مع الرفيق بهاء الدين نوري في صومعته

د. عبد الحسين شعبان

2020 / 6 / 8
باحث ومفكر عربي

بهاء الدين نوري

تمهيد
“باسم” أو ” منير أحمد” أو “مجيد” أو “أبو سلام” هو ما كنت أفكّر فيه من أسماء أعرفها عن الرفيق بهاء الدين نوري الذي كنت أتوجه لزيارته في ” عزلته” المجيدة” أو في صومعته، في مدينة السليمانية، فحين علم بوجودي لحضور احتفالية الشاعر مظفر النواب، عاد من قرداغ التي كان يزورها وحدّد موعداً لي لزيارته.
وعلى مدى ساعتين مرّت كأنها بضعة دقائق قلّبت معه الكثير من الأمور، فذاكرته ما تزال خصبة وعقله حيوياً وذهنه مفتوحاً، ولم ينسَ ما حصل له رغم شيخوخته، فقد تجاوز الثالثة والتسعين عاماً، لكنه ما يزال ينبض بحبّ الحياة والرغبة في الجدل، فقد بدأ بالنقد وانتهى به مع باقة عتب مملّحة، لاسيّما لما حصل له وما عاناه من إهمال في الثلاثين عاماً ونيّف المنصرمة، خصوصاً منذ فصله من الحزب العام 1984 دون محاسبة كما يقول ودون استماع إلى رأيه، وهي طريقة كانت وما تزال سائدة في الأحزاب الشمولية بألوانها المختلفة، لأن الاختلاف والرأي يصبحان جريمة لا تغتفر.
ولكي أغيّر هذا الجو الكئيب الذي خيّم على لقائنا وقد مضى عدة سنوات على آخر زيارة له في صومعته بمدينة السليمانية، وقبل ذلك ببضع سنوات حين كان مريضاً وقمت بزيارته أيضاً يوم كنتُ مديراً عاماً لقناة الفضائية البغدادية وقد رافقني د. حميد عبدالله، الذي أجرى معه مقابلة بثّتها القناة في حينها، كما أجرى مقابلة مع ناوشيروان مصطفى نائب الأمين العام السابق للاتحاد الوطني الكردستاني (أوك) وأحد أبرز المسؤولين عن الهجوم الذي شنّه “أوك” ضد أنصار الحزب الشيوعي وراح ضحيته نحو 60 رفيقة ورفيق ، وبالمناسبة فأنا أرتبط بناوشيروان مصطفى بصداقة منذ الستينات، حيث درسنا في جامعة بغداد، وكنّا نلتقي بصورة مستمرّة، والحديث عنه سأتركه إلى فرصة أخرى، آمل أن تأتي، قلت لكي أغيّر الجو الخانق الذي وجدنا أنفسنا به، فأخرجتُ كتاباً من حقيبتي اليدوية حملته معي وفيه صورة نادرة لبهاء الدين نوري كنّا قد التقطناها في كردستان، وضمّت كل من رئيس الوزراء الأسبق وقائد القوة الجوية عارف عبد الرزاق والمقدم رجاء غيدان والقيادي البعثي السابق وسفير العراق في كوبا وبراغ عبد الستار الدوري وكاتب السطور، وقد فوجئ بها وطلب الكتاب مني وقلت له جلبته معي هدية لك وهو عبارة عن حوارات أجراها معي الصحافي توفيق التميمي المختفي قسرياً منذ شهرين ونيّف وهو بعنوان ” المثقف في وعيه الشقي”.
وأتذكّر حين عرّفت عارف عبد الرزاق “أبو رافع ” على بهاء الدين نوري هتف بصوت عال:هل أنت القائد الشيوعي الذي نسمع به ولم نره ، فضحك حينها بهاء الدين نوري وقال بكل تواضع أنا موجود بين الناس وحيثما يكونون تجدني هناك، واستعدنا تلك الليلة وما صاحبها من حوارات، ساهمتُ في تنشيطها، وكان الثلاثة يسترقون النظر إليه، وكأنه جاء من العالم الآخر أو من كوكب سري.


اختفاء وسجن وجبل
لم يعش بهاء الدين نوري حياة طبيعية، فإما في أوضاع سرّية أو سجيناً أو في الجبل، وإذا كان قد عاش في بغداد بعد مجيئه من السليمانية (حزيران/يونيو/1949) لغاية (آذار /مارس/1953) فإنه اعتقل في محلة السفينة بالأعظمية، مع زوجته الأولى مادلين التي ولدت ابنه سلام في السجن، وعاش الطفل مع أمه لحين ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 التي أطلقت سراحه وسراحها، وقد اعتقل معه صادق جعفر الفلاحي، أحد أركان الحركة النقابية والشيوعية العراقية.
وبعد الثورة وانتهاء العام الأول وما سمي بالمدّ الشيوعي (آذار/مارس – تموز/يوليو 1959) تدهورت الأمور مع الزعيم عبد الكريم قاسم وعاد بهاء الدين نوري للعمل شبه السري، ثم انتقل للسرّية الكاملة، وقد اختلف مع قيادة سلام عادل وأرسل للدراسة الحزبية في موسكو وبقي في الخارج نحو أربع سنوات، عاد بعدها سرّاً إلى العراق ، محمّلاً بخط آب الذي انتفضت ضده القاعدة الحزبية وأطيح به في اجتماع الـ 25 العام 1965واضطرّ بعض أعضاء القيادة للاستقالة لكن بهاء رفض ذلك. وفي بغداد تزوج مرّة أخرى ، لكن زوجته الثانية القيادية البارزة في رابطة المرأة عايدة ياسين استشهدت تحت التعذيب العام 1980 وله منها ولد واحد (علي).

من قرية التكية إلى أمين عام الحزب الشيوعي
كنت في الطريق مستغرقاً كيف لذلك الشاب نصف المتعلّم (آنذاك) القروي النشأة ومن عائلة متديّنة، حيث كان والده شيخاً في أحد الجوامع، أن يقود حزباً بعد قيادة الرفيق فهد، خصوصاً وأن خمسة مراكز حزبية تشكّلت سريعاً وانهار بعضها ووقع بعضها الآخر في قبضة السلطات الأمنية والتحقيقات الجنائية، بقيادة بهجت العطية.
قبل أكثر من 70 عاماً كان ذلك الشاب اليافع الغضّ العود يبدأ مشواره في تعلّم فنون القيادة ويتقن أساليبها، فتارة يخطأ وأخرى يصيب، لكنه بلا أدنى شك قاد شتاتاً ليحوّله إلى حزب واعد بعد أن كاد يتلاشى وليضعه مرّة أخرى وخلال أقل من 4 سنوات في صدارة الأحداث وفي مقدمة الحركة الوطنية، والأمر لا يتعلق بالجوانب السياسية والبرنامجية النظرية فحسب، بل بجوانب تخص العمل المهني والجماهيري أيضاً، حيث تحوّلت المنظمات التي أسسها إلى مدارس لتخريج العديد من المناضلين، فقد أسس “رابطة المرأة العراقية” وهي أول تنظيم نسوي في العراق والتي قادتها الدكتورة نزيهة الدليمي، و”اتحاد الشبيبة الديمقراطية” الذي شارك في مهرجان الشباب والطلاب المنعقد في بوخارست العام 1953، وخلال قيادته أعيد تأسيس “اتحاد الطلبة العراقي العام” خريف العام 1951، كما عمل على تنشيط العمل النقابي العمالي وتأسيس مكتب عام للنقابات. وخلال فترة قيادته استعاد الحزب الثقة بنفسه، مثلما استعاد الشارع الثقة بالحزب بعد محاولات التشكيك بدوره باستغلال القضية الفلسطينية واندلاع الحرب العربية – الإسرائيلية.
