في الاقتصاد السياسي للمرحلة الانتقالية 2 طارق بشرى

20 فبراير 2020م.في هذا المقال الثاني في سلسلة قٌلنا حول الاقتصاد السياسي للفترة الانتقالية، سوف نتناول في خطوط عريضة تجربة اقتصادات امريكا اللاتينية في خوض تطبيق سياسات النيوليبرالية، تلك التجربة التي استمرت لمدة 30 عاما. هي تجربة قد تتماثل التجربة التي عايشها شعبنا وبخاصة بعد استيلاء الجبهة الاسلامية على السلطة في 1989 وفرضها ذات النيوليبرالية المستبدة.

في عام 1948 تم تشكيل اللجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية التابعة للأمم المتحدة. ووفق دراسات نقدية عديدة لاقتصادات أمريكا اللاتينية قامت بها اللجنة تم بلورة مقترحات عديدة لكي تشق أمريكا اللاتينية درباً وطنياً متميزاً في تنمية عادلة لشعوبها ومن هذه المقترحات(1)

– ضرورة تجاوز نموذج التنمية الذي قاد اقتصاداتها لمزيد من الاندماج الكامل في السوق العالمي والموجه أساسا لخدمة احتياجات الدول الرأسمالية الصناعية في أوروبا الغربية وأمريكا.

– العمل على تغيير نمط التبادل غير المتكافئ حيث تصدر امريكا اللاتينية السلع والمنتوجات الاولية ذات الاسعار المنخفضة الي الاسواق العالمية.

– افساح المجال لكي تقود الدولة و في دور اساسي التنمية الاقتصادية من خلال التوجيه والتخطيط.

– التوجه نحو التصنيع في شكل استبدال الواردات الصناعية، وتأميم الشركات الأجنبية. على نفس القدر من الأهمية كان الافتراض بأن الدولة ينبغي عليها تنظيم القطاع الخاص، ومراقبة الأسعار ودعم السلع الأساسية للمواطنين.

تاريخيا الكثير من الدول تبنت هذه المقترحات وشرعت بالفعل في مثل هذا ممارسة هذا الطريق الشعبي للتنمية الوطنية. نهج التنمية الموجه إلى الداخل او ما يعرف ” بنمط الاعتماد على الذات ” (2). غير أن هذا النمط التنموي لم يصادف النجاح المتوقع، فكان ذلك إيذانا بظهور مدرسة التبعية – المدرسة التي تري أن صادرات الدول الاطراف والتي هي الدول النامية او الثالث عالمية من المواد الخام زراعية كانت او معدنية الي دول المركز الرأسمالي في امريكا و اوروبا الغربية تعمل علي اغناء دول المركز علي حساب دول الاطراف و افقارها اكثر- كرد فعل ثوري على النظريات والسياسات الاقتصادية التي قامت على افتراض إمكان تحقيق التنمية في ظل الارتباط بالسوق الرأسمالي العالمي.

الاحتجاجات في أكثر من قارة:في حالة من المد والجذر، ظل يحتج الآلاف من النشطاء وملايين من شعوب العالم في أكثر من قارة ضد سياسات النيوليبرالية واملاءات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. تلك السياسات التي دخلت مرحلة الممارسة ابان فترة حكم ريغان وتاتشر. هذه الاحتجاجات اخذت تنتقد بشدة السياسات الاقتصادية النيوليبرالية المفروضة على الناس في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك في البلدان الغربية. وكما يصفها روبرت مكشني بإيجاز، فإن النيوليبرالية ” تشير إلى السياسات والعمليات التي يُسمح بها لحفنة محددة من اصحاب المصالح الخاصة بالتحكم في أكبر قدر ممكن من الحياة الاجتماعية من أجل تعظيم ربحها الخاص(3).

” كانت النيوليبرالية أكثر نجاحاً في تغيير توازن القوة السياسية في صالح الطبقة الرأسمالية الحاكمة، أكثر من نجاحها كآلية لإنعاش النمو الاقتصادي. وبالرغم من أن معدلات النمو العام لم ترتفع بالفعل، فإن انتشار السياسات النيوليبرالية ساهم في حشد معظم قنوات النمو باتجاه جني الأرباح، خصوصاً في القطاع المالي.شهدت ما يقارب الـ100 بلداً من بلدان العالم تدهورًا اقتصاديًا حادًا على مدار العقود الثلاثة الماضية. حيث تشير الاحصاءات الي ان دخل الفرد في هذه البلدان المائة بات أقل مما كان عليه في 10 أو 15 أو 20 أو في بعض الحالات حتى قبل 30 سنة. ففي أفريقيا، يستهلك اليوم متوسط الأسرة 20% أقل مما كان عليه قبل 25 سنة. في جميع أنحاء العالم، شهد أكثر من مليار شخص انخفاض دخلهم الحقيقي خلال الفترة 1980-1993. وفي الوقت نفسه، وفقًا لتقرير التنمية البشرية لعام 1998 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يتمتع أغنى 15 شخصًا في العالم بأصول مشتركة تتجاوز إجمالي الناتج المحلي السنوي الإجمالي لأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. في نهاية التسعينيات من القرن الماضي، تجاوزت ثروات أغنى ثلاثة أفراد على وجه الأرض إجمالي الناتج المحلي السنوي ل 48 من أقل البلدان نمو(4).الليبرالية الجديدة، مثل الأنظمة السياسية والاقتصادية السابقة، هي ظاهرة اجتماعية تاريخية تحتوي على الكثير علي من التناقضات. الليبرالية الجديدة تمر عبر سيرورتها على مراحل مختلفة(5). بدايات التدشين السياسي والاقتصادي وما يوازيها من رفض شعبي، ثم مرحلة الالتفاف حولها بهذا الشكل او ذاك ثم اخيرا مرحلة نضج المقاومات السياسية والاجتماعية وتجاوزها جماهيريا نحو بديل مغاير ايدولوجيا، سياسيا واقتصادي.

