في الاقتصاد السياسي للمرحلة الانتقالية 3 طارق بشرى

11 فبراير 2020م.

مدخل أولي:مما سبق من قولنا – المقال 1 الي 2 – في سلسلة قولنا في الاقتصاد السياسي للفترة الانتقالية قد يبدو للوهلة الاولي للقاري ليس ذو صلة بواقعنا الاقتصادي السياسي ما بعد اسقاط نظام المؤتمر الوطني في تصورنا ان قراءة تجربة دول امريكا اللاتينية في تطبيق سياسات النيوليبرالية – تلك التجربة التي خاضتها العديد من دول تلك المنطقة من مثل (أوروغواي ، الأرجنتين ، البرازيل ، المكسيك، تشيلي، بوليفيا، كوستاريكا … الخ) – قد تتداخل من باب الخطاب ايدولوجيا، سياسيا، اقتصاديا وواقعنا في المرحلة الانتقالية فأيدولوجيا تتماثل سياسات النيوليبرالية – بماهية الخطاب و الممارسة الايدولوجية بامتياز- التي مورست في دول امريكا اللاتينية، تلك التي مورست و مازالت قائمة في ادارة الاقتصاد الراهن في الفترة الانتقالية سياسيا، ففي السودان و دول امريكا اللاتينية الطبقة الحاكمة – اقلية رأسمالية – هي من تصالحت مصالحها داخليا و دوليا و تلك السياسات في سبيل تجاوز تجربة النيوليبرالية – و التي تبدو في ظل حكومة الفترة الانتقالية في منطقة رمادية فلا هي خطابا و سياسات اقتصادية ذهبت نحو تجاوز النيوليبرالية ولا هي معها – التي مارستها سلطة الجنرال البشير و صحبه من الاسلامويين الطفيليين، تجاوزها- اي النيوليبرالية – معرفيا يستدعي وفق الضرورة النظرية قراءة التجارب المماثلة لها بهذا الشكل او ذاك إن تجاوز تلك التجربة – تجربة النيوليبرالية ( الانقاذية ) – قد يستدعي من قوي الحرية و التغيير تفكيكا معرفيا و سياسيا لها، هناك العديد من الاصعدة التي قد تتطلب ذاك التفكيك المعرفي عبر الدراسات و الندوات العلمية والورش المتخصصة و المقالات حول نتائج ممارسة النيوليبرالية التي اطبقتها سلطة المؤتمر علي مستوي الرعاية الصحية، التعليم بما فيه التعليم العالي، الزراعة بقطاعاتها المختلفة، الصناعة و تنوعاتها المختلفة، حول الفقر و تنوعاته من فقر مطلق وفقر نسبي و تأنيث الفقر، علي الديون الخارجية، معدلات النمو الاقتصادي و التنمية و نماذجها.سيناريوهات النظام السياسي والنيوليبرالية :

السيناريو الاول:

طغمة عسكرية تستولي على السلطة السياسية وبعد توطيد نظامها عبر قهر وقمع المعارضة من خلال استخدام اليات الدولة من جيش وشرطة وجهاز أمنى وغيرها من الاليات الأخرى، تذهب في مرحلة تالية لتدشن تطبيق سياسات النيوليبرالية – روشتة صندوق النقد والبنك الدولي- و هنا نجد ان اغلب تجارب دول امريكا اللاتينية في تطبيق النيوليبرالية قد عبرت من خلال باب نظام عسكري استبدادي وتجربة شعبنا مع نظام (الانقاذ) و سياسته الاقتصادية هي الأخرى قد عبرت من خلال هذا السيناريو.

السيناريو الثاني:

انتفاضة او ثورة شعبية تسقط النظام العسكري السائد وسياسته الاقتصادية المتكئة علي النيوليبرالية و من ثم يتأسس نظام ديمقراطي و تقام انتخابات حرة ليفوز بها المرشح او الحزب السياسي و الذي بشكل من الاشكال يتبني ذات السياسات – سياسات النيوليبرالية – مثلا تجربة البرازيل و الارجنتين و التي فيها نجد ان بعض قوي اليسار قد تبنت ايدولوجية النيوليبرالية – و في مرحلة لاحقة تتصاعد الاحتجاجات و المقاومات لتلك السياسات النيوليبرالية و لكن النظام السياسي المنتخب ديمقراطيا يضيق ذرعا بتلك الاحتجاجات وتمدد المقاومة لسياسته الاقتصادية مما يضطره الي استخدام العنف و مزيد العنف لقمع المعارضة، هذا السيناريو الثاني قد يبدو ليس ببعيد ان يتم تطبيقه في السودان و فيه يتم اعادة ذات تجربة سياسات النيوليبرالية – نظام المؤتمر الوطني – ولكن في هذه الحالة بثوب ديمقراطي و بالضرورة قد يذهب بعيدا في تجفيف محتوي ثورة 19 ديسمبر و شعاراتها من حرية و سلام و عدالة.