وبغضّ النظر عن الأخطاء والممارسات السلبية، لاسيّما أجواء التشدّد الستاليني وإلقاء التهم وإطلاق النعوت بحق الرأي الآخر والاختلاف لدرجة التخوين والتجريم وهو ما حصل بخصوص ” راية الشغيلة” وعمليات التشهير بقياداتها بالأسماء باعتبارها “راية البلاط” ، وتلك من أمراض الحركة الشيوعية بشكل خاص والتنظيمات والأنظمة الشمولية بشكل عام، لكن بهاء الدين نوري تمتّع بمؤهلات قيادية تكاد تكون نادرة في زمانه، من خفة الحركة والقدرة على التخفي والإفلات من أيدي العدو وأجهزته، إلى بناء تنظيم رصين على الرغم من أخطائه وممارساته السلبية.

الإدارة والقيادة
وكنت في كتابي ” عامر عبدالله – النار ومرارة الأمل ” قد جئت على ذكر حقيقة قد ينكرها البعض، سواء على بهاء الدين نوري أم غيره، مفادها أن ” إدارارت” حزبية عديدة مرّت على الحزب الشيوعي، وهو من أكثر الأحزاب التي تمتلك مسؤولين حزبيين متمرّسين ومنظمين بارعين، لكن عدد القادة الفعليين لا يكاد يُذكر ، فأغلبهم انشغل بالعمل المسلكي اليومي وانتظار التعليمات واستلام التوجيهات، باستثناءات محدودة، أما مواصفات الزعامة فهي نادرة ، وقد وهِبَ فهد تلك الملكات الفائقة، كما توفّرت في بهاء الدين نوري من بعده مؤهلات القيادة بغض النظر عن اختلاف دور كل منهما وتأثيراته، والأمر ليس حباً أو كرهاً، وإنما إقرار بواقع خارج نطاق الارتياحات الشخصية، بل بوضع الاعتبارات الموضوعية في المنزلة الأولى.
والقيادة غير الزعامة فالأخيرة لها شروطها، مثلما هناك شروط للأولى، أما شروط القيادة فلعلّ أولها – القدرة على اتخاذ القرار وتحمّل مسؤولياته وتبعاته سلباً أو إيجاباً وثانيها – الجرأة والحزم فلا قيادة حقيقية دون شجاعة وحسم واختيار اللحظة المناسبة وثالثها- الاجتهاد والمبادرة ورابعها- المعرفة بالأوضاع والاستفادة من الكفاءات المحيطة وتلك مسألة نسبية خاضعة لزمنها ولدرجة الوعي والثقافة السائدة، وخامسها- الصلابة المبدأية والمرونة العملية ، أي القدرة على المناورة والتراجع وحتى المساومة البراغماتية في الوقت المناسب.
ومثل تلك المواصفات امتلكتها قيادة سلام عادل بجدارة باهرة وهو ما أهلّها لتلعب دوراً مؤثّراً في التحضير لثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958، وقد اختلّ هذا الموقع بسبب التردّد وعدم الحزم والانتظارية التي سادت في صفوفها، خصوصاً ما صاحب ذلك من تصدّعات داخلية وضعف لوحدة الإرادة والعمل وغياب استراتيجية واضحة في الموقف من حكومة عبد الكريم قاسم والمشكلات التي واجهتها.
وإذا كان لي وأنا أتحدث عن مواصفات القيادة ، فلا بدّ من الإشارة إلى الكفاءة القيادية المبكرة للرفيق عامر عبدالله الذي لم يكن قائداً حزبياً فحسب، بل كان شخصية سياسية بارزة تتمتّع بثقافة راقية ومرونة عالية وذكاء حاد وقدرة على التقاط الجوهري من الأشياء والتواصل مع الآخر، ولا يعني أن تلك القيادات تخلو من النواقص والثغرات والتقديرات الخاطئة أو حتى بعض الممارسات السلبية.
لم ألتقِ مع بهاء الدين نوري سوى مرّة واحدة في بغداد، ومرّة أخرى بشكل عابر في المدرسة الحزبية أواخر السبعينات حين زرتها، ولم يحدث أن جرى أي حديث ذا خصوصية بيننا، ولكن صورته كانت ترتسم في ذهني حتى قبل أن أراه. وفي خريف العام 1980 التقيت به في الشام وتبادلنا الحديث واستمعت إليه وسألته عن بعض المحطات الغامضة، فقد تسنى لي أن أقرأ أطروحاته في العام 1964 (بعد حين) في “مجلة الوقت” “قضايا السلم والاشتراكية” بشأن طريق التطور اللارأسمالي وخط آب (أغسطس) ومسألة الانضمام إلى الاتحاد الاشتراكي كما أشيع حينها، وقد جاء على نقدها لاحقاً في مذكراته الصادرة في العام 1992 والتي أهداني إيّاها بطبعتها الأولى ، وبطبعتها الثانية عن دار الحكمة في لندن، وقرأتها ودوّنت عليها ملاحظاتي ليس فيما يتعلق بالسياسة والمنهج فذلك له حديث آخر، بل نقدي لتناوله بعض الجوانب الشخصية التي ما كان لها أن تؤثر لو تم حذفها، ثم أن ذكرها لن تكسب المذكرات أية قيمة إضافية، وهو ما تقبّله وإنْ لم يكن بسهولة، ولكن بعد نقاش طويل.

القسوة والصمت
لقد تعاملت إدارة الحزب المسؤول عنها عزيز محمد مع بهاء الدين نوري بقسوة شديدة ولم تصحح الإدارات اللاحقة هذا الموقف، لا بحقه ولا بحق غيره من إداريي الحزب السابقين وشبكة واسعة من الكادر القيادي والمتوسط وجمهرة كبيرة من الأعضاء في ظل صراع محموم بعضه حول المراكز القيادية والامتيازات حتى لو تم تغليف بعضه الآخر باعتباره صراعاً بين اليسار واليمين، فبهاء الدين نوري يعتبر إدارة عزيز محمد يمينية ذيلية، في حين يعتبرها فريق آخر من المفصولين ” متياسرة”، وألحقت ضرراً بهويّة الحزب الوطنية، سواء في الموقف من الحرب أم من التبعية للحركة الكردية، أما فريق إدارة الحزب الرسمي، فقد اعتبر الجميع مخرّبين ويخدمون النظام بشكل مباشر أو غير مباشر، رافعاً راية قص ” الحواشي الرخوة” والذين تعبت أكتافهم ومقرراً مقاطعتهم اجتماعياً بقرارات وردت في نشرات داخلية وتوجيهات مباشرة. ولأن الحوار والعقلانية وتوقير الصراع وترزين الخلاف كان غائباً، فالاتهامات طالت الجميع،وتداخل الحق فيها مع الباطل.
لم يكن بهاء الدين نوري إدارياً، بل كان قائداً حقيقياً بكل معنى الكلمة أخطأ أم أصاب، وكان شجاعاً بامتياز وعنيداً تحلّى بمواصفات فيها الكثير من الكبرياء والاعتداد بالنفس، وإذا كان البعض يتذلل ليتسلّق المواقع أو ” يتمسكن حتى يتمكّن” أو يسير مع السائرين ويبلع لسانه ويخدّر ضميره أو يغطّي نقاط ضعفه، فقد كان بهاء الدين غير ذلك، فهو صاحب رأي ويعتقد أنه جدير بالقيادة، بل لا يجد من هو أجدر منه من طاقم إداريي الحزب، ولذلك لم يتوان من طلب استحقاقاته، بالرأي والمواجهة والمشاكسة والتمرد، وحسب علمي هو الوحيد الذي لم يعتذر أو يتنازل أو يقدّم نقداً ذاتياً طلبته منه قيادة سلام عادل، ورفض ذلك بإصرار، وقال لي ونحن نتحاور لأكثر من أسبوع تقريباً على قمة جبل في موقع ناوزنك ” نوكان”، حيث نتمشى يومياً فوق سطح البناء الذي كنّا نعيش فيه والخيم التي ننصبها، وذلك عشية وبُعيد وخلال اجتماع اللجنة المركزية (1982): لقد رفضتُ أن أقدّم مثل ذلك النقد المشين والخالي من الكرامة.
