حميد الربيعي أحب بغداد وكتب انهياراتها الروائي الراحل حميد الربيعي أراد أن يصنع في رواياته وقصصه يوتوبيا الحلم العراقي لمواجهة ديستوبيا الخراب والفساد والرعب التي تحاصر الإنسان العراقي في عزلته.

سارد ماهر متعلق بالمكان

فقدت الساحة الأدبية العراقية والعربية مطلع هذا الأسبوع الروائي العراقي حميد الربيعي الذي يعتبر من أبرز الأقلام العراقية، تنوعت تجربته بين كتابة الرواية والقصص القصيرة والنقد الأدبي، حيث كان يحمل مشروعا أدبيا يتخطى حدود المحلية إلى محاولة لتأسيس كيان أدبي عربي.

بعد غياب، دام ثلاثين سنة، عاش خلالها رحلة معاناة وهجرة قسرية في مناكب الأرض، ترك الروائي والقاص العراقي حميد الربيعي مدن العالم وعاد إلى بغداد، عشقه الأزلي، قبل عشر سنين.

ومع أن المدينة جلبت له المرض، وصادرت أحلامه، فقد كان محبا لها، كتب عنها الكثير في أعماله السردية، لأنها تمتلك إرثا عميقا في وجودها، بالرغم من ضياع ملامحها
وتشوهها.

يوتوبيا الحلم العراقي

 لم يكتب الربيعي عن أمجاد بغداد، بل عن الأحداث التي قادت إلى خرابها، ناظرا إلى تلك الأحداث من زاوية تأثير المكان في الناس والحياة الساعية إليه، وتأثير ذلك في أبنية المدينة وأزقتها وشوارعها ومحلاتها. وقد قال ذات مرة “أنا أعشق بغداد، واخترتها مدينة للإقامة بعد غربة أخذت مني ثلاثين عاما، رغم منغصات الحياة وعدم الاستقرار والأمان، لكن عمق المدينة وأسرارها الجميلة وأصالتها تجذبك حتما للبقاء فيها والتشبث بها”.

وأضاف “ثمة انهيارات كبرى تحدث عن عمد في بنيتها وتتغير ملامحها بسرعة، بيد أن هذه المدينة ما زالت تقاوم المتغيرات وستظل قوية وصامدة في وجه الخراب، من هنا يصبح المكان، ليس البيئة والمحيط، بقدر ما يكون ذلك التشابك الهائل بين الناس من جهة وبين مكونات تلك المدينة، سواء بمقاومة الخراب أو السعي إلى المحافظة عليها. الشاطر، أقصد السارد الشاطر، من يدرك هذه المعادلة ويجسدها في كتابة فنية وإبداعية”.

الكاتب استحضر شخصيات تراثية ثانوية وزعها على قصص المجموعة

الكاتب استحضر شخصيات تراثية وزعها على قصص المجموعة

أراد الربيعي أن يصنع في رواياته وقصصه “يوتوبيا الحلم العراقي لمواجهة ديستوبيا الخراب والفساد والرعب التي تحاصر الإنسان العراقي في عزلته”، كما يقول الناقد فاضل ثامر. وقد تجسد ذلك على نحو صادم في روايته الأخيرة “أحمر حانة” (2017)، التي تتحدث عن بغداد (الكرخ والرصافة)، تصف أزقتها ومناطقها (البتاوين، شارع أبي نؤاس، الحيدرخانة، الكرادة، الشيخ معروف…)، وتتعمق في نسيجها الاجتماعي منذ بنائها وصولا إلى زمننا الحاضر، وما آل إليه من دمار بسبب الحروب العبثية والحصار، عبر نقلات ومشاهد بصرية ثيمتها الحاضر (الطائفية، حوادث السلب والنهب التي رافقت الاحتلال الأميركي، وسقوط النظام السابق).

خطّان متوازيان يتشعبان في هذه الرواية، الأول فتى يشبه الشيطان اسمه إدريس يعيش مطاردة مع ملك الموت عزرائيل، ويحمل إرث القادة الذين أنشأوا مملكة ميشان أيام حكم الإسكندر الكبير، وأثناء المطاردة يجد نفسه في بغداد، بعد انتهاء حرب الخليج الثانية، فيبدأ بالبحث عن إرثه ومجد أجداده، لكن همّه أن يبني له حياة يستعيد فيها مجده، فيلجأ إلى اقتناص المجوهرات والذهب وتيجان قادة العسكر أيام الحصار الاقتصادي على المدينة، ويستمر في عمله حتى تحين فرصته أثناء الحرب الطائفية؛ مستغلا أحداثها ليحقق حلمه في حادثة سرقة مصرف “الزوية”.

