لماذا الزعيم عبد الكريم قاسم…الجزء الرابع

هشام جمال داوود

2020 / 6 / 14

يمكن أن أقول بأن السياسة الخارجية التي اتبعها النظام الملكي في العراق
هي من تسببت بتفجير الثورة ضده على يد الطبقتين اللتين ختمت بهما الجزء السابق وهما طبقة الضباط وطبقة المثقفين (سياسيين او مستقلين).

كثيرة هي المواقف السياسية التي تبناها النظام الملكي والتي كانت تغضب الشعب العراقي والقوى السياسية وضباط الجيش.

وكما جرت عليه العادة، سأكتب بشكل مختصر لأسباب ذكرتها سابقاً.
في أول الأمر يجب أن نعرف شيء مهم جداً، هو أن الشعور القومي في تلك الحقبة الزمنية لم يكن كما هو عليه اليوم، إذ كان الشعور القومي هو السائد في اربعينات وخمسينات القرن الماضي وكانت الشعوب تعتقد بضرورة توحيد البلدان الناطقة بالعربية وبناء دولة واحدة وكان هذا الشعور يتصاعد حتى في نفوس من هم غير العرب من الناطقين بالعربية، ولكن وبسبب ممارسات الأحزاب القومية بعد أن تسلمت زمام الحكم في أكثر من بلد عربي والتي كانت تجاربها فاشلة جداً مع شعوبها في تطبيق شعاراتها و تنفيذ وعودها أدى الى هبوط ومن ثم تلاشي الشعور عند الفرد العربي بضرورة التمسك بالقومية، بل واعتبارها شعارات زائفة و وعود كاذبة، لذلك اصبحنا نرى اليوم ان نسبة كبيرة من الشباب العربي يدافع عن الغرب ويكره قوميته بشكل غريب.

أن شعوب المنطقة كانت تشهد حركات التحرر من براثن الاستعمار هنا وهناك وكذلك الانعتاق من سيطرة الحكومات الموالية للاستعمار، فما إن حدث شيء في أي جزء من الأرض العربية تهب الجماهير المؤيدة له وتعج مدن وشوارع أغلب الدول العربية بالمظاهرات المؤيدة وبنفس الوقت كانت هذه المظاهرات تدين خضوع الحكومات لقوى الاستعمار.

وهذا ما حدث بالفعل عام ١٩٤٨ حين بدأت المواجهة بين العرب وإسرائيل بسبب القضية الفلسطينية وكان الشعب العراقي في مقدمة هذه الشعوب، لكن النظام الملكي لم يكن بجانب الشعب فقد اتسمت مواقفه بالقمع والعنف بوجه كل التظاهرات والأحداث التي قامت بها الجماهير.

تزامنت هذه الأحداث بنفس الوقت الذي جرت فيه ثلاثة انقلابات في عام واحد داخل سوريا الأول في شباط والثاني في آب والثالث في كانون الأول من سنة ١٩٤٩، هذا الأمر الذي حفز ضباط الجيش العراقي بقيام بعمل مماثل وان يقفوا الى جانب الجياع من أبناء الشعب نتيجة الإهمال الحكومي الذي تسبب به النظام الملكي.

وبالعودة لسياسة النظام الملكي الخارجية، سأذكر الأحداث الأكثر أهمية دون غيرها لكي يكون الموضوع أسهل على القارئ في فهم ظروف تلك المرحلة.

أول هذه الأحداث هي ثورة مصر ضد الملك فاروق سنة ١٩٥٢ والمسماة بـ ثورة يوليو، حيث قام مجموعة من الضباط المصريين بالإطاحة بالنظام الملكي في مصر وتأسيس الجمهورية بدلاً عنه، تلقت الجماهير العربية وخاصة العراقية هذا الخبر بفرحة كبيرة، وبنفس الوقت تزايد الحماس في العراق بين صفوف ضباط الجيش والأحزاب السياسية للقيام بعمل مماثل.

وعلى ضوء ذلك قامت مجموعة من ضباط الجيش العراقي بتأسيس تنظيم سري خاص بالضباط أطلقت عليه اسم تنظيم (الضباط الأحرار) على غرار تنظيم الضباط الأحرار في مصر الذي تولى إسقاط عرش الملك فاروق، كان هذا ما يخص ضباط الجيش.

أما ما يخص السياسيين، فقد قامت مجموعة من أحزاب العراق خارج السلطة بتقديم طلبات الى الوصي عبد الإله مطالبة إياه بتحسين ظروف الحياة و شجبت أوضاع البلد وأحوال المواطنين ومعاناتهم.
لكن الحكومة بدأت تعادي الثورة المصرية خصوصاً بعد أن تبنت الحكومة المصرية فكرة القومية العربية وبدأت تنادي بها وتدعوا الدول العربية الى التخلص من تبعية الاستعمار والبدء بالاعتماد على نفسها، وكل هذا يتنافى مع سياسة الحكومة الملكية في العراق.