وكان قد لفت انتباه الرفيق عزيز محمد ” أبو سعود” لقاءاتي لأكثر من مرّة مع بهاء الدين نوري، وبشكل مهذّب سألني وأنا أتسامر معه في خيمته عن أي شيء منهمكين في النقاش أنت والرفيق أبو سلام، فقلت له نقلّب صفحات من تاريخنا، إضافة إلى حوار حول الحرب العراقية- الإيرانية وآفاقها وتأثيراتها المستقبلية.
وكان الرفيق زكي خيري قد كتب نقداً مذّلاً ومهيناً بحق نفسه كان أقرب إلى “الجلد الذاتي” والإدانة لشخصه ، ولعلّ ذلك الأبشع في تاريخ النقد الحزبي كما أشرت في كتابي “تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف” وفعل الرفيق محمد حسين أبو العيس ذلك بحيث كتب نقداً لا يقلّ إساءة للنفس حسب مقتضيات التربية الحزبية الستالينية، وعلى الرغم من تنحيته من “قيادة الحزب”، فقد عذّب بوحشية في قصر النهاية واستشهد العام 1963، وقدّم عامر عبدالله نقداً ذاتياً مخفّفاً لنفسه حسبما ذكر حسين سلطان لكاتب السطور، لكن المكتب السياسي للحزب طلب منه نقداً معمّقاً لكشف نواقصه وتجريح ذاته كما فعل زكي خيري وهو ما أكّده بهاء الدين نوري، وما تذكره ثمينة ناجي يوسف (أرملة سلام عادل) في كتابها (سلام عادل – سيرة مناضل، جزءان) ووفقاً لهذه الرواية امتثل عامر للقرار حسبما يبدو بتدبيجه رسالة أخرى وأرسلت إلى بغداد، وقد تم إتلاف هذه الرسالة (المقصود الثانية) من قبل نرجس الصفّار زوجة الشهيد جمال الحيدري يوم 8 شباط (فبراير) 1963 خوفاً من وقوعها بيد الحرس القومي مع وثائق أخرى.
لكن عامر عبدالله ينفي ذلك ويقول أنه سأل السوفييت، فتركوا الأمر له، حيث كان متردّداً، وفي تلك الفترة حدث انقلاب 8 شباط (فبراير) فضاعت المساءلات وطويت المحاسبات وأعيد الثلاث الذين بقوا على قيد الحياة عامر عبدالله وزكي خيري وبهاء الدين نوري إلى إدارة مركب الحزب، وتصدّروا المشهد وخط آب، ولم يتحدّث أحد عن كتلة الأربعة أو “عصابة الأربعة”، فكأنها كانت حلماً سرعان ما تبخّر بعد اليقظة، وقد عالجتُ أطرافاً من هذه القضية في كتابي ” سلام عادل – الدال والمدلول وما يبقى وما يزول”، لاسيّما ببعدها الإنساني في إطار الثقافة الحزبية السائدة.
يقول بهاء الدين نوري لكاتب السطور لقد شعر بالإهانة جرّاء مطالبته تقديم نقد ذاتي، بزعم “وجود تيار متذبذب واستسلامي ويتّصف بضيق الأفق القومي وإنه تصفوي ومعارض ومتكتّل وانتهازي” وكل ذلك ورد في وثائق الحزب ومحاضر اجتماعات المكتب السياسي واللجنة المركزية (أيلول /سبتمبر/1962)، فضلاً عن أن بعض الانتقادات إزاء النفس هي أقرب إلى ” افتراءات” كما أسميتها وهو ما كان سائداً في الدول الاشتراكية السابقة.

هموم ثمانينية
كان مطلع الثمانينات أول حوار بيني وبين بهاء الدين نوري ، ولاسيّما أسئلته حول العلاقات مع الأطراف العراقية حيث كنت مع عبد الرزاق الصافي في لجّة المعمعة ، ولاسيّما بعد تشكيل الجبهة الوطنية والقومية الديمقراطية ” جوقد” في دمشق والجبهة الوطنية الديمقراطية “جود” بعد أسبوعين في كردستان، وشمل الحوار تلميحات حول سياسة الحزب الشيوعي أيام الجبهة الوطنية وانتقادات صريحة لمواقف بعض القيادات التي لا يرتاح لها ولاسيّما عامر عبدالله، وبشيء من الذكاء كان يمرّر اسم عزيز محمد وأحياناً باقر ابراهيم ويعتبرهم مسؤولين أساسيين عن فترة الجبهة الوطنية مع حزب البعث العربي – الاشتراكي العام 1973-1979، وقد أصبح يعبّر عن ذلك بوضوح أكثر، لاسيّما بعد اجتماع اللجنة المركزية (موسكو) 1981 ويدعو إلى ضرورة نقل إدارة الحزب والكوادر الأساسية إلى ساحة الكفاح المسلح في كردستان.
وفي نوكان- ناوزنك كانت الحوارات أكثر انفتاحاً بيننا حيث زال بعض الحذر منها وسألته عن موضوع “حزب العمل” الذي شكّله مع آرا خاجادور وصالح دكَله، وكان رأيي سلبياً إزاء تلك التقليعات التي أصبحت من تراث الماضي، وقلت له أستغرب لماذا اللجوء إلى مثل تلك اليافطات، فإذا كان لديكم وجهة نظر فلا حاجة لواجهات وهمية، فذلك يزيد من تشوّش القاعدة، وأنتم تعملون بزعم رفض القاعدة وشبكة الكوادر للسياسة القائمة، لكنكم لا تشركونها معكم، وإذا كان الأمر يستوجب إعلان تشكيل سياسي معين باتفاق أو عدم اتفاق مع إدارة الحزب، فينبغي أن يكون واضحاً.
لا أدري ماذا قيل عن “حزب الشعب” الذي أسسه عزيز شريف باتفاق مع فهد وإلى أي مدى كان الأمر صحيحاً، لكن شريف استقلّ بموقفه، بل إن موقفه لاحقاً من القضية الفلسطينية كان أكثر انسجاماً مع نبض الشارع، إضافة إلى أنه أكثر مبدأية وانسجاماً مع الماركسية، من موقف الحزب الرسمي بعد اعتقال فهد، خصوصاً من موقف زكي خيري القصير النظر والمثير للإحباط ، حتى وإن كتب دراسته من داخل السجن رداً على عزيز شريف، لكن توجهه لم يكن مبدئياً ولم يكن منصفاً أو عادلاً حين يساوي بين الضحية والجلاد، بزعم أن قيام دولة ” إسرائيل” ووجود حزب شيوعي علني فيها ونقابات وانتخابات، سيكون أكثر تقدمية من البلدان العربية وحكوماتها الرجعية، متناسياً الطابع العنصري الشوفيني الاستعلائي الإجلائي للحركة الصهيونية المتساوقة مع الإمبريالية. كان ذلك ما كنت أفكر فيه وأنا أسأل بهاء الدين نوري عن ” حزب العمل”.
أعرف بعض تحفّظات بهاء الدين نوري على مثل هذه الأطروحات ولكن موقفي هذا كنت أعبّر عنه بوضوح، ومن يعرفني عن قرب أو خلال عملي يدرك ما كنت أشعر به ، ولاسيّما بعد عدوان 5 حزيران (يونيو) العام 1967 وما أصاب وجداننا الوطني والعربي من جروح لم تندمل حتى اليوم، وشكّلت إحدى صدمات حياتي وظلّت تلازمني مثل ظلّي.