شهد الاقتصاد الأمريكي اللاتيني – اثر تطبيق تلك الحزمة من السياسات – تحولا كبيرا في الدخل والموارد الإنتاجية من العمل إلى رأس المال. هذا التحول انعكس في انخفاض نسبي في كل من حصة الأجور في الدخل القومي، حيث انخفضت تلك الحصة من 49% في عام 1980 إلى 38% في 1987. أما بالنسبة لعائدات التصدير، تشير دراسة الي كون أكثر من 40% في الفترة 1983-1985 تم استخدامها لخدمة الدين، في المتوسط مليار دولار أمريكي في السنة، تمثل أكثر من 6% من الناتج المحلي الإجمالي لأمريكا اللاتينية. البرازيل وحدها، والتي شكلت مع المكسيك والأرجنتين أكثر من نصف الديون المتراكمة في المنطقة، من 1980 إلى 1989، ما يقرب من 150 مليار دولار تم دفعها على الدين الخارجي (90 مليار دولار مثلت المدفوع كسعر للفائدة و 58 مليار دولار على المبلغ الاصلي). ومع ذلك، بعد دفع 148 مليار دولار على مدى العقد، ارتفع الدين المتراكم غير المسدد من 64 مليار دولار في عام 1980 إلى أكثر من 120 مليار دولار في عام 1994)(6). نجد ان ارتفاع نسبة الديون قد انعكس مباشرة في هيكل الإنتاج والعمالة لاقتصادات المنطقة – في تآكل البنية التحتية الاقتصادية، الصناعة وتوليد فرص العمل. بالنسبة إلى هذا الأخير، ولدت عملية التكيف الاقتصادي الكلي أربعة مشاكل رئيسية: زيادة كبيرة في معدلات العمالة المفتوحة والعمالة الناقصة؛ تخفيض كبير على قدم المساواة في قدرة القطاع الرسمي على تشكيل العمالة وامتصاص تجمعات العمالة السريعة النمو الفائضة؛ ضغوط قوية على القطاع غير الرسمي للعمل؛ انخفاض كبير في القوة الشرائية والقيمة الحقيقية للأجور المكتسبة من قبل غالبية العمال. ونجد ايضا أن عدد الأشخاص الذين يعيشون في فقر قد زاد بشكل كبير زيادة على مدى عقد الثمانينات. وفي المقابل ازداد تركيز الثروة في ايدي الأقلية. على سبيل المثال نجد انه في حالة المكسيك، الثروة التي تعد بالملايين في يد الاقلية قد تضخمت عن طريق الخصخصة والتي ذهبت لتخصص ما يفوق 1200 مؤسسة من المؤسسات العامة. في تشيلي كانت الصورة أكثر قتامة حيث شهدت الأسر التشيلية نتيجة لدخول الاقتصاد التشيلي مختبرات معامل روشتة صندوق النقد: ساعات العمل الطويلة، الخدمات الصحية والتعليمية السيئة، المعاشات التقاعدية المنخفضة للغاية، ارتفاع الأسعار وخاصة السلع الاساسية، تزايد ديون الأسر، تلوثًا ونقصًا حادًا في المياه. تشيلي لديها واحدة من أعلى معاملات عدم المساواة في العالم(7).في المجمل كانت نتائج سياسات إجماع واشنطن/ سياسات النيوليبرالية / روشتة صندوق النقد و البنك الدولي- في اقتصادات أمريكا اللاتينية ذات اثر كارثي بعيد المدي علي المستوي السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي: ونتيجة لذلك ، يقول لوبز(8) تم عزل كولور في البرازيل ، في حين خسر منعم قبضته في الأرجنتين. فر فوجيموري من بلاده إلى اليابان وتم إقالة بيريز من منصبه بعد إراقة الدماء في شوارع كاراكاس. واجه ساليناس نهاية مضطربة للولاية ونفى نفسه إلى الولايات المتحدة.أثبتت دورة القوي التقدمية – من احزاب يسارية و نقابات عمالية و غيرها – في أمريكا اللاتينية أن التعبئة الجماهيرية ضد سياسات الليبرالية الجديدة في أوائل هذا القرن، والوصول اللاحق لأجهزة الدولة من قبل الحكومات التقدمية المنتخبة ذات الظلال المختلفة، ليست كافية لوحدها لتغيير المجتمع والدولة والبنية الاقتصادية في السياق الحالي للهيمنة الرأسمالية تحت قيادة الولايات المتحدة. ويمضي التحليل الي نهايته بالقول: يتطلب الوضع الجديد تقييماً رصيناً للفترة، واستجواب