المشروع التركي-الإيراني في المنطقة

رهام الحكيم

تمثل المنطقة العربية مسرحاً للمشروعات والمحاور والأحلاف الإقليمية والدولية المختلفة، التي سعت وتسعى إلى التحكم في تفاعلاتها والاستفادة من إمكاناتها، ومحاولة رسم خريطة التوازنات السياسية فيها بما يحقق مصالح أطرافها.

العديد من المشروعات قد طُرحت من قبل القوي الدولية لإعادة ترسيم المنطقة جغرافياً وتوزيع القوي الاقليمية بين مناطق النفوذ المختلفة , من أشهرها مشروع ” الشرق الأوسط الكبير”، الذي قد طرحته الولايات المتحدة بعد غزو العراق في عام 2003 , و السوق الشرق أوسطية, و الشراكة المتوسطية وغيرها.

وتأتي المنطقة العربية, بالوقوع  بين مشروعين إقليميين متنافسين يسعيان إلى ملء فراغ القوة أو الفراغ الاستراتيجي فيها، ولاسيما في ظل تعثر المشروع الأمريكي الإسرائيلي لإعادة رسم خريطة المنطقة ؛  المشروع الأول تركي، والثاني هو المشروع الإيراني.

 وإذا كانت كل مشروعات الهيمنة التي تعرضت لها المنطقة العربية على مر تاريخها الحديث قد استغلت غياب المشروع الخاص بأهلها، فإن المشروعين المتنافسين، الإيراني والتركي، يستثمران كذلك غياب المشروع العربي أو تعثره، لكي ينفذا إلى المنطقة عبر آليات مختلفة، سياسية وثقافية وأيديولوجية  ودينية.

المشروع الإيراني؛

يستند في تحركه تجاه المنطقة العربية إلى عدة أسس، أهمها: الأساس المذهبي المعتمد على الاقليات الشيعية في المنطقة العربية.

إيران ترفع شعار ” العداء للولايات المتحدة وإسرائيل، ومحاولة امتلاك القوة العسكرية التي توازن القوة الإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط” وهو ما يضع إيران في زاوية المقاومة والممانعة للتمدد الصهيوني في المنطقة لدى المدافعين عن هذا المشروع.

ويتبني المشروع الإيراني في المنطقة نموذج الدولة الدينية في مجال السياسة والحكم,  أخذاً العديد من المظاهر أهمها؛ التمدد و الهيمنة داخل العراق ولبنان، والعلاقات القوية مع حركة حماس في فلسطين, والتواجد الغير مباشر في سوريا واليمن.

أما المشروع التركي

التوسعي في المنطقة العربية – المدعوم بشكل مباشرمن قطر – فيعتمد على استخدام خطاب الترابط الديني التاريخي بين تركيا والدول العربية, والربط بين الجانبين بالعلاقات التاريخية  منذ عصر الإمبراطورية العثمانية.

تقدم تركيا نفسها إلى المنطقة كنموذج سياسي علماني بخلفية إسلامية معتدلة، يمكن أن يمثل حلاً للعلاقة المتوترة بين الدين والسياسة في كثير من البلاد العربية

تنبع من الأراضي التركية مياه نهري دجلة والفرات اللذين يمدان العراق وسوريا بالمياه، وهو ما جعلها تطمح لتحقيق ما يسمى بمشروع “أنابيب السلام” والذي يتأسس  على مبدأ “المياه مقابل النفط”، مع دول الخليج العربي. و توافقت الرؤية ” العربية – التركية” في الحرص على عدم قيام دولة كردية مستقلة في المنطقة.

 تتسم ملامح المشروع التركي بالعلاقات الطبيعية مع إسرائيل، والتحالف مع الولايات المتحدة، والتعاون معهما في المجال الاقتصادي والحرب ضد الإرهاب.

كلا من إيران و تركيا  لا يختلفان عن بعضهما بعضاً، تتشابه سياستهما الخارجية في الوصول إلى الغاية نفسها،  سواء كانت الإمبريالية التركية أوالهيمنة إيرانية على المنطقة.

إذ عملت أنقرة على تتريك الهُوية العربية في شمال سوريا التي احتلت أراضيها ، وتحاول تتريك المدن السورية من خلال إطلاق أسماء العسكريين الأتراك على المدارس السورية، وفرض اللغة التركية.

اخذ السلوك التركي شكل احتلال أراضٍ عربية كما هو الحال في شمال سوريا ، فضلاً عن نقل معدات وجنود وميليشيات مرتزقة بشكل معلن كم هو الحال في ليبيا.

أما إيران فعملت على تصدير النموذج الإسلامي، وتسعى إلى نشره بالمنطقة – لم تتخذ شكل الاحتلال المباشر للدول – ، ولم تخف طهران هدفها ونيتها من تحركها العسكري والسياسي والأمني الذي يستهدف الدول العربية عامة، حيث صرح عدد من مسؤوليها عن أهداف إيران التوسعية. ولعل أكثر تلك التصريحات صراحة وشفافية تصريح “علي يونسي” مستشار الرئيس حسن روحاني في 2015، عندما قال: “كل منطقة الشرق الأوسط هي تابعة لإيران، واليوم قد تحققت الإمبراطورية الإيرانية، وعاصمتها بغداد، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا كما كان في الماضي. وإن شعوب المجاورة لإيران هم بالأصل إيرانيين وانفصلوا عن الإمبراطورية الإيرانية”.

