساسها الصراع اليومي وكيف سنخترق هذا الواقع ونقطع الحلقة المفرغة؟

في خضم هذا الصراع الذي أصبح عنيفا وداميا وفي حالة (عدم حسم!) لاي طرف وهذا يحسب للانتفاضة لأنها اثبتت انها غير قابلة للهزيمة لكن في نفس الوقت لا تستطيع الحسم…

ويصبح الاختراق الذكي المبرمج لحسم النتائج تدريجيا وعلى مراحل مدروسة.

فأي معركة او مواجهة حربية او سياسية فهي (لعبة) ينتصر فيها من يتصرف بذكاء ويحسب خطواته جيدا وإذا أردنا اسقاط ذلك على واقعنا العراقي فيجب ان نحدد الاتي:

إيقاف النزيف بكل اشكاله، (الدم والاقتصاد) وعليه نحتاج اجراء مفاوضات مع الطرف المقابل ويجب تحديد أطراف معينة نبتدأ منها وفقاً لمبادرتها هي .

ونستبعد بعضها حتى نساهم بعزلها وهي في نفس الوقت ستكون جزء من التسوية في النهاية لكن التفاوض ليس معها..

تحديد أهداف  محددة ذات سقف من الأهداف الأساسية.

لنعلم ان الأحزاب الفاسدة وسراق المال العام سوف لن يتنازلوا بسهولة عن سرقاتهم ولا يسمحوا ان يكونوا موقع مسائلة او محاكمة، وعليه سيكون من العقيم طرح هذا الموضوع وعليه يجب المناورة وليكون في ذهننا ليس ما سرق بل ما سيسرق،..

ولنحدد الأهداف هو ان صنع الاختراق لأجل التغيير هو الأهم…وعليه من اجل التفاوض تحدد الأمور التالية:

 1-  تكوين لجنة عليا للمنتفضين مهمتها متابعة تطور التفاوض وترشيح اشخاص قادرين على التفاوض وإدارة لعبة التفاوض.

 2-  تشكيل لجنة خبراء ليس بالضرورة من المنتفضين بل من الشخصيات الوطنية النزيهة والموثوق بها ليكونوا مستشارين للجنة التفاوض.

 3-  الغاء موضوع الانتخابات القادمة لأنها لن تكون بصالح المنتفضين بكل الأحوال ولن يحققوا أي نتائج تغير من المعادلة السياسية.

4-  تشكيل حكومة جديدة مهمتها أولا تصريف اعمال لمدة سنتين حتى موعد الانتخابات التي يحدد بعمر الحكومة والمهمة الثانية إعادة النظر بقانون الأحزاب ووضع قانون أحزاب جديد وقانون انتخابي، وضع دستور جديد.

 5-  خلق وزارة دولة لشؤون الأحزاب يكون على رأسها شخص تكنوقراط تقدمه نقابة المحامين بالاتفاق مع المنتفضين، وتشكل لجنتين، لجنة يكون من أعضائها ممن ينتخبون ويخولون من قبل المنتفضين، لوضع قانون جديد للأحزاب وقانون انتخابي جديد. وتحدد تاريخ للانتخابات، واللجنة الثانية تتكون من مختصين في وضع الدستور وتحت اشراف نقابة المحامين.

وتقوم الوزارة بمهمة مفاتحة الأمم المتحدة للمشورة وللأشراف مستقبلا على الانتخابات القادمة.

6- تعيين عضو في اللجنة العليا للانتخابات يرشح من قبل المنتفضين وعضو من وزارة الدولة لشؤون الأحزاب.

من ضمن شروط التفاوض التي لايمكن التنازل عنها هو محاكمة قتلة شهداء الانتفاضة وتحقيق العدالة لعوائل الشهداء والجرحى خصوصا المعاقين بمنحهم تعويضات مجزية تليق بهم وتقديم الدعم المادي والطبي لمن يحتاج الى علاج.

ان الأجواء السياسية التي تولدت بعد زيارة البابا الى العراق والمحسوبة دوليا لصالح الشعب العراقي، توفر فرصة  يجب استغلال اجوائها الإيجابية للبدا بعملية الاختراق التاريخي والحصول على الدعم الدولي المناسب لانجاح هذا التوجه. وتمنياتنا بالتوفيق ولنعلم جميعا ان لا شيء يكون مكتمل وان العمل الجماعي المخلص يودي الى نتائج إيجابية ويكمل أي نواقص او هفوات في مسيرة لتفاوض وليكن النصر حليفنا ولنصنع مستقبل زاهر لأجيالنا يفتخرون به وبإنجازات ثوار تشرين