 أمّا الثاني فهو العالم والمؤرّخ المعروف ابن الأثير، الذي ينهض من قبره بسبب الحفريات التي تعرّضت لها مدينة الموصل، مؤخرا، ويقرّر تغيير التاريخ، فيتجه صوب بغداد، ويتصادم مع الفتى الشيطان ليكتشف أنه أكبر مزوّر في التاريخ، لذا يقرر كتابة تاريخ بغداد من جديد، فما هي المفاجأة التي تنتظر المدينة نتيجة لذلك، وما علاقة هذا اللقاء بحادثة سرقة مصرف “الزوية”؟

وقد رأى بعض النقاد أن هذه الرواية، التي تناولت فكرة الشر حين يدهم المكان والإنسان والوجود والحرية والخيانة والخوف والخطيئة، تجاوزت الخطوط الحمراء، ووظفت التاريخ والأساطير بأسلوب سردي مبتكر.

وحللت الناقدة نادية هناوي الرواية مبينة أن الربيعي اعتمد فيها على إماتة التاريخ، وإحياء العوامل السردية، وهي نقيض الصياغات الواقعية، ما يجعلنا نصل إلى اليقين الجمالي بعيدا عن اليقين الحياتي، فالتاريخ يتداخل مع الخيال على أساس صيانة اللغة السردية الخاصة. كما اشتغل على المكان السردي وجعلنا نتجول في أزقة بغداد، الكابوس المرعب والغابة، فنشعر وكأنها متاهة، والمدخل هو المخرج، ونقطة البداية هي نقطة النهاية. وكان ثمة حضور للمرأة وهي التي تروي الكثير من الأحداث، والمرأة الشوهاء هي المدينة المشوهة، وكأن الكاتب يخبرنا بأن المرأة مثل المدينة تكون جميلة ثم تتعرض للخراب ثم تستعيد جمالها.

روايات وقصص

كتاب يتناول شخصيات نسائية متحررة
كتاب يتناول شخصيات نسائية متحررة

تدور أحداث رواية الربيعي “تعالى.. وجع مالك” (2010)، وهي الثانية بعد “سِفر الثعابين”، في مدينة “أويا” (الاسم الفينيقي القديم لمدينة طرابلس الليبية)، وتتناول شخصيتين متناقضتين من عالمين مختلفين: مغترب عراقي داخل ليبيا يحاول إثبات نفسه ووجوده الاجتماعي وفتاة من أهل المنطقة، حيث يبدأ بناء علاقة متشنجة معها، من نوع معين، لكن مستوى هذه العلاقة وتطور الحدث يعكسان مدى الصراعات والخلافات الاجتماعية القائمة داخل المجتمع الليبي.

تتألف الرواية من ستة فصول، وفي الفصل الأخير يرجع بطلها، مضطرا، إلى دياره بمنطقة “القرنة” شمال البصرة، بعد أن يتعرض إلى مجموعة من الحوادث، وكان مسجى على حمالة طبية، مريضا، فاقد الإحساس بالعالم الخارجي، ومن ثم تبدأ عملية إعادة تكوينه والتحامه مع الأرض والطين وشط العرب. وحسب اعتقاد الربيعي، إن هذه الرواية بشّرت بالتغيير الذي حدث في ليبيا، حيث يرد في متنها “إن الطوفان آت لا محالة”.

يبني الربيعي روايته الرابعة “دهاليز للموتى” (2014) من مجموعة حكايات يرويها “البابلي” لأسرته، لكي تتسلى كل ليلة بحكاية، وهي محاصرة في بيتها، على غرار القصص التي ترويها شهرزاد في ألف ليلة وليلة، لكن المبنى الحكائي ينسج علاقة شائكة مع دولة الكويت، بدءا من عام الاستقلال في عقد الستينات، مرورا بإقطاعية آل الشبوط ومعمل خياطة الملابس العسكرية، وصولا إلى الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي، ثم حرب الخليج الثانية.

وعلى حد تعبير الناقد حسن سرحان “يغترف الروائي في هذه الرواية من الموروث الحكائي الشعبي، بوصفه محاولة مواربة لزحزحة التبئير، في فضاء الكتابة، من اليومي والعادي، ونقله نحو العلوي والمقدس، فيختلط فيها الكوني والديني بالجغرافيا السياسية”.

