لماذا الزعيم عبد الكريم قاسم…الجزء الخامس

هشام جمال داوود

2020 / 6 / 14

البرلمان:
ابدأ الكلام في هذا الجزء المخصص عن الأحزاب المعارضة بوصف البرلمان العراقي في تلك الفترة لأنه صلب اهتمام الأحزاب في أي دولة أينما كان موقعها في العالم.
البرلمان في العهد الملكي كان ينقسم الى مجلس الاعيان الذي يعين اعضائه الملك (ممن لهم ماضي مجيد)، وتكون مدتهم ٨ أعوام ويجتمعون عندما يجتمع مجلس النواب، ومجلس نواب ينتخب فيه النائب عن طريق الانتخاب غير المباشر، إذ اقر القانون ان نائب واحد (من الذكور) لكل عشرين ألف مواطن (من الذكور) على أن لا يقل عمره عن ٣٠ سنة، وتجري انتخابات مجلس النواب على مرحلتين فالناخبون الأولون ينتخبون الناخبين الثانويين الذين يحق لهم انتخاب النواب وهذا ما جاء في قانون الانتخابات لسنة ١٩٢٤.
وهذا الأسلوب من الأساليب الملتوية لإقامة تفاوت في التصويت بين المواطنين مما دفعهم الى المطالبة بإلغائه واستبداله بالانتخاب المباشر.

فأين دور المرأة في العهد الملكي إذا كانت تحرم حتى من التصويت والترشيح؟ بينما في حكومة ١٤ تموز وفي أول مجلس وزراء شكله الزعيم قام بتعيين نزيهة الدليمي وزيرة الأشغال والبلديات وكانت أول وزيرة في الوطن العربي.

هذا الجزء مخصص للكلام عن أحوال العراق السياسية في فترة العهد الملكي، ونحن في الجزء الخامس من الموضوع، لكن هذا الجانب وحده يحتاج الى ما لا يقل عن عشرة أجزاء وربما لن تكفي، لكثرة ما فيه من أحداث مهمة واسماء وشخصيات وأحزاب وجبهات سياسية، وكيف نشأت بعض الأحزاب ومن هم قادتها، وكيف قررت الأحزاب المضي في العمل المشترك مع أحزاب أخرى ضد النظام الملكي لأجل إسقاطه، والانشقاقات التي جرت داخل بعض الأحزاب.

ومن جهة أخرى الاعتقالات والاعدامات والقائمة طويلة، كذلك الاتصالات بين بعض الأحزاب مع جهات أجنبية مثل أمريكا او عربية مثل جمال عبد الناصر، لذلك لابد من ذكر أهم الأحداث التي جرت دون الدخول في تفاصيلها.
في أواخر سنة ١٩٤٥ وتحديدا في الشهر الأخير منها، قرر الوصي عبد الإله السماح للأحزاب السياسية ان تظهر للعلن وان تقدم طلبات التأسيس الخاصة بها كي تكون مسجلة في وزارة الداخلية.
هنا موقف قد يعده البعض خطوة جيدة وتحسب لصالح العهد الملكي وليس ضده، ولكن هناك سؤال واحد وبسيط، فالوصي لم يكن من بين أعضاء الحكومة فلماذا يصدر القرار منه؟ وهل القرارات من هذا النوع هي من صلب اختصاص وعمل مجلس الوزراء ام الوصي على العرش ام من اختصاص مجلس النواب؟

إضافة الى ذلك لم تكن هذه الخطوة من دواعي حرص النظام الملكي على أحياء الديمقراطية في العراق لكونه لم يكن يؤمن بفكرة الأحزاب ولكن استجابة للظروف السياسية العالمية وهذه نقطة مهمة يجب معرفتها، لأن العالم في ذلك الوقت كان قد خرج للتو من مطحنة الحرب العالمية الثانية بانتصار الحلفاء على النازية، لذلك كان من الضروري ان تقوم حكومات الحلفاء بدعم ونشر روح الديمقراطية التي حاربت على أساسها ضد النازية والفاشية ويكون لزاماً على توابعها من الحكومات في العالم ان تطبق هذه الأفكار أيضاً.