وأتذكّر موقفه من الحرب العراقية – الإيرانية، فقد كان ضد أي حديث عن حوار مع نظام البعث، وحينها كان الرفيق عبد الرزاق الصافي قد وصل إلى كردستان، وترشّح أنه هناك طلباً عبر السوفييت بإعادة فتح حوار بعد معركة المحمّرة (خرمشهر) 1982، لكن مثل هذا الأمر تمّ التكتم عليه، وكان باقر ابراهيم (أبو خولة)الموجود في الموقع نفسه، قد سرّب لي رأس خيط بأن الصافي لن يعود إلى دمشق، وسيبقى في الشروال والجمداني، فالرؤوس حامية هنا وتريد للجميع أن يلتحقوا بها، وحين سألته هل هناك طلب خاص بفتح حوار من جانب السوفييت أو مكرّم الطالباني وما هو رأيك ؟ لكنه لم يجبني ، ثم عاد ووجه السؤال إلي فقال: على افتراض وجود مثل هذا الطلب فماذا تعتقد ينبغي أن يكون ردّنا؟ ولكنني فهمت الأمر وهو ما طرحه عليّ بهاء الدين نوري وما عرفته من عبد الوهاب طاهر، وكان رأيي بغض النظر عن طلب النظام رسمياً أو عبر جهة وسيطة كالسوفييت مثلاً، إلّا أنني أعتقد أن علينا إعادة النظر بسياستنا، فطبيعة الحرب تبدّلت، وما كان التعويل عليه من أن النظام آيل إلى السقوط (رأي بهاء الدين نوري وكريم أحمد)، لم يعد ما يدعمه حتى وإن حصلت هزيمته وهذا أولاَ.
وثانيا- إن موقع المتحاربين وأحداث الحرب تغيّرت، فلم تعد هجومية عدوانية من جانب نظام صدام حسين ودفاعية من جانب إيران بعد انسحاب الجيش العراقي من الأراضي الإيرانية إثر هزيمة المحمرة ” خرمشهر”، بل أصبحت “عدوانية وهجومية” من جانب إيران، ودفاعية وطنية من جانب العراق، وعلينا أن نعيد النظر بشعاراتنا، وكنت من البداية أدعو لوقف الحرب وإقامة نظام ديمقراطي ينهي الدكتاتورية والاستلاب والعسف، في حين كان الشعار العام والذي استمر لبضع سنوات ” إسقاط الدكتاتورية وإنهاء الحرب”، وسبق لي أن أوضحت في كتابي ” النزاع العراقي – الإيراني” الصادر في مطلع العام 1981 ومع وجود الجيش العراقي فوق الأراضي الإيرانية، أن لإيران أطماعاً تاريخية في العراق، وأن شط العرب نهر وطني عراقي، وأن اتفاقية 6 آذار (مارس) 1975 مذلّة ومجحفة وغير متكافئة، وكان هذا رأيي عند إبرامها وكتبت دراسة خاصة من 13 صفحة وجهتها إلى إدارة الحزب حينها، استناداً إلى اختصاصاتي القانونية ، ولاسيّما في الاتفاقيات والنزاعات الدولية.
ولذلك لم يكن اللجوء إلى الحرب هو الخيار الصحيح لاستعادة حقوق العراق، فقد كانت هناك وسائل عديدة يمكن اللجوء إليها ، بما فيها الطرق الدبلوماسية والتحكيم وحتى اللجوء إلى القضاء الدولي ومحكمة العدل الدولية للحصول على رأي استشاري، لاسيّما وهناك تجاوزات وأوضاع جديدة حصلت بعد الثورة الإيرانية، فتبدل الظروف والأوضاع (جذرياً) يستوجب إعادة النظر بالاتفاقية وتبعاتها وفقاً لقواعد القانون الدولي المعاصر.
وكان ذلك موضوع نقاش طويل بيننا، وأقدّر في بهاء الدين نوري آراءه وتواصله وإصراره على إقناع الطرف الآخر ومحاولته في إكمال النقاش، ولم أجد محاوراً بين مستويين مختلفين يتمتع بمثل ما كان بهاء الدين نوري معي على أقل تقدير، ولذلك احتفظنا بعلاقة ودية حميمة طيلة العقود الأربعة ونيّف الماضية.
بعد فصله من الحزب لم يستكن أو يستسلم أو ينزوي، فقد ارتفع عنده رصيد التحدي والمواجهة، وهما سمتان شخصيتان له، فجاء إلى الشام التي كنت قد عدت إليها بعد رحلة علاج طويلة ودخلنا في حوار مباشر حول مشكلات الحزب وتوجهاته وتحالفاته وآثار بشتاشان وموقفه، واستمع إلى رأيي بالتفصيل حول ما حدث لأنني كنت في الموقع المباشر ومسؤولاً عن منظمة الإعلام المركزي، فبالإضافة إلى الخسائر التي لحقت بنا في الأرواح كما ذكرت، فقد كانت خسائرنا المادية والمعنوية الأخرى كبيرة جداً، فقد تم تفجير الإذاعة (وتلك حكاية أخرى لا مجال لذكرها في هذه السردية)، إلى ضياع كتب ومخطوطات وممتلكات وغير ذلك.

بشتاشان : ما الذي حصل؟
لم تكن بشتاشان حدثاً مأساوياً ، بل كانت خطأ ستراتيجياً أيضاً، بدخولنا معارك لا مبرّر لها، وهو ما أشرت إليه في حواري مع توفيق التميمي في كتاب ” المثقف في وعيه الشقي”، الأمر يتعلق بتوجهاتنا وتحالفاتنا وعلاقاتنا مع الوسط وترهل مقراتنا، ولاسيّما بالعديد من المرضى وكبار السن وغير المسلحين ، ناهيك عن الخطأ العسكري في اختيار بشتاشان التي لا يوجد خط انسحاب لها سوى جبل قنديل الشديد الوعورة.
وخارج نطاق السياسة فقد حطمت بشتاشان مشاريع فكرية وثقافية على بساطتها، لكنها كانت تشيع مناخاً فكرياً وثقافياً للجدل والحوار وتنوّع الآراء، منها “البانوراما السياسية” التي ابتدأناها قبل 3 أشهر وحاضرت فيها عن ” الصراع الآيديولوجي العالمي وانعكاساته على المنطقة” كما حاضر فيها عمر علي الشيخ عن “وثبة كانون 1948 ودروسها التاريخية” وكان ضمن البرنامج محاضرة بعنوان “وسائل محاربة الاندساس والتخريب داخل الأحزاب الثورية ” التي كان يعدّ لها باقر ابراهيم ومحاضرة أخرى تحت اسم ” الصحافة” أي دور ينتظرها؟ التي كان يعدّها عبد الرزاق الصافي وشارك عدد من أعضاء فصيل الإعلام في الحوارات بينهم (المسؤول) مهدي عبد الكريم (مدير الإذاعة) وزهير الجزائري وفالح عبد الجبار وعبد الكاظم عيسى وأبو جواد وأبو علي وأبو محمد الفلاحي وصباح المندلاوي وشاخوان وآخرين.
كما حطّمت بشتاشان محاولات الإعلان عن إعادة تأسيس اتحاد الشبيبة الديمقراطي، حيث كان من المقرّر عقد اجتماع موسع “كونفرنس″ كنّا نعدّ له، بنشاط ملحوظ من لجنة تحضيرية مؤلفة من صباح المندلاوي وعلي رفيق وآخرين، وكان يفترض أن يكون يوم 30 نيسان /1أيار 1983 هو موعد انعقاد الكونفرنس ، لكنه بسبب تدهور الأوضاع الأمنية كتبنا إلى الفصائل والقواطع والتنظيمات الحزبية بإلغاء الاجتماع (الكونفرنس)، الذي باشرنا به لنحو ثلاثة أشهر ووجهنا رسائل خاصة عبر الإذاعة ” تم تأجيل إقامة المعرض وسنبلغكم بالموعد القادم”، خشية من أن لا يصل خبر التأجيل.
جدير بالذكر إن مكتباً للعمل الديمقراطي (معد) كان قد تشكّل للإشراف على تنظيمات الطلبة والشبيبة والمرأة ، وتولت مسؤولية المرأة الرفيقة (بخشان زنكنة- أم بهار) وهي رفيقتي منذ أواخر الستينات حيث عملنا في لجنة واحدة، وكنت أنا مشرفاً على الشباب والطلبة، وحين التحق الرفيق محمد فؤاد قادماً من موسكو وهو من البصرة، وكنت قد سمعت عنه من لؤي أبو التمن وتعرّفت عليه في موسكو، حيث أوكلنا له موضوع اتحاد الطلبة، وقد استشهد في بشتاشان أيضاً.