السيناريو الثالث:

انتفاضة او ثورة شعبية تسقط النظام العسكري السائد وسياسته الاقتصادية المتكئة علي النيوليبرالية و من ثم يتأسس نظام ديمقراطي و تقام انتخابات حرة ليفوز بها المرشح او الحزب السياسي و الذي بشكل من الاشكال يتبني سياسات مغايرة تماما لسياسات النيوليبرالية، علي سبيل المثال نجد انها السياسات الاقتصادية المغايرة التي تبنتها الدولة تحت قيادة تحالف اليسار قد ساهمت في تجاوز الأزمة الاقتصادية التي انتجتها الدولة النيوليبرالية المستبدة من مثل : حد ادنى متفق عليه من التغييرات على الانظمة الضريبة، سعر مجز للصادرات من مثل المعادن الغاز الطبيعي والنفط وتصنيع المنتجات الزراعية ،منح الرأسمالية الوطنية و بعض الشركات المتعدية الجنسية هامش من صافي الأرباح ، الطلب الصيني العالي علي صادرات امريكا اللاتينية ، الدعم من خلال التحويل النقدي للفئات المستهدفة غيرها من مبادرات الرعاية الاجتماعية، تبني سياسات تعمل علي ارتفاع معدلات التوظيف، سياسات خفض معدلات الفقر و التوجه نحو توزيع عادل للدخل بعد ما شهدت الحكومات اليسارية زيادات هائلة في الإيرادات (1).علي حد قول كلاوديو كاتز – عالم الاقتصاد الأرجنتيني و أحد أعضاء (علماء اقتصاد اليسار) -اي مراقب مهتم بتتبع و تحليل شان اليسار الأمريكي اللاتيني الحديث في سياق موازين القوة في الدولة المحددة – و منها القوي التنظيمية لليسار كما لليمين – وسياق هامش الحركة وتداخلات القوى (الإيديولوجية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية) عليه ملامسة هذا الشأن وفق قراءة كل القوي الاجتماعية او علي الاقل بين ثلاث قوى اجتماعية والتي لكل منها مصالحها وقدراتها المتميزة: القوي الاجتماعية الاولي هي الطبقات الشعبية الريفية والمدنية والجماعات المضطهدة، والقوي الاجتماعية الثانية هي الطبقات الحاكمة المحلية، و القوي الاخيرة هي الإمبريالية – خاصة ، ولكن ليس حصريًا ، الولايات المتحدة(2).

ان قوة اليسار – علي ان يفهم في جميع أشكاله الاجتماعية المعقدة وحركته السياسية وعلاقته بالسلطة – تتحدد وفق قراءة جدلية نقاط القوة التنظيمية الموضوعية – ونضيف ايضا ضرورة قراءة القوة الذاتية – للطبقات الاجتماعية الشعبية والمجموعات المضطهدة ضمن هذا التوازن الشامل للقوى داخل الدولة. الكتلة الاجتماعية التي ظلت تناهض سياسات التحرير الاقتصادي تتكون من الاغلبية العظمي من الشعب وشملت فيما شملت صغار بيروقراطية جهاز الدولة المدني اضافة الي الاغلبية العظمي من الطبقة الوسطي، العمال بمن فيهم العاملين في القطاع العام الصناعي، فقراء المدن والريف والمزارعين بما فيهم كبار المزارعين. تقدم بوليفيا مثالا أكثر دراماتيكية لعواقب سياسات اعادة الهيكلة على الطبقات الاجتماعية والتي منها الطبقة العاملة. حيث تدلل الدراسات (3) الي كون ان الأجور الحقيقية في القطاع العام قد انخفضت الي مستويات غير مسبوقة – انخفضت اكثر من 50% – اضافة الي تعرضهم الي الفصل من شركات التعدين والبترول المملوكة للدولة و اجبار اخرين علي تقديم الاستقالات الجماعية، وقطع جميع الإعانات الحكومية بما في ذلك الخبز، البنزين، الكهرباء والنقل. بشكل خاص عملية التكيف الهيكلي هذه قد ضربت بشدة على النساء والأطفال من أسر الطبقة العاملة الحضرية.القطب الاخر في الاستقطاب الاجتماعي تمثله الكتلة الاجتماعية التي ظلت مصالحها تتماشي مع سياسات التحرير الاقتصادي تتكون من الاقلية الرأسمالية والتي على سبيل المثال ففي بوليفيا وإكوادور قدر عددها بما يقل عن 2% من عامة الشعب وفي حدود 5% في الأرجنتين والبرازيل وشيلي والمكسيك. يتكون جوهر هذه الشريحة من الرأسمالية من راس المال المصرفي والصناعي وتكتلات التصدير الزراعي. في حالة المكسيك مثلا حينما تم خصخصة ما يقارب الـ 1000 أو نحو ذلك من مؤسسات الدولة قفز عدد المليارديرات حسب Forbes في عام 1993 من 24 مليارديرا الي 27 في عام 1994(4). هؤلاء المليارديرات الجدد، جنبا إلى جنب مع الأثرياء جدا من أصحاب الملايين من قبل، وفي عملية الإصلاح الاقتصادي -شكلوا جوهر البرجوازية الجديدة في المنطقة، وعززت مصالحها عبر تأسيسها تمثيلا سياسيا نافذا ومتصل مع السلطة السياسية الحاكمة وكذلك مع الدوائر الرأسمالية الدولية.يقول كريس في مقال خاص له في صحيفة كندية The National Post الي كون ان الايديولوجية الليبرالية الجديدة تود لو أننا يجب أن نركع قبل إملاءات السوق وان المشروع النيوليبرالي عزز من نشوء طبقة قلة عالمية، حيث تمتلك 8 أسر من الثروة ما يزيد على ثروة 50% من سكان العالم و ان أغنى 500 شخص في العالم اضافوا ما قيمته 12 تريليون دولار إلى أصولهم في 2009، في وقت لا يتمتع فيه ما يقرب من نصف جميع الأمريكيين بأي مدخرات تذكر و ان ما يقرب من 70% من الأمريكيين لا يستطيعون الحصول على 1000 دولار في حالات الطوارئ دون الدخول في ديون.