ومن جهة ثانية كان انتشار حركات التحرر في كل جهات العالم خاصة في المستعمرات الآسيوية التي تحرر بعضها، وانتشار الشيوعية.

كذلك تزايد أعداد الطبقة العاملة في العراق والتي كان لها دور كبير في كفاح الشعب العراقي ضد الملكية خصوصاً بعد ان شاركت هذه الطبقة في أغلب التظاهرات والصدامات التي خاضها الشعب.
لذلك تقرر السماح للأحزاب كمحاولة للسيطرة عليها بدل مراقبة أعمالها التي كانت بشكل سري.

وعلى ضوء ذلك تقدمت عدة أحزاب بطلب تسجيل رسمي لوزارة الداخلية وهي:
حزب الاستقلال: وأبرز شخصياته محمد مهدي كبة ومحمد صديق شنشل وفائق السامرائي، و صحيفتهم (لواء الاستقلال).
الحزب الوطني الديمقراطي: كامل الجادرجي ومحمد حديد وحسين جميل وعبد الوهاب مرجان، و صحيفتهم (صوت الأهالي).
حزب الاتحاد الوطني: محمد مهدي الجواهري وعبد الفتاح إبراهيم، و صحيفتهم (الرأي العام).
وأحزاب أخرى غير معروفة ولا أعضائها من البارزين ومنها حزب الشعب الذي كان ينظر اليه على أساس انه نسخة مشابهة للحزب الشيوعي.

وقد اجيزت كل هذه الأحزاب أعلاه وتم رفض طلب الحزب الشيوعي العراقي لأسباب معروفة لدى الجميع أولها ان النظام الملكي يعتبره أشد وأخطر اعدائه وثانياً لاتهامه بالارتباط بالاتحاد السوفيتي علماً انه كان اقوى الحلفاء في الحرب العالمية ولكن المعادلة تغيرت بسبب ظروف الحرب الباردة آنذاك، وصحيفة الحزب في ذلك الوقت هي (القاعدة).

سميت هذه الأحزاب باسم أحزاب (المعارضة) التي كانت لاعباً اساسياً في تفجير ثورة ١٤ تموز من خلال حث الجماهير في الانتفاضات ومن خلال التنسيق مع تنظيم الضباط الأحرار وايضاً من خلال الجبهات الوطنية والتي سيأتي الحديث عنها.
في الوقت نفسه قامت الحكومة بتأسيس أحزاب تابعة لها كي تواجه بها أحزاب المعارضة وهي:

حزب الاتحاد الدستوري:
خلال الوزارة السعيدية العاشرة برئاسة نوري السعيد طرح فكرة تشكيل ما أسماه (ميثاق العمل الوطني) وكان الهدف منه هو مكافحة الشيوعية، وفاتح بذلك حزب الاستقلال ولكن الأخير رفض الدخول به لكون ان قادته لا تشعر بالاطمئنان لنوري السعيد، الامر الذي دفعه الى تشكيل حزب واسماه بالاتحاد الدستوري وقدم طلبه لوزارة الداخلية وحصلوا بالتأكيد على موافقتها.
كان هذا الحزب يشدد على ضرورة تعميق وتوطيد العلاقة مع بريطانيا وحسب ادعائهم كون ذلك يعود بالمصلحة للبلدين، صحيفتهم (الاتحاد الدستوري).

حزب الأمة الاشتراكي:
مؤسس هذا الحزب هو صالح جبر، ففي أثناء الانتخابات البرلمانية عام ١٩٤٧ نظم صالح تحالف انتخابي اسماه الكتلة، وذلك للدخول في الانتخابات والحصول على اعلى الأصوات ومن ثم الاستيلاء على رئاسة الوزراء.
بعد ذلك قدموا طلب تأسيس حزب سياسي بنفس أعضاء هذه الكتلة واختاروا اسمه، ومن أبرز شخصياته إضافة الى صالح جبر هناك صادق البصام وعبد المهدي المنتفجي والد السيد عادل عبد المهدي.
لهذا الحزب صحيفتين (الأمة) و (النبأ).

