افتتاحية قاسيون 1000: أكبر من ترامب… أبعد من «الديمقراطية»

افتتاحية قاسيون 1000: أكبر من ترامب... أبعد من «الديمقراطية»
قاسيون

لم تكن تصريحات ماكرون وميركل وغيرهما من القادة الأوروبيين بما يخص الأربعاء الأسود الذي عاشته أمريكا، تصريحات «تضامنية»، بقدر ما هي تعبير عن الهلع والخوف من هول المشهد الذي يهدد بوصول «البل إلى ذقونهم»…

أول ما ينبغي تحييده من قراءة الحدث الأمريكي، هو تلك القراءة السطحية التي تجعل «جنون» ترامب، أساس الظاهرة ومنتهاها. هذه القراءة نفسها نسمعها من «محللين» ضيقي الأفق، ولكن الأهم أننا نسمعها ممن يحاولون «لفلفة الموضوع» عبر اختصاره بهذه الطريقة الهزلية.

ما جرى يوم الأربعاء هو حدث كبيرٌ وأكبر بكثير من ترامب نفسه، وأكبر من النقاش الساذج حول «ديمقراطية» أو «عدم ديمقراطية» النموذج الأمريكي؛ الحدث هو تعبير مكثف عن أزمة تراكمت طويلاً، ومرت بأطوارها المتتالية وصولاً إلى ما رأيناه، وما سنراه لاحقاً.

فالأزمة في جذرها هي أزمة اقتصادية توقعناها منذ أواسط التسعينيات. وإذا كان انهيار الاتحاد السوفياتي، ثم التحول في دور البورصة، وبعد ذلك «الحرب على الإرهاب»، قد أخرت ظهور الأزمة إلى السطح، فإنّ الانفجار المالي في 2008 كان الملمح الأول فحسب لأزمة لم يتأخر انتقالها نحو طورها الاقتصادي، الذي رأيناه بشكل واضح ابتداء من أواسط 2019، ومن ثم الطور الاجتماعي بوصول رقم البطالة في الولايات المتحدة إلى أكثر من 40 مليون عاطل… وها هي الآن تدخل طورها السياسي الحاد، وذلك بغض النظر عن الأشكال المؤقتة التي يرتديها الصراع السياسي.

جوهر الأزمة الأمريكية، يتمثل في الحقائق التالية:

ابتداءً من الثمانينيات، بدأت الحصة التي يسهم بها الاقتصاد الأمريكي في الإنتاج العالمي الحقيقي، بالتراجع بشكل مستمر، ولكن الدور السياسي لها وللغرب عموماً، كان على العكس من ذلك دوراً متصاعداً!

كلمة السر في ذلك هي الاستعمار الاقتصادي (التبادل اللامتكافئ) لبقية قارات العالم، بالتوازي مع الدور العالمي للدولار بوصفه شفاط الثروات العالمية.

مع الصعود الصيني-الروسي، ومع ظهور اليورو وخروج الدولار من مساحة هامة كانت تغطي تضخمه الفلكي، بدأت النخب الأمريكية الحاكمة تشفط بشكل أكبر من ثروات الشعب الأمريكي بالذات، الأمر الذي انعكس بثباتِ ثم تراجعِ القيمة الفعلية للأجور.

ولأنّ فرق الكمون بين القوة الاقتصادية والقوة السياسية-العسكرية، لا يمكنه أن يمرّ دون تفريغ شحناته بأشكال مختلفة، عودة لحالة التوازن، فقد حاولت الولايات المتحدة ابتداءً من «حربها على الإرهاب»، إشعال حروب في كل مكان ممكن، لعل وعسى يسمح ذلك بتأخير صعود الصاعدين، وبتأخير هبوطها عبر تأجيل بحث الوضع العالمي للدولار… ولكن دون جدوى.

ينبغي أن نتذكر جيداً تاريخ 6/1/2021، لأنّه التاريخ الذي شهد فتح أول كوة في جدار النظام السياسي الأمريكي، ومن خلفه المنظومة الغربية بأسرها… ولأنّ تيار التاريخ العاصف سيمر عبر هذه الكوة بالذات، وهو أمرٌ سيأخذ وقته بطبيعة الحال، ولكنّ نتائجه العامة، واضحة منذ الآن، وللحديث تتمة…  

العدد رقم:1000