ولكي يتم التواصل بين خبرة الكادر القديم والكادر الجديد ،فقد أعددتُ كراساً عن تاريخ الحركة الطلابية تم طبعه في مطبعة طريق الشعب في بشتاشان بعنوان ” لمحات من تاريخ الحركة الطلابية في العراق” بمناسبة مرور 35 عاماً على مؤتمر السباع ، وكنت قد باشرت بكتابة حلقتين إلى لجنة التنسيق التي تصدر مجلة في براغ بطلب من الرفيق رواء الجصاني تحت عنوان ” أوراق غير مقروءة “، وبعد نقاش طويل بيني وبين المسؤول عن مكتب العمل الديمقراطي عبد الرزاق الصافي، وأخذ ورد وجدل واختلاف بخصوص الآراء الواردة فيه، لاسيّما نقد فترة التجميد للمنظمات، تم الاتفاق على صيغة وسط تمثل الحد الأدنى ، حيث قام بتخفيف صيغة المراجعة الانتقادية مع الإبقاء على جوهرها، وإلّا ما كان للكرّاس أن يصدر .
وكان رأي الصافي وجيهاً (أقصد نظامياً) على الرغم من معارضتي له، وحسب وجهة نظره ما زال الحزب لم يصدر تقييماً بخصوص تلك الفترة، فكيف لك أن تتخذ موقفاً مخالفاً وناقداً، بل مخطئاً ما هو سائد من سياسات مقرّرة، ولكن مبرري في ذلك أن الرأي مهني، وحسب معلوماتي فإن الأغلبية الساحقة من الكادر لم تكن موافقة على قرار حلّ المنظمات تحت عنوان “تجميدها” وهو أمر لم يحترم ، بل ضُرب به عرض الحائط ، ولي حديث آخر في هذا الموضوع.
وقد صدر الكرّاس عشية الهجوم على بشتاشان وحمداً لله، أنني احتفظت بنسختين سلّمت واحدة منها إلى الرفاق في براغ، واعتمدتْ في العديد من الكتابات التي صدرت بعدها، كما صودرت وثائق عديدة منها الكراس الذي تم طبعه ” ردّ على مفاهيم برجوازية قومية وتصفوية ” من قبل المكتب الآيديولوجي الذي كنت عضواً فيه بمسؤولية كريم أحمد، وهو الكراس الذي كان قد نشر بتوجيه وإشراف من قيادة سلام عادل العام 1957، وكان الثمن باهظاً في رحلتنا الشاقة والتي زادت على 32 ساعة سيراً على الأقدام في جبال موحشة ووعرة مكسوة بالثلوج، لنعبر جبل قنديل الشهير الذي يزيد ارتفاعه عن 7800 قدم، وهو أكثر الجبال ارتفاعاً في المنطقة ومات البعض في الطريق بتجمّد أطرافه وعدم قدرته على مواصلة المسير، كما نصب أوك بعض الكمائن على الطريق ولولا قيادة الرفيق “صارم” من السماوة وهو عضو في منظمة الإعلام المركزي لكان نحو 100 رفيق وقعوا بين الربايا الحكومية أو أسرى لدى أوك، خصوصاً حين ظهرت بعض علامات التخاذل لدى البعض، وبحزمه وشجاعته ،التي سبق أن قلت أنني أنحي لها ، قاد الركب إلى الطريق الصحيح.
جدير بالذكر أن جماعات الـ PKK لا تزال تعيش في بعض كهوف جبل قنديل ، وكان الفلاحون يردّدون لا أحد يستطيع البقاء في هذه المنطقة (المقصود نوكان وناوزنك وبشتاشان) سوى الشيوعيين والخنازير لصعوبة الحياة وانعدام أبسط وسائل العيش. وحسبما يبدون فإن حزب العمال الكردستاني وجماعة أوجلان تجاوزوا بجلدهم الآخريم.
في العام 1984 دعاني بهاء الدين وبعد حوارات طويلة دامت عدة أيام إلى العمل المشترك أو التعاون بعد أن تم فصله، وكنت قد بيّنت اختلافاتنا معه، نظرياً وعملياً، ولكنني مثلما ذكرت كنت حريصاً على المواصلة والاستماع إلى رأيه، لاسيّما حين أصدر بعض المطبوعات منها : جريدة القاعدة وكراريس أخرى، وقد حاول الشيء ذاته مع المجموعات التي تشكلت خارج إطار التنظيم الرسمي بسبب الإجراءات الزجرية والعقوبات التي اتخذت بحقها. وأوّد أن أنوّه أن بهاء الدين نوري كان من الأوائل الذين كتبوا ضد البريسترويكا معتبراً إياها تراجعاً وانهزامية ومؤامرة مشبوهة، وهو الرأي الذي كان يقاربه بوضوح الرفيق خالد بكداش أيضاً الذي اعتبرها حركة ارتدادية ليست بعيدة عن التأثيرات الصهيونية. وتعليقي على هذا الموضوع إذا كانت الحركة الصهيونية قد انتعشت في الاتحاد السوفييتي السابق، فلأن الفساد والترهل والبيروقراطية وشحّ الحريات التي حاول غورباتشوف معالجتها كانت وراء ذلك، لكنه وقع ضحيتها هو أيضاً، لأنه لم يهيئ المستلزمات التدرجية للانتقال بالحكم والحزب من طور إلى طور، لذلك كانت التغييرات عاصفة ودراماتيكية وانقلابية.
جدير بالذكر أن بهاء الدين نوري ينمازعلى أقرانه من إداريي الحزب ، بأنه يمتلك كفاءة كبيرة على مستوى التنظير والتنظيم (المقصود في الأداء الحزبي)، في الكتابة والعمل، وفي البرامج والخطط، وهو لا يخشى من الوقوع في الأخطاء، لأنه يجتهد ولا يعمل بصورة آلية أو ميكانيكية، بل بحيوية فائقة، وكأنه يرى أن الهدف يصبح منه قاب قوسين أو أدنى، حتى ولو كان سراباً، فهو شخص لا يعرف المستحيل وإن إرادته وإصراره لا حدود لهما، وهو جريء مواجهة وليس مواربة، وكان لديه رأي واضح في كل الأوقات، سواء في الصواب أم في الخطأ، ويدافع عن رأيه حتى النهاية ويتمسك به بثقة عالية.
ويرى بهاء الدين نوري نفسه صاحب حق، سواء داخل الحزب أو مع القوى الأخرى، ولذلك دخل بمشاكل مع الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك)، ولم يكن حبل الود بينه وبين الزعيم البارزاني مصطفى قائماً، وهو ما حاول جلال الطالباني الضرب على وتره، وكان رأيه في بشتاشان بأن لا ندخل بأي احتراب مع “أوك” ولذلك حاول التطبيع معه في قاطع السليمانية الذي كان بأمرته مع ملّا علي، وهو الأمر الذي استبعده من المواجهة والصدام، وصادف أن التقت رغبته هذه المخالفة لرأي إدارة الحزب مع رغبة ملّا بختيار المسؤول عن قيادة أوك لقاطع السليمانية أيضاً، وهو الآخر لم يكن متوافقاً مع رأي قيادته في مهاجمة مقرات أنصار الحزب الشيوعي في قاطع السليمانية، حيث توصّل الطرفان لاحقاً إلى توقيع اتفاقية ديوانه في 26 أيار /مايو 1983. وكان رئيس الوفد المفاوض من جانب الحزب الشيوعي (قاطع السليمانية) ملّا علي في حين ترأس وفد أوك ملّا بختيار.