حزب الاحرار:
كانت فكرة هذا الحزب من نوري السعيد، ولكن عندما قدم أعضائه طلب التأسيس كان نوري السعيد في تركيا لتوقيع معاهدة بين البلدين، فشكل أعضائه ما اسموه بالهيئة المؤسسة لحين عودة السعيد وإعادة النظر فيها، ولكن السعيد عند عودته بدأ بمقاطعة ومعارضة رئيس الوزراء آنذاك توفيق السويدي، وقدم السويدي استقالته ثم انضم هو واغلب وزرائه الى هذا الحزب فأعيد انتخاب الهيئة وأصبح توفيق السويدي رئيساً للحزب، ولم يلاحظ وجود أي نشاط لحزب الأحرار لأن هدفه كان ينحصر في مساندة الحكومة، صحيفتهم هي (صوت الأحرار).

(المصدر، الحسني/تاريخ الوزارات – محمد كاظم علي/ عهد عبد الكريم قاسم).

وبالعودة للحديث عن أحزاب المعارضة، فإن الشعب العراقي رحب بهذه الخطوة، لان الجماهير كانت ترى في هذه الأحزاب خير من يمثلها ويعبر عن معاناتها خصوصاً وان الشعب لم يكن يعتبر النواب هم صوته الحقيقي داخل البرلمان.

عقدت أحزاب المعارضة هذه والتي انضم إليها فيما بعد حزب البعث عدة جبهات سياسية، وهذه الجبهات كانت عبارة عن تحالفات انتخابية، الهدف من وراء هذه الجبهات هو اسقاط النظام الملكي وانهاء دوره في حكم العراق وتحرير الشعب منه.

وكما قلت فإن الحديث عنها طويل جداً فهي من عدة أحزاب وتحول بعضاً منها الى حزب جديد يحمل اسم الجبهة، إضافة الى ذلك فإن هذه الجبهات لم تكن خالية من المشاكل الداخلية نتيجة دخول وخروج عدة أعضاء منها واليها، والتزوير الذي تعرضت اليه في الانتخابات، والقمع والتنكيل، وكل هذه الأمور لا تخدم القارئ الآن بقدر ما ينفعه فهم ما جرى بشكل مبسط من أحداث أدت الى قيام ثورة ١٤ تموز.

نجحت الجبهات في بعض الانتخابات بوصول عدد من أعضائها ليكونوا نواباً في المجلس، ولكن الحكومة في كل مرة تلاحظ فيها تزايد أعداد نواب المعارضة كانت تقوم بحل المجلس والدعوة لانتخابات جديدة، وكما قال صالح جبر في ٢٣ آب ١٩٥٤ (ان السبب من حل المجلس هو التخلص من المعارضة داخل البرلمان). (م-الحسني/تاريخ الوزارات).

وهذه الجبهات وعددها خمسة هي (جبهة الدفاع عن فلسطين١٩٤٨، لجنة التعاون الوطني١٩٤٨، الجبهة الشعبية المتحدة١٩٥١، الجبهة الوطنية المتحدة ١٩٥٤، جبهة الاتحاد الوطني١٩٥٧).
ولكن سأتكلم عن أهم اثنين منها وهما:

لجنة التعاون الوطني١٩٤٨:

وتشكلت بسبب توقيع الحكومة العراقية معاهدة بورتسموث مع بريطانيا، فثار غضب الشعب العراقي الذي خرج بمظاهرات تحولت الى صدامات واشتباكات بين الشعب والشرطة وراح ضحيتها الكثير من الجرحى والقتلى من بينهم جعفر الجواهري شقيق الشاعر الكبير، والأحزاب السياسية بدورها شكلت هذه الجبهة (التعاون الوطني) وكانت هذه الأحزاب هي (الاستقلال، الوطني الديمقراطي، الحزب الشيوعي، حزب الشعب ومن ثم أنضم إليهم الپارتي الديمقراطي الكردستاني).

