لماذا الزعيم عبد الكريم قاسم…الجزء السادس

هشام جمال داوود

2020 / 6 / 15

قبل الكلام عن تنظيم الضباط الأحرار، لابد في البداية من القاء نظرة عامة عن الضباط في العراق قبل ثورة ١٤ تموز.
في بداية العهد الملكي كان الضباط في الجيش العراقي عبارة عن الضباط الذين شاركوا في الثورة العربية ١٩١٦ واغلب هؤلاء الضباط تخرجوا من الكلية الحربية في تركيا أيام الدولة العثمانية التي خدموا فيها في فترة الاحتلال العثماني.
اما النوع الثاني فهم الضباط الذين دخلوا الكلية العسكرية العراقية بعد تأسيسها عام ١٩٢٤، الغالبية الساحقة من هؤلاء الضباط هم من الطبقات الوسطى والفقيرة والذين لم يكونوا قادرين على تحمل نفقات الدراسة في باقي الكليات داخل العراق ولا يملكوا أموال الدراسة في الجامعات خارج العراق، وبسبب تكفل وزارة الدفاع لمصاريف الطالب في الكلية العسكرية فكان الطلاب الفقراء يفضلون الالتحاق بها، ولكون معدل رواتب الضباط عالية مقارنة بغيرها يعتبر سبب مغري آخر لجذب الطلاب.
وعندما كان الطالب القادم من أي مكان من العراق ويلتحق بالكلية العسكرية لا يجد سوى طلاباً من نفس طبقته يعانون ما يعاني من شظف العيش في القرى والمناطق البعيدة عن العاصمة.
واستمر هذا الحال لفترات طويلة جدا، كما ان معظمهم كانوا قد اشتركوا في مظاهرات ضد الحكومة مع إخوانهم واقربائهم من الطبقات الكادحة، لذلك كان ينتابهم الشعور بالظلم وقد تكلمنا عن هذا الجانب.
لذلك قام هؤلاء الضباط الجدد بالمشاركة في انقلاب بكر صدقي عام ١٩٣٦ وأيضا في انقلاب رشيد عالي الكيلاني عام ١٩٤١ الذي نجح بالإطاحة بالنظام الملكي وتشكيل حكومة الإنقاذ الوطني لولا تدخل بريطانيا التي اعادت الملك والوصي واعدمت الضباط الأربعة الذين اقترنت أسمائهم بهذا الحادث.
بينما الطبقة البورجوازية وكبار الملاكين والاقطاعيين فكانوا غير مرحبين بفكرة زج أبنائهم في الكلية العسكرية وكانوا يبعثون أبنائهم للدراسة خارج العراق وخاصة في بريطانيا.
لذلك كانت تتبلور يوما بعد يوم فكرة تغيير النظام الملكي في اذهان الضباط المتخرجين من الكلية العسكرية في العراق ولكونهم غير منقطعين من حيث المعاناة مع أهلهم.
الى ان تشكل في النهاية تنظيم خاص يجمع الضباط وأطلقوا على أنفسهم تسمية الضباط الاحرار، وجاءت هذه التسمية على غرار تنظيم الضباط الاحرار في مصر الذي نجح بالإطاحة بحكم الملك فاروق.

الدوافع السياسية الرئيسية التي كانت من وراء تأسيس تنظيمهم هي:
– معرفة الضباط بأن السياسيين بكل احزابهم وجبهاتهم لا يمكنهم تغير النظام الملكي دون تدخل الجيش.
– أوضاع الشعب المتدهورة اقتصاديا واجتماعياً وسياسياً.
– أوضاع الجيش الداخلية المتردية وتدخل بريطانيا السافر من خلال لجانها.
– حلف بغداد سيئ الصيت وضرورة الخروج منه.

وهناك عوامل أخرى لعبت دوراً كبيراً في تصاعد الوعي السياسي لدى الضباط ودفعهم للتفكير الجاد بالتغيير السياسي، منها بروز دور الأحزاب التي عملت بشكل مستمر من خلال صحفهم ومن خلال عملهم في تنظيم التظاهرات المطالبة بحقوق الفئات الكادحة مثل الحزب الشيوعي وحزب الاستقلال والوطني الديمقراطي، وأسباب خارجية مثل حركات التحرر من سيطرة الاستعمار في أكثر من بلد عربي وأيضا نجاح ثورة يوليو في مصر على يد الضباط الاحرار المصريين، واخيراً العدوان الثلاثي على مصر.