اتفاق الديوانة
وتنصّ اتفاقية الديوانة على الطلب من قيادة أوك إطلاق سراح أنصار الحزب الشيوعي المعتقلين (الأسرى) لدى أوك والإقرار بحق ممارسة النشاط الحزبي بحرية وتشكيل لجنة لمحاسبة كل من يتحرك ضد الطرف الآخر، وهذه كانت مطالب الشيوعيين في قاطع السليمانية وقد وافق عليها أوك بالكامل وطلب إضافة بندين هما: الأول- عدم السماح لأنصار حدك بالمجيء إلى منطقة قرداغ برفقة أنصار (حشع) وإلّا سيتم الاشتباك مع الاثنين والثاني – القيام بفاعليات مشتركة لضرب العدو (المقصود السلطة الحاكمة)، وقد وافق عليها وفد حشع بقيادة ملّا علي.
ويقول ملّا علي في “مذكراته” أن الأمر راق لنا فاتفقنا مع أوك، لكن بهاء الدين نوري الذي كان المسؤول الأول في القاطع والذي كلّف ملّا علي بقيادة الوفد المفاوض اعترض على استعجاله بالتوقيع وعدم عودته إلى مرجعه لكي يتم تدقيق ومراجعة النصوص المتفق عليها، وحين سألته: هل كنت معترضاً على الاتفاقية؟ أجاب أن البندين الأخيرين لم يحضيا برضاه، وما كان لملّا علي أن يوافق عليهما، لولا قلّة خبرته بالعمل التفاوضي وهو ما كتبه في موقع الحوار المتمدن بعنوان ” أنا وملّا علي في مذكراته” (ملّا علي هو الاسم الحركي لـ عبدالله ملّا فرج) وقد استغربت من موقفه الذي يقول أن الاتفاقية ذيلية وبائسة أملاها أوك على ملّا علي “الذي وضع الكرة في ملعب القيادة الغارقة حتى أذنيها في الأخطاء والمحتارة فيما يتأتى عليها عمله ” لاسيّما بعد هزيمة بشتاشان.
وموقف الاستغراب هو نقده للاتفاقية التي أدين عليها وأدت إلى فضله حيث اعتبر متواطئاً مع أوك بتوقيعه اتفاقية ديوانه، ورفضه نقل قواته إلى منطقة القتال في بشتاشان، وهو أمر غير ممكن، بل ومستحيل ، لأن المعارك لم تدم سوى يوم ونيّف وحسمت لصالح أوك، علماً بأنه انتقال القوات كان يحتاج إلى تهيئة لا تقل عن عشرة أيام أو اسبوع على الأقل حسب بعض المصادر التي تعرف العمل الأنصاري. وأود هنا أن أنوّه إلى أنني مدين بهذه التدقيقات إلى الصديق النصير أحمد الناصري (أمين) الذي لفت انتباهي إليها، وكنت قد أغفلت التطرق إليها.
وكان أوك قد تفرّغ لمواجهتنا ومواجهة حدك (البارتي) وحسك (الحزب الاشتراكي الكردستاني) ، بعد أن أمّن جانب قاطع السليمانية دون أن ننسى اندفاعات بعض رفاقنا ، التي ساهمت في توتير الأجواء التي يتحمّلها أوك وقيادته بالدرجة الأساسية ، وخصوصاً في قتل الأسرى الذين وقعوا بين يديه، وهو ما عاتبت عليه ناوشيروان مصطفى بعد مضي عدّة سنوات، مفنّداً الحجج والمزاعم التي كان يتعكّز عليها أوك، لأن قتل الأسرى جريمة خارج قوانين الصراع، مثلما هو قضية أخلاقية، ناهيك عن كونها مسألة قانونية لا تسقط بالتقادم، ولي وقفة مطوّلة في شهادتي عن بشتاشان.
وكان أوك يبرّر هجوم بشتاشان بأن قوات جود (حشع وحسك وحدك) هاجمته يوم 28 نيسان (إبريل) في مقره بقرية باليسان وهو أمر خاطئ من جانبنا، لكن هجومه الواسع والشامل لم يكن مجرد رد فعل لاختراق محدود في باليسان، بقدر ما كان محضّراً له، سواء حصل أو لم يحصل الهجوم المحدود على باليسان، فمثل هجوم بشتاشان كان يحتاج إلى استعدادات كبيرة ووقت طويل، ولعلّ ما تكشف من أهداف كانت هي الأخرى تدلّ على أنه لم يكن مجرد حساسيات وردود أفعال، يتضح من ذلك مهمة القضاء على أنصار الحزب الشيوعي وإخراجهم من المنطقة ، وإلّا فقد كان يمكن تطويق حادث باليسان بالعودة إلى اتفاق شباط (فبراير) 1983 بين أوك وحشع الذي كان وفده يتكوّن من كريم أحمد وعبد الرزاق الصافي .
وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار التقاليد العشائرية والقروية السائدة في المنطقة وقضايا الثأر والانتقام ومحاولات التسيّد والهيمنة، فقد كان يمكن الرد موضعياً في نفس الموقع أو لموقع آخر وليس شن هجوم هدفه تصفية مواقع الأنصار الشيوعيين، وهو ما كشفته التسريبات بشأن وصول مبعوث حكومي إلى أوك للقاء جلال الطالباني في منطقة ناوزنك وبداية حوار مع السلطة وقيل أن الذي مهّد له هو اجتماع حصل بين عمر دبابة وبرزان التكريتي كما تردد حينها، وحصول أوك على دعم مادي ومعنوي منه، وهذا ما يفسّر إصراره على هذا الهجوم الكاسح الذي قاده ناوشيروان مصطفى وتم حشد نحو 2000 نصير له وهم يعادلون نصف أنصار أوك.

بشتاشان ذاكرة المستقبل
لم تُكشف تفاصيل مجزرة بشتاشان كرواية كاملة وشاملة ومعتمدة حتى الآن، وإن وردت كشهادات شخصية مدوّنة أو شفوية، إلّا أنها أثارت أسئلة جديدة بحاجة إلى استذكار ومراجعة ونقد، خصوصاً وأن الكثير من الوثائق والمستمسكات قد ضاعت أو وقعت بأيدي من لا يريد لها النشر والتداول، فضلاً عن مرور فترة زمنية طويلة وظروف عويصة ومعقّدة مرّت بالعراق وتغييرات كبيرة حصلت في مواقع القوى، ناهيكم عن اصطفافات ومصالح جديدة ترتّبت على اتخاذ المواقف. وبعد ذلك فإنها مثل أي حدث تاريخي سينظر إليه باعتباره ماضٍ، بغض النظر عن انتظار عوائل الشهداء وتعلّقهم بأي خبر أو معلومة عن أحبتهم الذين سقطوا شهداء، فضلاً عن ظروف استشهادهم.
لقد وقعت مجزرة بشتاشان في منطقة نائية ومعزولة وتداخلت أحداثها مع يوميات الحرب العراقية- الإيرانية التي كانت الكارثة الكبرى التي حلّت بالبلاد ودامت ثمان سنوات بالكمال والتمام 1980-1988، يضاف إلى ذلك تعقّد الأوضاع السياسية ومشكلات المعارضة وصراعاتها المختلفة، دون نسيان تهاون القيادة الرسمية للحزب الشيوعي والصمت المطبق الذي عقد ألسنة بعض أفرادها بفعل تداخل المصالح بعد الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003، ومن جهة أخرى عدم تحلّي قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني بالجرأة للاعتراف بخطئها والاعتذار لعوائل الضحايا، وهو ما يمكن أن يكون مواساة لهم ويخفف من أحزانهم، فضلاً من أن يفتح صفحة جديدة لإشاعة ثقافة التسامح ونبذ الثأر والانتقام، علماً بأن بعض الذين كانوا آنذاك من المتشدّدين ضد الاتحاد الوطني الكردستاني أخذوا يدورون في فلكه في ظروف إعادة توزيع القوى في كردستان بين الحزبين المتنافسين (حدك وأوك).
