افتتاحية قاسيون 992: أزمات السوريين إنسانية وسياسية..

افتتاحية قاسيون 992: أزمات السوريين إنسانية وسياسية..

share

قاسيون
قاسيون

تستمر قائمة الأزمات الطويلة التي يعيشها الشعب السوري بالازدياد في عدد مفرداتها وفي عمق كلٍ منها، حتى أنها باتت تشمل كل جوانب حياة السوريين دون استثناء؛ من الخبز إلى المحروقات إلى الحرائق إلى الكهرباء فالماء والتعليم والصحة، إضافة للوضع المعيشي الكارثي والمتفاقم يوماً بعد آخر، بالتوازي مع التوحش المتصاعد للأسعار وللناهبين الكبار وسياساتهم، مضافاً إلى ذلك كله العقوبات والحصار. وأيضاً تستمر أزمات اللاجئين والمهجرين والنازحين بالتعمق، ومعها تستمر أزمة المعتقلين والمخطوفين والمفقودين دون أية حلول ملموسة.

ورغم اعتراف الأطراف المختلفة بأنّ لهذه الأزمات جانبها الإنساني العميق الذي يستدعي تكييف وإخضاع الجانب السياسي للإنساني، إلّا أن ما يجري فعلياً هو المتاجرة بالشعار الإنساني لحساب الجانب السياسي، وبشكل مصلحي شديد الضيق وشديد الأنانية.

وفي هذا السياق، تتوالد بشكل يومي اقتراحات «إبداعية» لحل كل مشكلة على حدة وبشكل جزئي، وبوصفها «مشكلة إنسانية»؛ الأمر الذي سرعان ما تظهر نتائجه ليس في أنّ المشكلة المعنية لم تحل فحسب، بل وبأنها ازدادت عمقاً ومأساوية.

من ذلك مثلاً «الحلول الاقتصادية» التي تدور في فلك اللعب بالمصطلحات عديمة المعنى وعديمة الجدوى، والتي تغطي جميعها اتجاهاً ثابتاً نحو تكريس سلطة كبار الناهبين، عبر رفع الدعم، وعبر الخصخصة وضرب ما تبقى من إنتاج زراعي أو صناعي، وعبر تكريس العلاقة التبعية للدولار وللغرب، رغم كل ما يقال عن «التوجه شرقاً».

ومن ذلك أيضاً، أسلوب التعامل مع أزمة اللاجئين عبر الادعاء الذي لا أساس له أنّ شروط عودتهم باتت متوفرة، أو في طريقها إلى التوفر. أما المعتقلون والمخطوفون فتلك مسألة ليست موجودة أساساً كي يتم السؤال عن حلّها! كذلك الأمر مع النازحين داخلياً، الذين لم يسمح لهم بالعودة إلى بيوتهم في عدد كبير من الحالات، وفي حالات أخرى وضعت عليهم شروط تعجيزية للعودة… وطبعاً دون أية تعويضات تقريباً، ودون أية مساعدة في ترميم وإعادة إعمار أحيائهم…

هذه الوقائع المريرة كلّها، تعيد تسليط الضوء على حقيقة واحدة: كل أنواع الأزمات الإنسانية التي يعيشها السوريون هي أزمات ذات جذر سياسي متعدد الفروع، ولكن فرعه الأساس كان ولا يزال متمثلاً في طبيعة القوى الطبقية المهيمنة في سورية، سواء في النظام أو في المعارضة، وهي قوى ناهبة لا همّ لها سوى تعظيم أرباحها. ودون امتلاك الشعب السوري الفرصة الفعلية لتغييرٍ جذري شامل عبر التنفيذ الكامل للقرار 2254، فإنّ هذه الأزمات ستستمر بالتعمق، وستعيد فتح الباب أمام احتمالات شديدة الخطورة، بما فيها التقسيم.

ولعل المتشددين السوريين من هذا الطرف أو ذاك، والذين لا يكفون عن امتداح أنفسهم، وامتداح ما يفعلونه في مناطق سيطرتهم، إنما يكررون بلسان واحد عبارة جيمس جيفري: «الجمود/ الطريق المسدود هو الاستقرار» طالما هم في مواقعهم ولديهم إمكانات النهب، فذلك هو الاستقرار المطلوب… لذلك كلّه، ولمصلحة سورية والشعب السوري، فإنّ التطبيق الفوري الكامل للقرار 2254، كان ولا يزال الاستحقاق رقم واحد أمام سورية.

لتحميل العدد 992 بصيغة PDF

(النسخة الإنكليزية)

معلومات إضافية

العدد رقم:992