الحقائق الثورية الثابتة، ومناقشة مستمرة ومفتوحة لاستخلاص الدروس الاستراتيجية التي يجب اختيارها(9). اذا ما حاولنا في مقاربة اولية قراءة تجربة القوي التقدمية – في امريكا اللاتينية – ونضالها الطويل النفس في سبيل تجاوز تلك الانظمة المستبدة و تطبيقها النيوليبرالية ونجاحها – اي القوي التقدمية – فيما بعد في الوصول للسلطة عبر الانتخاب الديمقراطي. قراءة تلك التجربة و تجربة ما بعد اسقاط سلطة المؤتمر الوطني في مرحلتها الراهنة- مرحلة الفترة الانتقالية – فاننا قد نبدي بعض الملاحظات الاولية: تحالف القوي التقدمية في امريكا اللاتينية يبدو اكثر تماسكا من عدسة الرؤية الايدولوجية حيث بدا واضحا عزمه السياسي علي تجاوز تجربة النيوليبرالية و كل مرارتها علي الواقع الاجتماعي و الاقتصادي الامريكي اللاتيني.في المقابل، تتراي لنا ان تحالف قوي الحرية و التغيير يبدو غير متماسكا من ذات العدسة – عدسة الرؤية الايدولوجية – في ابداء ارادة سياسية ملموسة في ضرورة تجاوز تجربة النيوليبرالية التي طبقت علي يد المؤتمر الوطني. الحد الأدنى الذي جمع تحالف القوي التقدمية يبدو على سقفا مما يجمع تحالف قوي الحرية. ان الوضع الراهن – وفيما يأت من تموضع سياسي – من عمر الفترة الانتقالية يتطلب من قوي الحرية و التغيير – و كل القوي السياسية والمدنية الأخرى و التي تجد نفسها (الأيديولوجي) بشكل من الاشكال متبنية شعارات الثورة من حرية و سلام و عدالة- تقييما متأنياً و كلياً و نقاشا مفتوحا علي الهواء الطلق و في القاعات المتاحة لمسار الفترة الانتقالية و جرد حساب سياسي وأيديولوجي و اقتصادي لتجربة النيوليبرالية ذات الدمغة – دمغة التمكين الإسلاموي. إن التحديات التي تواجهها قوي (ثورة)ديسمبر متعددة – بتعدد مهام الدولة في فترتها الانتقالية – و ذات ابعاد محلية و إقليمية و دولية. وذات تداخلات سياسية، اجتماعية، اقتصادية وايدولوجيا ولا ينتظر ولا يتوقع ان تحل بين ليلة وضحاها. حتي التحديات – منها التحديات التي تواجهها حكومة حمدوك – و التي تبدو فنية بحتة لا يتوقع حلها في ليلة او ليلتين و علي سبيل المثال العمل علي توافر بيانات عالية الجودة ومصنفة وشاملة لكل القطاعات الاقتصادية (زراعة، صناعة، تعدين، تجارة الخ) و الاجتماعية كشرط ضمن اشتراطات اخري لإصدار قرارات قائمة عل الأدلة و قابلة للمساءلة و تنفيذ الخطط المنشودة .في مقالنا القادم – المقال الثالث من سلسلة قولنا حول الاقتصاد السياسي للفترة الانتقالية – سوف يتناول التحليل الطبقي- تحليل اولي – لمآلات سياسات النيوليبرالية في امريكا اللاتينية.مراجع:فلاح خلف الربيعي- الحوار المتمدن – العدد 2561 – 2009 -1تقرير التنمية البشرية لعام 1998 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي -23 – Neoliberalization: States, Networks, Peoples Edited by Kim England and Kevin Ward Publishing by Blackwell Ltd ,2007.4 – Three Decades of Neoliberalism in Mexico: The Destruction of Society International Journal of Health Services, March 2015 Asa Cristina Laurell.5 – The Last Day of Oppression, and the First Day of the Same, The Politics and Economics of the New Latin American Left by Jeffery R. Webber, Published in 2017 by Haymarket Books.6- Refer to reference no 3 above.7- Why is neoliberalism back in Latin America? by Dawisson Belem Lopes, http://www.aljazeera.com, 15 Jul 2017.8- Refer to reference no 1 above.9- Refer to reference no 5 above.