افتتاحية قاسيون 972: «المكونات» وسورية القديمة والجديدة!

افتتاحية قاسيون 972: «المكونات»  وسورية القديمة والجديدة!

تطفح المنابر الإعلامية والسياسية هذه الأيام، وعلى عتبة الفصل الأخير من الأزمة السورية، بتحليلات وطروحات تعلي شأن الحديث عن «المكونات» و«الأقليات» و«الأكثريات» والتوافق والتوفيق بينها في سورية الجديدة.

يتضمن الحديث أيضاً، كلاماً عن «ديمقراطية المكونات» والتي تشكل عودة بالزمن قروناً إلى الوراء، إلى ما قبل الدولة الوطنية، حيث المواطنة المتساوية بغض النظر عن القومية والدين والطائفة والعشيرة.

الأشد خطورة، هو محاولة البعض العودة إلى تاريخ نشوء سورية نفسها كدولة في بدايات القرن الماضي لتشويه ذلك التاريخ، وتحويله إلى أداة في الصراع الراهن حول مستقبل سورية.

في هذا السياق، يروّج البعض لمقولة أنّ الآباء المؤسسين لسورية إنما توافقوا فيما بينهم وفي خضم الثورة السورية الكبرى، على أساس تمثيلهم لـ«مكوناتهم». ويستنتج هذا البعض أنّ التأسيس لسورية الجديدة يحتاج إلى نوع ما من «توافق المكونات».

إنّ هذا الطرح بأسره حول الآباء المؤسسين، هو طرح معاكس للحقيقة، وطرح مسيء لقامات وطنية كبرى امتازت قبل كل شيء بزهدها في المناصب والامتيازات؛ إذ إنّ أي حديث عن توافق على أساس المكونات لا يكون صحيحاً دون وجود «تحاصص» بينها، وهو الأمر الذي لم يوجد يوماً لا في فكر الآباء المؤسسين ولا في ممارستهم الواقعية، ولا في ثورتهم السورية الكبرى.

محاولات تكريس الخطاب «الأقلوي والأكثري» على الأساس الطائفي والقومي، هي محاولات تندرج بالضبط في المخططات الأمريكية والصهيونية، لنقل سورية من أزمتها الراهنة إلى أزمات متعددة أشد عمقاً وأعتى تخريباً وتدميراً، ولتحويلها من دولة واحدة تسود فيها بنية سياسية واقتصادية فاسدة ولكن مركزية، إلى دولة (أو دول) تسودها مجموعة من أمراء الحروب والطوائف والقوميات، وكل ذلك تحت مسميات مخادعة وكاذبة تدّعي الحرص على «المكونات» وحقوقها.

المشكلة في سورية لم تكن يوماً بين «مكونٍ» وآخر، رغم أنّ سياساتٍ تمييزية بعينها كانت إحدى الأدوات المستخدمة في التفريق بين السوريين والتعمية على الفرز الحقيقي لهم، بين قلة ناهبة وقامعة عابرة للطوائف والقوميات، وبين أغلبية منهوبة ومقموعة، وعابرة أيضاً للطوائف والقوميات.

كان المطلوب ولا يزال، ديمقراطية سياسية لا ما يسمى ديمقراطية مكونات؛ الديمقراطية السياسية تعني: اصطفاف الناس على أساس مصالحهم العميقة، والاقتصادية الاجتماعية بالدرجة الأولى. اصطفاف من هذا النوع، هو وحده ما يمكنه الحفاظ على سورية موحدة، وهو وحده الأساس لتجميع نضالات المنهوبين في وجه ناهبيهم الداخليين والخارجيين.

ينبغي أن يبقى في البال، أنّ أولئك الذين يهللون لمسألة «المكونات» من القوى المحلية، إنما يحاولون تحويل السوريين إلى مجموعة قطعان طائفية وعشائرية وقومية صماء، بغية التسلق عليها وادعاء تمثيلها لا لشيء سوى سرقة ذلك التمثيل وتحويله إلى أساس تفاوضي لأمراء الحرب فيما بينهم.

إنّ القرار 2254 الذي يعني في جوهره حق الشعب السوري في تقرير مصيره، يعني حقهم كسوريين في تقرير مصيرهم، لا كطوائف وقوميات و«مكونات»… القلة الناهبة والأعداء التاريخيون للبلاد وشعبها، هم فقط أصحاب المصلحة في تفرقة الشعب السوري إلى «مكونات». الأكثرية المنهوبة هي فقط صاحبة المصلحة الحقيقية في وحدة سورية، وفي تكريس اصطفاف وطني يكون حكماً أساسياً ضمنه: الموقف الاقتصادي الاجتماعي المنحاز للشعب، والموقف الوطني المنحاز ضد الصهيوني والأمريكي.

معلومات إضافية

قاسيون


افتتاحية قاسيون العدد رقم:972
29/06/2020