كيف نفكر- خطورة الخطوة الى الوراء، فلن تكون هناك خطوتان الى الامام


فريد الحداد

في بلد مثل العراق الذي يتحكم في مصائر شعبه أحزاب سياسية طائفية مذهبية همومها ابعد ما تكون عن هموم الوطن، ومصالحها الضيقة تجعلها تتصارع على المغانم وكأنهم مازالوا يعيشون زمن الفتوحات.
في المقابل ان مهمة انقاذ البلد من الانهيار وازاحة القوى السياسية ضيقة الأفق ذات المصالح الذاتية مرتبط بخيار وحيد، هو القوى العلمانية المدنية الفوق مذهبية والطائفية والتي تربط مصالحها بمصالح الوطن والشعب وفي نفس الوقت تحافظ على حقوق الجميع ضمن الوطن الواحد وبعدالة.
بالأمس كانت هناك فرصة جيدة وامل في انتخابات 2018 ان يكون هناك إمكانية تعاون وتجميع للقوى المدنية وأنشأ تجمع سمي (تقدم) وانتظم الكثير من الوطنيين التقدميين الخيرين الى صفوفه وكانت هناك فعاليات في العديد من المحافظات للترويج لهذا التجمع الانتخابي الذي وضعت عليه الآمال، لكن ضيع هذه الآمال للأسف احدى الجهات التي تعتبر مهمة واساسية في التجمع وفي لحظة الحرجة لحظة الصفر حيث تخلى الحزب الشيوعي عن تقدم بدون سابق انذار وانظم الى الكتلة الصدرية لتشكيل كتلة انتخابية سميت (سائرون)، وكان من اهم عناصر المنفذة هو جاسم الحلفي، حيث اعد لها فكريا في أروقة مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط في بيروت التابع للمجلس الاطلنطي في العاصمة الأميركية واشنطن وفي المكتب الخاص بالشأن العراقي تحت إدارة فالح عبد الجبار وبترويج لنظرية الكتلة التاريخية للباحث فارس كمال نظمي وتنفيذ على الساحة من قبل جاسم الحلفي عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي، وتداعيات هذا الانسحاب معروفة للجميع ولا داعي لتناولها الان.
ان الاعراج على موضوعة سائرون وتداعياتها مهم جدا في ظرف تاريخي نمر به الان بعد وصول الانتفاضة الشبابية في مدن الوسط والجنوب وتطورها خلال سنة كاملة من بدئها وكيف انها اثرت بعمق على المشهد السياسي وأصبحت تهدد النظام السياسي المهترئ الفاسد وشعر هؤلاء السياسيين الذين يديرون العملية السياسية الفاسدة، بخطرها بعد ان نجحت بالإطاحة برئيس الوزراء عادل عبد المهدي وافشلت عدة بدائل له.
هذه المخاوف لدى السياسيين واحزابهم المهيمنة على السلطة وحتى المحتل الأميركي نفسه ليس مستعد للتنازل لقوى وطنية حقيقة تدير البلد، دخل الجميع على خط الانتفاضة لإجهاضها والذي اتخذ عدة اشكال من تقمص أدوار المنتفضين وانشاء خيم وسطهم في ساحات الاعتصام والتظاهر معهم وأخيرا استطاعوا في خلق ابطال عبر ترتيب مسرحيات محاولات اغتيال لبعض الوجوه المندسة لجعل منهم ابطال يلتف حولهم للأسف ممن مازال وعيه في طور النشوء وبصدق نية.
ان اهم نتائج الانتفاضة هي كشف كل زيف وادعاء، وارتباطات قوى او البعض وأصبح الفرز حادا خصوصا التحول المكشوف على حقيقتها، الجماعات الصدرية وجماعات ما عرفت بالقبعات الزرق وأخيرا قاموا بتمزيق وحرق خيم الثوار وازدياد عمليات القتل للشباب المنتفض.
يبدو ان محاولات تطويق انتفاضة الشباب وركوب موجتها ثم الإجهاض عليها لا تقوم به الجهات المحسوبة على الأحزاب الطائفية خصوصا في الجنوب والوسط بل ان استكمال عملية ( الضربة القاضية )، هناك تحرك مشابه لتدمير القوى المدنية المتبقية من اطراف تقدم والتي ضلت تساند نوعا ما انتفاضة الشباب، وتنظيف المشهد السياسي ممن بقى من تنظيمات وطنية ومدنية، هذا التحرك بمباركة وتخطيط نفس القوى التي عملت على تهديم (تقدم) وتوجيه الضربة القاضية للحزب الشيوعي في نفس الوقت حينها، حيث دخل على خط التنظير من جديد فارس كمال نظمي قبل بضعة اشهر، بطرح بعض التنظيرات حول الانتفاضة وقد لا يثير ذلك اهتمام البعض او الكثير وقد يمر مرور الكرام لولا! التحرك الأخير للجاسم الحلفي عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي (الطامح لرئاسة الحزب)، بدعوة شخصيات وطنية ومدنية الى وليمة في بيته واعتذر عما حدث في موضوع تقدم وسائرون وطرح فكرة طوي الصفحة وفتح صفحة جديدة وأعاده توحيد عمل القوى الوطنية والديمقراطية من جديد وتشكيل كتلة انتخابية للدخول بالانتخابات القادمة والاستفادة من قانون الانتخابات الجديد؟، (لا أدرى ان كان وزع هدايا أيضا؟).
في موروثنا الاجتماعي مثل هو بالحقيقة حديث للرسول يقول (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) وهذا موروث على لسان ابسط الناس فكيف بنخب وطنية سياسية وكيف ستثق بها قواعدها وناخبيها إذا انطلت عليهم هذه اللعبة؟
انا أرى إذا كانت سائرون كارثة فان أي تشكيل جديد تحت وصاية ودعوة جاسم الحلفي ستكون هذه المرة مهزلة، وسيدفع ليس من سيذهب الى هذا التجمع بل سيضر عموم الساحة الوطنية بالإحباط والخيبة وانتكاسة وسيكون سؤال كبير إذا حدثت هذه المخاوف فسؤالي إذا لم تستوعبوا التجربة بشكل جيد كيف سيقتنع الناخب ان لكم القدرة على التغيير؟

2020 / 12 / 3