هذه هي المشكلة التي نعيشها تحت هذا المشروع النيوليبرالي : نحن لا نتحكم في اقتصاداتنا(5).النيوليبرالية وقرعة (طرة/ كتابة):ها-جون تشانج الكاتب الأمريكي قال ذات مرة (6) إن النظام الاقتصادي الأمريكي هو “مؤسسة حرة للفقراء واشتراكية للأغنياء”. أعتقد أن هذا البيان يلخص بشكل جيد للغاية ما حدث في السوق الحرة. الرأسمالية “في العقود القليلة الماضية، وخاصة ولكن ليس فقط في الولايات المتحدة. في العقود القليلة الماضية، أصبح الأثرياء يتمتعون بحماية متزايدة من قوى السوق، في حين أن الفقراء ظل يتعرضوا لها أكثر وأكثر. بالنسبة للأغنياء، كانت العقود القليلة الماضية مثل لعبة رمي القرعة بالعملة المعدنية، لها وجهان واحد (طرة/ راس) والأخر (كتابة/ ذيل)، ” إذا طرة انا فزت بالجولة، ولو كتابة انت تخسر”. كبار المديرين، وخاصة في الولايات المتحدة، يوقعون على حزم الرواتب التي تمنحهم مئات الملايين من الدولارات لفشلهم ومرات عديدة أخرى لفعلهم عمل مرضي. مما يعني الاغنياء في حالة الربح فان الملايين وأحيانا المليارات من الدولارات تدخل في جيوبهم وفي حالة الخسارة تعمم الخسارات على كل الشعب.

وهذه اللعبة تكاد توصف حال (القطط السمان) او قل (تماسيح الكيزان) عندما كانوا يحكمون البلد – علي هدي و بصيرة سياسات التحرير الاقتصادي – حيث اغتنوا عبر نهب موارد البلد وعندما ما تم اسقاط نظامهم ما خسروا شيئا حيث لا جرت محاكمات لاسترداد المليارات المنهوبة ولا حكومة حمدوك الانتقالية تقدمت بسياسات مغايرة لسياسة النيوليبرالية التي عبدت الطريق لاغتنائهم، بمقدور قوي ثورة ديسمبر تغيير هذه اللعبة و قواعدها و هذا باب في التعقيد السياسي لسنا هنا بصدده.

مراجع:

1- Neoliberalism and Class Conflict in Latin America Henry Veltmeyer, James Petras and Steve .Vieux by Macmillan Press Ltd 19972-The Last Day of Oppression, and the First Day of the Same The Politics and Economics of the .New Latin American Left Jeffery R. Webber, Published in 2017 by Haymarket Books3- refer to chapter 7 of reference 1.4- refer to chapter 2 of reference 2.5- National Post Newspaper Canada February 5, 2020 Chris Hedges is foreign correspondent for 15 years for The New York Times.6- the author of the bestsellers American Fascists, Days of Destruction¬ and Days of Revolt –Exposing the Myths of Neoliberal Capitalism , By Ha-Joon Chang and CJ Polychroniou https://zcomm.org/ Feb17,2017