وفي ملف التصعيد في السلوك العسكري الإيراني والتركي منذ 2011, فهو ينذر بإنهيارسريع لملامح النظام الإقليمي العربي، ليحلّ محله نظام شرق أوسطي جديد السيادة فيه لإيران وتركيا.

وهو ما قابله تحالف كلاً من مصر والسعودية والإمارات عقب 2013 كمحاولة للتصدي لهذ المشروع الإقليمي المهدد للانظمة العربية الحالية واحلالها بأنظمة تابعة للقوتين كما هو الحال في العراق وسوريا وليبيا ” حكومة الوفاق”.

إيران التي اعتادت على التدخل في الشأن العراقي لم تعتبر من صوت الشارع الرافض لها في الاحتجاجات الشعبية الاخيرة، خاصة في محافظات الجنوب، حين بات الشعار الأبرز للانتفاضة الشعبية الاخيرة في العراق “إيران برا برا”، في إشارة منهم إلى حجم المعاناة التي يعايشونها نتيجة عبث طهران في تفاصيل حياتهم اليومية صغيرها وكبيرها.

إيران التي راعت المعارضة العراقية في الثمانينيات أبان حكم صدام حسين الاستبدادي, تلك المعارضة التي اصبحت لاحقا يد إيران العليا في العراق, وهو نفس السيناريو الذي تنتهجه كلا من تركيا وقطر في التعامل مع المعارضة المصرية من أنصار تيار الاسلام السياسي في مصر.

 وبعد سوريا, يأتي الوضع في ليبيا الذي جمع الثنائي الإيراني التركي مرة اخرى في ممرومصلحة واحدة, فخلال مؤتمر صحافي جمع وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف ونظيره التركي مولوود تشاووش أوغلو في أنقرة، الاسبوع الماضي، أعلن الأول عن دعم بلاده لحكومة الوفاق الوطنية ومشاركة طهران وجهات النظر مع تركيا بشأن سبل حل الأزمة الليبية.

وتعتبر تحركات تركيا في ليبيا أيضاً مستوحاة بشكل مباشر من النموذج الإيراني في الهيمنة على الدول العربية بأضعاف الجيوش النظامية ومؤسسات الدولة ونشر الميليشات المسلحة التي تقوم بنشر الفوضى وتغيب القانون كما هو الحال في سوريا واليمن والعراق.

وهى نفس السياسية التى اعتمدتها تركيا في ارسال مقاتليين سوريين إلى ليبيا للوقوف مع حكومة السراج, وانحازت إيران إلى الميليشيات التركية القائمة على المرتزقة.

ويجمع إيران وتركيا تعاون أمني واسع، وتحديداً في العراق وسوريا بشأن ما يتعلق بالمسألة الكردية. ومنذ عدة أيام، يُجرى تنسيق غارات جوية بين البلدين، تم بموجبها قصف مناطق كردية شمال العراق لاستهداف أعضاء حزب العمال الكردستاني الانفصالي، الذي تعتبره كلتا البلدين تهديداً أمنياً.

الهجمات التركية التي تأتي تحت مسمّى “مخلب النمر”، هي العملية التي شكلت انتهاكاً لسيادة الأراضي العراقية، وأثارت تنديد الخارجية العراقية، لما أسفرت عنه من ترويع للمدنيين. كما تقف أنقرة ضد العقوبات التي تفرضها الإدارة الأميركية على طهران بسبب الملف النووي. 

أذن ,  فان المشروعين الإيراني والتركي في المنطقة العربية، أصبح على حساب مصالح العرب غير القادرين على صياغة مشروعهم الخاص الذي يحفظ دورهم في إدارة التفاعلات على ساحتهم، أو يمنع الآخرين من التدخل في شؤونهم الداخلية؛ فكلاً من إيران وتركيا يبحث عن زعامة إقليمية لإقتسام الثروات العربية وتهشيم تلك الدول من الداخل عن طريق اضعاف مؤسسات  وزعزعة الاستقرار الداخلي.

والدول العربية التي عجزت بعد ال 2011 عن ملء الفراغ الذي أحدثه تساقط أنظمة عربية ديكتاتورية، عبر انشاء بدائل قوية وديمقراطية تحترم حقوق أبنائها وتقوى من خلال إشراك شعوبها في رسم السياسات، انظلاقا للتعاون والتكامل فيما بينها لتحقيق أمال شعوبها في بناء دول ديمقراطية قوية قائمة على العدالة واحترام الحقوق والحريات، فقدت فرصة مهمة لإعادة رسم النظام الإقليمي لصالح شعوب المنطقة، وفتحت الباب من جديد أمام القوى المختلفة، سواء كانت إقليمية أودولية، إلى ملئه والتمدد فيه، وطرح مشروعاتها وصفقاتها وخرائطها التي تسيرضد المصالح العربية واستقلال المنطقة.