لعلّ الكثير من عوائل الشهداء ورفاقهم واصدقائهم ما زالوا يستفسرون عمّا حصل بالضبط وكيف ولماذا وعن أدق التفاصيل التي تتعلق بأعزّتهم الذين فقدوهم في صراع عبثي، بل إن هناك جيلاً كاملاً لم يتعرّف على حقيقة ما جرى، وكنت دائماً ما أواجه بأسئلة ساخنة واستفسارات مثيرة وغالباً ما أنزع إلى توجيه الأنظار صوب التسامح وعدم نكأ الجراح والبحث عن المشتركات لتعظيمها وعن المختلفات لتقليصها في إطار ما هو وطني وعام وإن تباعدت الرؤى أحياناً، والهدف طي صفحة العنف والعنف المضاد الذي ابتليت به الحركة الوطنية العراقية والجماعة السياسية في العراق والذي طبع تاريخها الملتبس والمثير، والأمر يحتاج إلى مراجعات جادة ومسؤولة وشجاعة، واعتذارات عن الارتكابات والانتهاكات التي لجأت إليها بزعم امتلاكها للحقيقة أو ادعائها الأفضليات على الآخر، فالآيديولوجيا لا تحمي الإنسان من الوقوع في الخطأ وارتكاب الجريمة أحياناً، خصوصاً حين يشعر من تلبسته (العقيدة) أن الحقيقة معه وحيثما يميل فإنها ستميل معه، ولكن صخرة الواقع دائماً ثقيلة مهما كانت الادعاءات، الأمر الذي يحتاج إلى تسامح وارتقاء إلى ما هو إنساني ، بقدر ما يحتاج إلى كشف الحقيقة والمساءلة ومن ثم جبر الضرر وتعويض الضحايا وإصلاح العلاقات السياسية والأخلاقية والاجتماعية بين القوى والتيارات السياسية وجعل الصراع بينها سلمياً ومدنياً ومتحضّراً، في إطار إصلاح منظومة القيم من جهة والنظام القانوني والقضائي والأمني وجميع أجهزة إنفاذ القانون ومنظومة القوانين والأنظمة من جهة أخرى، في ما نطلق عليه “العدالة الانتقالية”.
ومع أن حق عوائل الضحايا من إقامة دعاوى ضد المرتكبين بصفتهم الفردية أو بصفاتهم ومراكزهم السياسية يكفله القانون، لأن مثل هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم ، ولكن المهم طي هذه الصفحة سياسياً، ويبقى القضاء وحده هو الذي ينظر فيها ولكل حالة على انفراد، خصوصاً إذا ما تم تسوية الأمر سياسياً. والمسألة لا تتعلق ببشتاشان وحدها، بل جميع الارتكابات السياسية خارج القضاء التي حصلت بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 ولحد الآن، وذلك ضمن قواعد العدالة وبهدف تنقية الأجواء السياسية.

بين بغداد وطهران
وبالفعل فقد توجّه بعد ذلك الهجوم ببضعة أسابيع وفد من أوك إلى بغداد للتمهيد لمفاوضات طويلة وعسيرة دامت نحو عام واستمرت حتى النصف الثاني من العام 1984. وقد قاد الوفد الكردي مام جلال وتناوب عليها من الطرف الحكومي: عزت الدوري وطارق عزيز وعلي حسن المجيد الملقب بـ “علي الكيماوي” وتم التوصل إلى اتفاق يكون فيه جلال الطالباني نائباً لرئيس الجمهورية (صدام حسين) وتوسيع صلاحيات الحكم الذاتي، لكن صدام حسين استدرك الأمر في اللحظات الأخيرة، وتم تسويف المفاوضات على الرغم من تصريحات الطالباني بأنه يعتبر صدام حسين “حكماً وليس خصماً”، لكن ذلك لم يمنع من استمرار الحكومة في غيّها بالتنكّر لحقوق الشعب الكردي التي يرتبط تلبيتها بحل مشكلة الحكم في العراق ككل.
وعاد أوك إلى مواقعه قبل بشتاشان وإلى خندق المعارضة التي حاول التطبيع معها ومع حشع بشكل خاص وإلى التحالف مع إيران، وعلى صعيد آخر فإن بعض الأخطاء والاندفاعات كانت قد تراكمت بين حشع وأوك، وكان أوك مثلما هو حدك يفسّر أي تقارب للحزب الشيوعي مع هذا الطرف ، بأنه سيكون على حسابه، خصوصاً وهناك شطحات عديدة وانزلاقات كثيرة من جانب إداريين من حشع وهي تعطي الانطباع بأننا نصطف إلى جانب حدك في صراعه مع أوك، وهو أمر خاطئ بكل المعايير، وكان علينا أن نلعب دور حمامة السلام وألّا ننحاز إلى أي طرف في صراع تتداخل فيه عوامل تاريخية مع اختلافات سياسية وتقاطعات عشائرية ومصالح ذاتية ومنافست حول الزعامة وغير ذلك، وهي في كل الأحوال ليست لصالحنا، لكن بعض أخطائنا وانزلاقات بعض إداريينا ليست مبرراً لأوك لشن هجومه الشامل ضدنا، والأمر ليس رد فعل لحادث معين في باليسان أو غيرها وهو ما ناقشت به بهاء الدين نوري.
لقد قام أوك بشن هجوم ضدنا ومع خيوط الفجر الأولى من يوم 1 أيار (مايو) 1983 واستمر ليومين واحتل أشقولكا وكاسكان ثم دولتي ورزكه ووصل إلى موقع الإعلام المركزي وعبر بعدها إلى المكتب العسكري (معم) وكان قد استدار إلى بولي ، فاضطررنا الانسحاب إلى طريق المستشفى حيث اجتمعنا مع الرفيق يوسف سليمان بوكه “أبو عامل” (المسؤول العسكري عن حركة الأنصار) ، ومن هناك تقرّر الانسحاب لعبور جبل قنديل الرهيب، وراح ضحية ذلك الهجوم نحو 60 رفيقة ورفيق كما أشرت، وبعدها سقط أكثر من 20 رفيقة ورفيق في بشتاشان الثانية وتلك مسألة أخرى.

مع المنبر وقضايا أخرى
حين أصدرنا “صحيفة المنبر” واتخذنا الخط المعروف بخصوص رفض المشروع السياسي والحربي الإيراني بالدعوة إلى وقف الحرب والاحتكام إلى قواعد القانون الدولي ، وأعلينا من شأن “الدفاع عن الوطن” والدعوة للبديل الديمقراطي، لم يكن بهاء الدين نوري مع هذا التوجّه وحاول معي شخصياً، قائلاً فقط لو تركت عامر عبدالله ومهدي الحافظ ونوري عبدالرزاق ، فأنت لست من قماشتهم، فقلت له بغض النظر عن أي اعتبار فلن أتخلى عن أصدقائي، وكان هناك من حاول إغرائي أو التلويح لي بأعلى المواقع بالوعد والوعيد، بالتخلي عن صداقاتي، وكان جوابي لو صادف يوماً وأن يكون موقعك مثل موقعهم وأقصد في الحزب وليس في غيره، سأكون معك وأول من يقول له صباح الخير ولن أتخلى عن ذلك، حتى وإن اتخذ الصراع منحى أخر.
وكنت أشعر بالأسى إزاء شخصية كنّا نعتبرها “أسطورية”، وكان البعض يهتف باسمها في الخمسينات، وإذا به يعاني أشد المعاناة في الشام، ولم أتردّد من أن ألبّي بعض طلباته التي أتمكن منها، سواء في إقامة علاقات ولقاءات مع قوى عربية وفلسطينية وسورية أم في أمور أخرى بسيطة، وكان هدفه أن يشرح لها أوضاعنا الخاصة، وكان معه في الشام ” أحمد الناصري” الذي تعرّض هو الآخر للتنكيل .
