افتتاحية قاسيون 990: هدف التطبيع تعميق أزمات المنطقة..

افتتاحية قاسيون 990: هدف التطبيع تعميق أزمات المنطقة..
قاسيون

تقدم الأنظمة المطبّعة سلسلة من الذرائع الفارغة التي تسعى من خلالها لا إلى تبرير فعلتها فحسب، بل ولتمهيد الطريق للأنظمة الأخرى الراغبة أيضاً في المضي نحو التطبيع.

الذريعة الأولى: هي تلك التي تتحدث عن أنهار الحليب والعسل التي ستتدفق على الدول المطبّعة، والتي يكفي إزاءها استحضار دروس التاريخ المعاصر في مصر والأردن؛ الدولتين اللتين لم تزدد أوضاعهما إلا سوءاً بعد الاتفاقيات سيئة الذكر في كامب ديفيد ووادي عربة.

الذريعة الثانية: هي العمل لإنشاء تحالف عجيب «عربي/ صهيوني» مدعوم أمريكياً لمجابهة الإيرانيين والأتراك! ما يعني دفعاً واضحاً ومباشراً لتكريس حالة التنافس الإقليمي، وتصعيدها إلى أقصى الحدود الممكنة، ولكن ضمن اصطفاف محدد لا يقف عند الحدود الإقليمية، بل يتجاوز ذلك إلى اصطفاف مع العالم القديم، مع الغرب وزعيمه الأمريكي، في وجه الروسي والصيني. وعدا عن أنّ اصطفافاً من هذا النوع هو اصطفاف ضد مصالح شعوب تلك الدول نفسها، وضد القضية الفلسطينية، وكل القضايا العادلة في المنطقة، فإنّه أيضاً اصطفاف ضد مصالح الأنظمة المطبعة نفسها، لأنّه يضعها في مواجهة حركة التاريخ، ويقرّب أوان عبور عجلات التاريخ فوق حطامها.

الذريعة الثالثة: هي ذريعة مراوغة وفريدة من نوعها؛ وهي تلك التي تحاول تمرير الفكرة التالية: (عمليات التطبيع تجري ضمن توافق أمريكي- روسي غير معلن، وبتوافق هاتين الدولتين العظميين فإنّ الأمر حاصل طال الوقت أم قصر).. وفي هذا الإطار يسعى إعلام الأنظمة التي طبّعت، أو التي تسعى إلى التطبيع، إلى تمرير أكاذيب بالجملة، وبشكل وقح يتضمن اختراع تصريحات، وتأليف نظريات ونسبها إلى مسؤولين روس، وصولاً إلى القول بأن الروس ليسوا موافقين على التطبيع فحسب، بل وهم منخرطون في العمل لتوسيع الأطراف المطبّعة. رغم أنّ موقف الروس من «صفقة القرن» وما اشتق منها من تحركات هو موقف معلن وجرى تأكيده مراراً.

لهذه الذريعة الأخيرة، وما يرافقها من دسائس إعلامية، غرض أساس إضافي عدا عن محاولة تبرير التطبيع، بأنّ القوى العظمى متفقة عليه، وهو محاولة افتعال فالق كبير ضمن العلاقات الروسية- الإيرانية، والروسية- التركية… وذلك استكمالاً لسلسلة الفتن المتنقلة في منطقتنا، والتي باتت تدور عملياً في فلك واحد هو استهداف ثلاثي أستانا بما هو أساس لمنظومة إقليمية جديدة تنتمي إلى التوازن الدولي الجديد.

بعيداً عن ذرائع المطبّعين وأكاذيبهم، فإنّ المؤكد أنّ بين الاستهدافات الأمريكية الصهيونية الأساسية من عمليات التطبيع، لا دفع المنطقة نحو «السلام والاستقرار» كما يروجون، بل على العكس تماماً دفعها نحو مزيد من الأزمات والتوترات، عبر خلق تحالفات وهمية مع العدو الأساسي للمنطقة، أي: الأمريكي، وممثله المحلي أي الكيان الصهيوني، وخلق عداءات تناحرية لا داعي لها مع منافسين إقليميين يمكن الوصول معهم- عبر الحوار، وعبر حل الأزمات المختلفة في المنطقة وعلى رأسها السورية عبر 2254- إلى توافقات، بل وإلى تعاون…

لتحميل العدد 990 بصيغة PDF