جبهة الاتحاد الوطني١٩٥٧:

يمكن القول بأنه ومنذ اللحظة الأولى لتشكيل هذه الجبهة بدأ العد التنازلي لعمر العهد الملكي في العراق، تعرضت الجبهة التي سبقتها وهي الوطنية المتحدة الى حملات قاسية وعنيفة من الاعتقالات والقمع والإرهاب بأوامر من نوري السعيد، لذلك بدأ التفكير مجدداً بين الأحزاب لإعادة تشكيل جبهة جديدة تجمع أحزاب المعارضة من جديد، فحدثت اتصالات بين الحزب الشيوعي وحزب البعث أواخر سنة ١٩٥٥،ومن جهة أخرى جرى تقارب كبير بين حزب الاستقلال والحزب الوطني الديمقراطي حتى أنهم اتفقوا على الاندماج وتأسيس حزب جديد باسم (المؤتمر الوطني) وتقدموا بطلب التأسيس إلا أن هذا الطلب قوبل بالرفض.
إلى أن حدث العدوان الثلاثي على مصر سنة ١٩٥٦ الذي جعل غضب الشارع العراقي ينفجر ضد الحكومة وعلى الرأس فيها نوري السعيد مطالبة إياها بالوقوف الى جانب مصر والتوقف عن مساندة بريطانيا، شعرت الأحزاب بضرورة تشكيل جبهة جديدة، فاجتمع في اليوم الأول من العدوان (الحزب الشيوعي، حزب الاستقلال، الحزب الوطني الديمقراطي وحزب البعث) ومعهم عدد من الديمقراطيين المستقلين، وقاموا بالتنسيق والعمل الجاد مع الضباط الأحرار، وبعد اكمال تشكيل الجبهة قاموا بعدها و في مطلع عام ١٩٥٧ بتأسيس اللجنة العليا للجبهة (على غرار اللجنة العليا للضباط الاحرار).

وقد خصص الحزب الشيوعي مطبعته السرية للجبهة وصدر البيان الأول في ٩ آذار ١٩٥٧ لشرح أسباب قيامها، وهي:
– تنحية وزارة نوري السعيد وحل البرلمان.
– الخروج من حلف بغداد.
– إطلاق الحريات وتطبيق الديمقراطية.
– مقاومة الاستعمار بكافة أشكاله وانتهاج سياسة عربية مستقلة.
– إلغاء الإدارة العرفية وإطلاق سراح السجناء والموقوفين السياسيين وإعادة الأساتذة والطلاب المفصولين لأسباب سياسية.

الآن وبعد أن انتهينا من أسماء ودور الأحزاب المعارضة والجبهات في تلك الفترة، أليس جديراً بالذكر بأن نقول إن هذه الأحزاب والتي شملت كل العراقيين من اقصى الشمال الى اقصى الجنوب ومن الشرق الى الغرب ومعهم ضباط الجيش وتنظيماتهم، الم يكونوا كل العراق تقريباً آنذاك؟

اذاً، لماذا الزعيم هو وحده من يتم اتهامه بأنه هو من حاك مؤامرة ضد الملكية واسقطها وأنه هو المسؤول من الالف الى الياء عما جرى في العراق؟

هذا الاجحاف (الإعلامي) ولا أقول التاريخي لأن التاريخ النظيف وكُتابه الوطنيين الشرفاء الحياديين لم يجحفوا حق الزعيم، فقط ذلك الإعلام المضاد الذي كرس كل وقته وجهده لحرف بوصلة الحقيقة وتزييف التاريخ.
الى هنا انتهى هذا الجزء، ويليه السادس عن الضباط الأحرار.

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=681185#