وهناك جوانب أخرى في شخصية أبو سلام وحين أستعيدها اليوم ، وخصوصاً حين كنّا في كردستان، فهي طريفة ودالة في الآن، ففي حين كان يدعو لمن ينازله في لعبة الشطرنج يستجيب له كثيرون لكنه حين كان يخسر، فإنه يزعل أحياناً، وحين كنّا نذهب إلى داوداو وهي قرية صغيرة جداً فيها بعض الأكواخ وتبعد عن الجبل الذي نحن فيه حوالي نصف ساعة مشياً على الأقدام صعوداً، وذلك لأكل العنب والخبز الذي يقدمه لنا الأهالي، كان الشباب يتسابقون معه، فهو يحاول أن يكون الأول دائماً، بل أنه لا يكترث بالعمر، وإنما يشتغل حسب الإرادة ووفقاً لمنطقها، حتى لو شعر بالتعب، فليس ذلك مهماً عنده.
وفي براغ التقينا في أواخر الثمانينات، حيث انتقلنا حينها عامر عبدالله وحسين سلطان وعدنان عباس وكان ماجد عبد الرضا يعيش فيها ووصلها باقر ابراهيم والتحقت بهم في إطار التحضير للقاءات موسعة وكان مكرم الطالباني قد جاء إلى براغ للقاء مع عزيز محمد وجلال الطالباني، كما التقاه عامر عبدالله ونوري عبد الرزاق ، وكانا قد سلّما عزيز محمد مذكرة باسم المجموعتين، لكن الجواب كان فصل 5 من إدارات حزبية سابقة، هم: باقر ابراهيم ونوري عبد الرزاق وحسين سلطان وعدنان عباس وناصر عبود، وكتب باقر ابراهيم اجتمع 5 فطردوا 5 والمجتمعون هم: عزيز محمد، كريم أحمد ، فخري كريم، حميد مجيد موسى، عبد الرزاق الصافي، ثم نحيّ آرا خاجادور بعد انفضاض “حلف المؤتمر الرابع” الذي كان أحد أركانه ووصل إلى المكتب السياسي بسببه، وتشتّت بعض أركانه “فالأخوة الأعداء” مع الاعتذار لكازانتزاكي تفرّق شملهم، حتى أن بعضهم أصبح قعيد حسرات .
وفي براغ بدأنا حواراً، ولاسيّما بين ماجد عبد الرضا وبيني من جهة ، وبين بهاء الدين نوري، وكنت قد طرحت مشروعاً نشرته لاحقاً للتوثيق في كتاب ” المثقف في وعيه الشقي” هو دعوة لـ”اتحاد اليسار العراقي”، ويبقى مفتوحاً حتى للقيادة الرسمية التي تمثل الحزب الشيوعي، بل إنها الثقل الأكبر في اليسار، وهي صيغة مرنة لمنابر، لكن مهدي الحافظ لم يؤيدها، ولا يعتبر الحوار مع بهاء الدين نوري مُجدياً، وكذلك عامر عبدالله الذي كان يشجعنا وفيما بعد آرا خاجادور على الاستمرار في إصدار المنبر دون الوصول إلى شكل من أشكال الاتفاق أو التعاون، وتلمّستُ أن الوحيد الذي كان جاداً في المجابهة المباشرة هو بهاء الدين نوري، بل أنه أحرق جميع المراكب، فلم يعد أمامه سواى المواجهة، بعد فصله وشعوره بالغبن، وهو ما عبّر عنه بمرارة حين قال: إنه الوحيد الذي تعرّض للتنكيل ثلاث مرّات: الأولى -على يد حميد عثمان حين جرّده من مناصبه وهو في السجن والثانية- على يد قيادة سلام عادل حين نحي وجمّد لاتهامه بالتكتّل والثالثة- على يد عزيز محمد الذي فصله دون سماع رأيه أو مثوله أمام هيئة حزبية، وحتى لم يتم تبليغه، بل قرأ ذلك في نشرة داخلية.
ولعلّ دورات التنكيل في الحزب استمرّت مثل دولاب حيث شملت الجميع، فقد ساهم بهاء الدين نوري نفسه فيها، حتى طرد عزيز محمد وجمال الحيدري وعبد الرزاق الصافي وغيرهم من قيادات “راية الشغيلة” من الحزب، وسلام عادل نفسه عوقب من مالك سيف مرّة ومن حميد عثمان مرّة أخرى، وزكي خيري الذي عوقب أكثر من مرّة لم يجد بأساً حين يتولى “القيادة” من معاقبة مخالفيه في الرأي أو تهميشهم وهكذا، ولعلّ ذلك يحتاج إلى مراجعة ونقد ذاتي من الجميع دون استثناء.
وبتقديري إن غياب الشفافية وسيادة النزعة البيروقراطية وعدم الإقرار بالرأي الآخر وقبول التنوّع في وجهات النظر، هي السبب الأساسي في تلك الأجواء غير الصحية والبيئة غير المناسبة ، وأستطيع القول أن ذلك ناجم عن التزمّت والجمود والمنافسة غير المشروعة التي تصل إلى الكراهية وحبك المؤامرات والدسائس ونسيان العدو الأساسي.
تطلّعات ديمقراطية ولكن!
وفي مطلع التسعينات استلمت عدّة رسائل من بهاء الدين نوري ودعوة للقاء، وتحقق الأمر في لندن، حيث طلب مني التعاون في تشكيل تنظيم ديمقراطي عراقي، فقلت له يا أبا سلام، وهل يمكن ذلك، فأنت قبل أكثر من أربعة عقود من الزمن كنت أميناً عاماً للحزب والناس تعرفك بهذه الصفة، فكيف لك أن تغيّر ذلك، وإذا كان لا بدّ من التساوق مع التطور، فلنبق ندعو إلى الديمقراطية، ولكن من موقعنا اليساري بدلاً من أن نلفق تنظيمات باسم تيار ديمقراطي أو مدني لنقف نحن ذاتنا خلفها، فتلك المرحلة انتهت وطويت ولا يمكن العودة إليها، حتى بالنسبة لما كنّا نطلق عليه تنظيماتنا الديمقراطية .
وعدنا مرّة أخرى لحوار آخر حول ” حقوق الإنسان” و”القضية الكردية” خلال لقائنا في القاهرة في إطار ملتقى ” الحوار العربي- الكردي” الذي تم تنظيمه في إطار لجنة التضامن المصرية بقيادة أحمد حمروش والذي حضّر له في القاهرة عدنان المفتي وعمر بوتاني، وقد حضره مام جلال الطالباني وجميع القيادات الكردية الأساسية، باستثناء كاك مسعود البارزاني، التي سبق لها أن شاركت في أول حوار عربي- كردي كان قد انعقد في لندن العام 1992 في إطار ” المنظمة العربية لحقوق الإنسان” التي كان لي شرف رئاستها. وكان لقاء القاهرة مهماً لجهة توسيع الدائرة عربياً، وقد التأم في العام 1998، وقد حضره عزيز محمد أيضاً، إضافة إلى بهاء الدين نوري وكان قد أصبح حينها حميد مجيد موسى (1993) أميناً عاماً للحزب الشيوعي.
وثمّة مداخلات أخرى جمعتني مع بهاء الدين نوري سأتركها لأوقات أخرى، علماً بأنني حريص على التواصل مع رفاقنا من كبار السن، فقد كنت قبل عام في زيارة لباقر ابراهيم في هلسنبورغ عند تكريمي في السويد، وزرت كريم أحمد مرتين خلال العام الماضي (الأولى – عند وجودي في كويسنجق لإلقاء محاضرة في جامعتها والثانية- بعد وفاة ابنته النصيرة بيان زوجة الصديق عدنان كريم) كما كنت في إربيل في زيارة للرفيقة بخشان زنكنة واللقاء بالرفيق عمر علي الشيخ، وذلك لوفاة والدتها. وكنت على تواصل مع الرفيق عزيز محمد، وهو ما سأكرس له مطالعة خاصة.
وأشعر من القلب أن هؤلاء الرفاق وبغض النظر عن كل الأخطاء والثغرات ، وأتحدث عن نفسي قبل الآخرين، أفنوا حياتهم في خدمة قضية نبيلة وهم محكومون بظروفهم، وعلينا مراعاتها وإنصافهم وتكريمهم وذلك أقلّ ما يقال بحقهم.