بدأ التفكير الحقيقي في تأسيس هذا التنظيم سنة ١٩٥٢ عن طريق احد ضباط الجيش العراقي وكان برتبة رائد آنذاك واسمه رفعت الحاج سري وضابط آخر هو المقدم رجب عبد المجيد وقاموا بمفاتحة مجموعة من الضباط اللذان يثقان بهم ومن بينهم ناجي طالب وعبد الوهاب الشواف، وفي سنة ١٩٥٥ تم عقد اول اجتماع لهذا التنظيم وسمي باسم اجتماع الكاظمية الذي انعقد في بساتين الكاظمية ولكن تم تسريب اخباره الى رئيس اركان الجيش الذي استدعى رفعت الحاج سري للتحقيق معه ولكن الأخير انكر ذلك مدعياً انه لقاء بعيد عن السياسة، على اثر ذلك تم تفريق الضباط الأعضاء في هذا التنظيم الى أماكن بعيدة ومتفرقة، وفي عام ١٩٥٦ انعقد الاجتماع الأهم بسبب العدوان الثلاثي وفيه تم تأسيس اللجنة العليا للتنظيم والتي هي بمثابة الهيئة السياسية للضباط الأحرار وضمت ١٥ ضابط من مجموع الضباط في التنظيم والذين بلغ عددهم الكلي ٢٠٤ ضابط.
واستمرت اجتماعات اللجنة العليا وتقرر تسمية الزعيم الركن عبد الكريم قاسم رئيساً للجنة العليا كونه الأعلى من حيث الرتبة العسكرية، ثم وضعوا الخطط لمناقشتها ودراستها، كما قرروا ان تتولى اللجنة العليا للتنظيم مهام مجلس قيادة الثورة في حال نجاحها.
هنا تأتي عدة أسئلة مهمة جداً، إذا كان ٢٠٤ من ضباط الجيش قد شكلوا تنظيماً معاديا يخطط للإطاحة بالنظام الملكي ومعه أكبر الأحزاب ذات الجماهير الكبيرة، وكل الطبقة الكادحة من الشعب، وان الضباط الاحرار لم يكن التنظيم الوحيد في الجيش فهناك تنظيمات أخرى منفصلة عنه لها نفس الأهداف، وان كان هذا التنظيم قد اختار اللجنة العليا لتتولى تشكيل مجلس قيادة الثورة إن كتب لها النجاح، فهل الزعيم بمفرده قام بكل هذه الأدوار السياسية والعسكرية والجماهيرية؟
وسؤال آخر، ان كان الاعلام المعادي يحمل الزعيم هذه المسئولية فلماذا يترحم على عبد السلام عارف الذي كان مع الزعيم خطوة بخطوة؟ وكذلك ضباط كثيرين في التنظيم مثل ناجي طالب الذي قال عنه الملك فيصل صبيحة يوم الثورة عندما سمع باسمه صرخ قائلاً (حتى ناجي طالب وياهم)؟
هذه الاحداث التي تم ذكرها والاسئلة التي تم طرحها كفيلة بتوضيح الحقيقة وفهمها بالشكل الصحيح.
طرحت عدة خطط لسبع محاولات للقيام بالثورة، منذ شهر تشرين الثاني ١٩٥٦ الى اخرها والتي كان من المقرر ان تكون يوم الثالث من تموز ١٩٥٨، ولكن تم تأجيلها لأن لواء المشاة المكلف لم يكن قد اكتملت نواقصه بعد وتأخر لعشرة أيام.
من الأمثلة على ذلك هي الخطة السادسة والتي تسمى “خطة ناجي طالب” والتي كان من المقرر لها ان تتم يوم ٦ كانون ومفادها ان تقوم كتيبة المدرعات التي يقودها عبد الرحمن عارف بالتحرك من ابي غريب الى معسكر الرشيد للمشاركة باحتفالات عيد تأسيس الجيش العراقي وعند دخولها بغداد تقوم بمحاصرة قصر الرحاب والإذاعة والجسور واعتقال الثلاثة الكبار(فيصل وعبد الاله ونوري السعيد) بينما تبدأ القطعات الأخرى المعسكرة في معسكر الرشيد بالزحف نحو بغداد والسيطرة على جانب الرصافة، إلا ان عبد الرحمن عارف رفض الخطة بحجة عدم وجود عتاد كاف رغم تعهد اغلب الضباط بتزويده بالعتاد اللازم. (صبيح علي غالب/قصة١٤تموز والضباط الاحرار).

