افتتاحية قاسيون 988: 2254 و«إسقاط مشعلي الحروب»

share

قاسيون

ترافق ظهور المنظومة الرأسمالية وتطورها، مع الاستعمار التقليدي. والذي عبّر عن خاصية أساسية من خصائص النظام الرأسمالي، هي خاصية التوسع العدواني، والذي جاء محمولاً على العسكرة في معظم الأحوال التاريخية.

التوسع العدواني هذا، ليس مجرد نتاجٍ لرغبات توسعية، كما يحلو للبعض تسطيح الأمور، بقدر ما هو حاجة وضرورة بالنسبة للدول الرأسمالية للخروج من أزماتها الخانقة؛ لأنّ التطور الطبيعي لرأس المال محكوم بميل معدل الربح للانخفاض، أي كلّما تطور رأس المال كلما انخفضت معدلات ربحه، وكلّما لجأ بشكل متعاظم إلى ابتلاع حصة أكبر من الأجور، الأمر الذي يضعف الاستهلاك ويضعف بالتالي الإنتاج ويخرب كامل دورة رأس المال… وبالتالي يصبح رأس المال مضطراً لكسر حالة الاختناق التي يعيشها ضمن الحدود الوطنية عبر التوسع العدواني خارج الحدود… أي أنّ أساس التوسعية العدوانية هو أزمات اقتصادية-اجتماعية داخلية، قبل أي شيء آخر.

شهد القرن العشرين نمطاً خاصاً من أنماط التوسع، هو التوسع السوفييتي؛ الذي جاء توسعاً عبر نشر الأفكار ونشر النموذج، بل وعبر المساعدات أيضاً، خلافاً للتوسع الإمبريالي العدواني عبر العسكر والحروب والنهب الاقتصادي.

وفي عالم اليوم، تستمر الظواهر التوسعية والظواهر العدوانية، ولكنها تأخذ شكلاً تاريخياً جديداً؛ فأما العدوانية، والأمريكية خصوصاً، فإنها تتجلى كعدوانية لا في إطار التوسع، ولكن في إطار الانكفاء بالذات. بالمقابل نرى توسعاً صينياً عالمياً، في إطار سلمي قائم على الربح المتبادل للأطراف المشاركة.

بين هذا وذاك، وبوصفهما الاتجاهين الأساسيين السائدين (أي انتهاء التوسع العدواني، وظهور التوسع عبر النموذج)، تبرز في بعض الدول ظواهر توسع عدواني تقليدي. المثال الأبرز لذلك في منطقتنا هو السلوك التركي، والذي تتمثل أداة التصدي الأساسية له، (كما كان الأمر في النصف الأول من القرن العشرين)، عبر «إسقاط مشعلي الحروب».

ولكن ضمن هذا المثال الملموس، ينبغي التأكيد على مسألتين:

أولاً: السلوك التركي، كما هو كل سلوك توسعي عدواني، يعكس في الجوهر أزمة داخلية عميقة، واقتصادية-اجتماعية بالدرجة الأولى، تجري محاولة تصديرها.

ثانياً: هنالك كثيرون، ولأسباب سياسية مكشوفة على رأسها العمل ضد مسار أستانا، يبالغون في التهويل في حجم ومستقبل ظاهرة التوسع العدواني هذه. حقيقة الأمر أنّ عملية التوسع العدواني لتركيا أو غيرها هي عملية مسدودة الأفق بالمعنى التاريخي؛ فإذا كان مركز التوسع العدواني محكوماً بالانكفاء، فكيف حال الأطراف؟ أضف إلى ذلك أنّ الطاقة الهائلة للقوى الصاعدة وعلى رأسها الصين وروسيا كفيلة بتأريض وتكتيف النزعات العدوانية لدى تركيا ولدى غيرها من الدول الإقليمية المدفوعة بأزماتها الداخلية أولاً، قبل المخيلة الجامحة لحكامها.

باختصار، فإنّ الباب التاريخي أمام التوسع العدواني قد بات موصداً، وحلحلة الأزمات الإقليمية المختلفة بشكل سلمي وعبر الحوار وعبر القانون الدولي، هي بمثابة الشمع الأحمر فوق قفل ذلك الباب، وهي أداة خنق تلك العدوانية… وبما يخصنا، فإنّ التصدي الكلامي للعدوانية، والذي يأخذ شكل الشتائم المجانية في كثير من الأحيان، هو بالمحصلة من الطبيعة ذاتها، ولا يفعل سوى أنه يكرس تلك العدوانية ويفتح لها هوامش إضافية للحركة وللهروب من مصيرها المحتوم… بالمقابل فإنّ الطريقة الأكثر مضاءً في التصدي لهذه العدوانية وخنقها، وللعدوانية الأمريكية والغربية عموماً، هي التطبيق الفوري للقرار 2254، بما ينهي الأزمة السورية ويفتح الباب أمام تحقيق الاستقرار وتعميمه في المنطقة، وبما يسهم كمحصلة في «إسقاط مشعلي الحروب» الداخليين، والإقليميين، والدوليين، عبر إنهاء الهوامش التي يلعبون ضمنها. 

لتحميل العدد 988 كاملاً بصيغة PDF