أصدر الربيعي مجموعتين قصصيتين هما “بيت جني”، و”غيمة عطر”. يتناول في الأولى شخصيات نسائية، ويمكن تصنيفها ضمن تيار النسوية المتحررة، لا المنغلقة أو الملغية للآخر (الرجل)، كما وصفها الناقد حاتم الصكر، في مقدمته، “فالشخصيات نسويه والساردات أيضا، الجنس حينما يحضر فليس للعرض والرغبة، بل ليكمل تهميش المرأة، أو معاملتها بعنف، أو بقمع اختياراتها وشهواتها وأحلامها”. إنه يسلط الضوء على هموم المرأة وتطلعاتها، مثلما يسلط الضوء على تاريخ بغداد وتشظيها، شخوصها، وجمالها، وقبحها، وضجيج الحياة في غرفها المظلمة والمنزوية، جاعلا منهما صنوين، لا تكاد تفصل بينهما، فحين ترحل المرأة، في أحدى قصصه، يوقن الراوي بأن المدن تشيخ كما يشيخ التاريخ.

وتشكّل مجموعة “غيمة عطر” متوالية قصصية، مكونة من إحدى عشرة قصة، استحضر الكاتب شخصياتها من متون كتب تراثية مثل “رسالة الغفران” للمعري، “الفهرست” لابن النديم، “الملل والنحل” للشهرستاني، وزرعها في الزمن الحاضر،‎ فتراها موجودة في بغداد القديمة وفي بغداد المعاصرة، تستعين بشخصيات تراثية ثانوية ترافق مسيرتها، وتتداخل معها بأحداثها القديمة والحديثة، لتكوين شخصية كونية لا تنتمي إلى عصر معين بقدر ما تنتمي إلى كل العصور. وفي القصة الأخيرة تُستجمع لتكون خاتمة للأحداث.

الربيعي ناقدا

إلى جانب الرواية والقصة، كتب الربيعي كتابا نقديا بعنوان “سرد بوصفه شغفا: عن الرواية وآفاقها” حاول فيه الوقوف على عالم الرواية العراقية وآفاقها من زاوية الشجون التي تعترض مسيرتها، فتناول من جهة مسألة تسمية “المدرسة السردية”، ورأى أن “الواقعية الغرائبية” من أقرب التسميات، لكونها تتطابق مع الواقع العراقي، لما يعتريه من إشكالات بنيوية في تركيبة المجتمع، وما رافق العملية السياسية بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، ذلك أن غربة المواطن في البلد، وعدم التآلف والانسجام بين مشاعره ووجدانه مقابل الكوارث الاقتصادية والاجتماعية تجعله أقرب إلى الشعور بأن بونا شاسعا يعتري وجدانه ويقصيه.

وفي مجال آخر ألقى الربيعي الضوء على ما واجه نهوض الرواية العراقية، خاصة في مرحلة نضجها، من إغفال وسائل الإعلام لها، وإهمال متعمد من طرف المؤسسات الحكومية، ما جعل من جهد الروائيين مضاعفا في تسويق إنتاجهم محليا أو خارجيا.

لم يكتب الربيعي عن أمجاد بغداد، بل عن الأحداث التي قادت إلى خرابها، ناظرا إلى تلك الأحداث من زاوية تأثير المكان في الناس والحياة الساعية إليه، وتأثير ذلك في أبنية المدينة وأزقتها وشوارعها ومحلاتها

قسّم الربيعي الكتاب إلى قسمين وسبعة عشر مبحثا ركّزت كلها على السرد في تمظهراته الجمالية والأسلوبية والدلالية، وحملت مجموعة عناوين منها “الواقعية الغرائبية مدرسة للسرد”، “ميتا سرد حوادث التاريخ”، “المحظور والمتخيّل في الرواية”، “بنية السرد وتحريكه”، “أسطرة المكان وأنسنته”، و”السرد وثيقة اجتماعية”.

تناول في القسم الأول العناصر الفنية للرواية، سواء من ناحية تحريك النص السردي ليتجاوب مع متطلبات المرحلة، أو إضاءة جوانب مهمة في البنية لم يتداولها كتّاب السرد بوضوح، منها، مثلا، التداولية في اللغة أو المحظور والمتخيل، ومتعة القراءة أو ميتا سرد التاريخ. وقدم في القسم الثاني مقاربات نقدية لخمس روايات عراقية، ومقارنتها مع روايات عربية وعالمية.

عن موقع صحيفة العرب للكاتب عواد علي

الكاتب العراقي عواد علي