وبعد ذلك أصبح الظرف مناسباً جداً للقيام بالثورة دون تأجيل اذ ان عبد الاله ونوري السعيد عادوا الى العراق يوم ١٢ تموز وكان عبد الاله يتهيأ من جديد للسفر الى إسطنبول برفقة الملك يوم ١٤ تموز لحضور اجتماع حلف بغداد.
فكان هذا هو أفضل توقيت لتحرك اللواء عشرين والسيطرة على معسكر الرشيد ومحاصرة قصر الرحاب واعتقال الملك والوصي وإذاعة بيان الثورة عن طريق الإذاعة.
وبالفعل هذا ما تم في ذلك اليوم والفضل يعود للزعيم عبد الكريم قاسم لكونه ذاق ذرعاً من اضاعة الوقت وكثرة التأجيلات بسبب قرارات أعضاء اللجنة العليا في كل مرة يحاولوا فيها البدء بمهام الثورة.
ففي صباح ذلك اليوم وتحديدا في الساعة الرابعة توجهت مجموعة من الضباط الاحرار وسيطروا على معسكر الرشيد بعد وصول كلمة السر وهي وصول صناديق العتاد واستلمها ضابط برتبة رائد ومعه الملازم حردان التكريتي ثم توجهوا لمحاصرة منزل رئيس اركان الجيش وبعدها نجحوا في اعتقاله ووضعوه في سجن مخصص له.
وفي الساعة السادسة وصلت سرية تابعة الى اللواء العشرين بعد ان تلقت الأوامر واتجهت هذه السرية يقودها الرائد منذر سليم واخذت موقعها امام باب قصر الرحاب، جرى تبادل لإطلاق النار بين السرية والحرس الملكي الى نفذ عتاد السرية تقريبا فارسلوا نقيب الى مدرسة المشاة لطلب المساعدة ونجدة الحركة فحملوه بناقلتين من العتاد مع ٦٠ ضابط صف وقام النقيب عبد الستار العبوسي بتجهيز ٣ مدافع عيار ١٠٦ ملم مضاد للدروع وعندما وصل الامداد ازداد اطلاق النار دون رد من الحرس الملكي فدخلت مجموعة من الضباط الي حديقة القصر من الباب الجانبي وقام النقيب العبوسي بإطلاق ثلاثة قذائف من المدفع ١٠٦ باتجاه القصر واهتزت المنطقة من شدة الصوت وتصاعدت أعمدة الدخان مما اضطر من في القصر الى النزول الى الاقبية والسراديب، وكان امر الحرس الملكي طه البامرني اخبر عبد الاله ان اعداد المهاجمين يتزايد وان الجنود يتوافدون باستمرار قادمين من معسكر الوشاش وانه أي البامرني فشل بالوصول الى احد الضباط الاحرار واقناعه بالدخول للقصر والتفاوض، كما ان البامرني اعد حظيرة من الجنود بقيادة النقيب ثابت يونس وان تفتح النار على الضباط عند دخولهم للقصر ولكن لم يدخل احد، وبعد ذلك لم يتبقى أي امل لعبد الاله ولا الملك سوى الاستسلام خصوصاً بعد ان التحق آمر الحرس الملكي العقيد البامرني بالحركة وسلم نفسه واصدر أوامره للحرس الملكي بالقاء السلاح ، فخرجت العائلة المالكة لحديقة القصر وخلفهم الملك والوصي واحاط بهم المهاجمين بشكل نصف دائرة لكن النقيب العبوسي وبأوامر من عبد السلام عارف دخل من الباب الرئيسي وبيده غدارته واطلق النار علي العائلة المالكة وبعدها توالى الطلاق النار عليهم، يذكر النقيب محمد علي سعيد ان سبب قتل العائلة المالكة كما شرحه له عبد الستار العبوسي فقال له( بأنه تذكر حوادث حركة مايس ١٩٤١ التحررية وما لاقاه الضباط من اهدام وتنكيل فاراد ان لا تتكرر المأساة مرة أخرى ويعود عبد الاله ليشنق الضباط الاحرار).
لكن كل اللوم يقع علي الزعيم بأنه أصر على قتل العائلة علماً انه لم يكن في بغداد صبيحة يوم الثورة.
عمت الفرحة شوارع العراق في كل المدن وساندت حشود الشعب الجيش في نجاح الثورة ولولا هذا التلاحم السياسي والعسكري والشعبي لما كان للثورة ان يبزغ فجرها.
بعد إذاعة بيان الثورة رحب الاتحاد السوفيتي بها وخرجت مظاهرات داعمة للثورة في موسكو، اما بريطانيا فقامت بعمل إنزال جوية في الأردن لحماية العائلة الهاشمية، كما قامت أمريكا بإنزال جوي في لبنان، وهذا الموضوع لدحض كلام الاعلام المضاد عندما يروج بأن ثورة ١٤ تموز كانت بدعم وتخطيط إنكليزي – أميركي.
وقال السفير الأمريكي في العراق آنذاك (وفاة نوري السعيد هي خسارة لإسرائيل).
وفي إسرائيل قال بين غوريون رئيس الوزراء (إن امن إسرائيل قد تأثر تأثراً خطيراً بسبب ثورة الشعب العراقي، لذلك سوف نجدد طلبنا للحصول على أسلحة ثقيلة من الغرب).

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=681256#