أي حكومة، مهما كانت، عندما ترى نفسها في أجواء مفعمة بالروح القومية، وترى أبناء شعبها مندفعين نحو شعارات القومية (أو أي شعارات أخرى)، وتقف بالضد من توجه شعوبها، فهي بلا شك حكومة تعمل وفق اجندة لا يقبلها شعبها وهذا أمر لا غبار عليه ولا يحتاج إلى دليل.

بعد ذلك وعندما وقع العدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦ حين قام عبد الناصر بتأميم قناة السويس الأمر الذي لم ترضى عنه بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، واعتبروها مسألة خطرة قد تنمي الشعور عند باقي الدول العربية بالتحرر وتأميم النفط ومنع احتكاره من قبل الشركات البريطانية والفرنسية، فحدث ذلك العدوان، قامت الجماهير في بغداد وعدة محافظات بتظاهرات تطورت الى صدامات ومواجهات عنيفة مع الشرطة، ورفعت الأحزاب مذكرات احتجاج للحكومة، والحكومة كالعادة بدل ان تستجيب للجماهير والمطالب الحزبية عمدت الى زيادة القمع واستخدمت العنف ضد الجماهير عن طريق حملات الاعتقال الواسعة التي طالت السياسيين والأساتذة والطلاب.

وازداد بنفس الوقت حماس الضباط الأحرار. (مذكرات مهدي كبة).
بعدها بدأت حكومة بغداد والتي كانت تسمى في ذلك الوقت الوزارة السعيدية الثالثة عشر بالتشفي الواضح بما حدث في مصر والعدوان عليها والخسائر التي لحقت بها من خلال إذاعة بغداد ونشرات الأخبار التي كانت تبثها، كل هذه الأمور أوصلت الحالة مع الحكومات والنظام الملكي من جهة والشعب والضباط والسياسيين من جهة أخرى الى درجة الكره الشديد، وصار الشعور عند الطرف الأخير بضرورة التخلص من هذا النظام الذي لم يعد يطيقه أحد.

أعود مجدداً وأقدم العنوان بصيغة سؤال، لماذا الزعيم؟
لماذا يتهم وحده بأنه انقلب ظلماً على الملكية وأسقط نظامها.
ما الجواب الأمثل والمبني على حقائق تاريخية من كل شخص مطلع على احداث العراق في القرن الماضي؟

ثم حدث امراً آخر غاية في الأهمية، هو قيام الجمهورية العربية المتحدة في ١ شباط ١٩٥٨، عندما أعلنت مصر وسوريا الوحدة فيما بينهم.
الأمر الذي نال اعجاب وترحيب اغلب الشعوب العربية المندفعة وقتها و المفعمة بالروح القومية، اعتبرت هذه الخطوة اول اللبنات لبناء البيت الكبير، وبدأت شعوب الوطن العربي بالتفاعل مع هذا الحدث وأولهم الشعب العراقي، وقامت الأحزاب القومية في العراق بالمطالبة بالانضمام الى هذه الوحدة.

ماذا كان موقف النظام الملكي من هذه المطالبات الشعبية والسياسية؟
قام هذا النظام الذي كان يعمل تحت مظلة الاستعمار والشركات الاحتكارية بالدخول في الاتحاد الهاشمي مع المملكة الأردنية.
ما فائدة اتحاد مع بلد ضعيف جداً في حينها مثل الأردن والوقوف ضد رغبة الشعب؟
كان على اقل تقدير ان تقوم الحكومة بدعم الوحدة ولو عن طريق الدعاية فقط، لا أن تعلن قيام اتحاد نكاية برغبة شعبها.

لحد الآن حرصت على ذكر أهم الأحداث بحسب تسلسلها التاريخي، إلا إني تعمدت ان اتجاوز حدث مهم جداً والان حان وقته المناسب للحديث عنه الا وهو (حلف بغداد) سنة ١٩٥٥.
هذا الحلف في ظاهره او الدعاية التي أطلقت عليه على أساس أنه نوع من أنواع الحصانة بالنسبة للعراق كي يكون لاعباً اساسياً في السياسة الدولية وإن راعيتيه بريطانيا وأمريكا يكون لزاماً على كل واحدة منهما ان تقدم العون للعراق وان تساعده في تطوير وتحسين ظروفه الاقتصادية وغير ذلك.

هنا اود ان اوجه سؤال واحد فقط، ما الذي كانت تنتظره بريطانية لمدة ٣٥ سنة منذ تأسيسها للملكية في العراق ولم تقدم خلالها أي شيء يمكن ان نعتبره دليل على أنها كانت حريصة على الشعب العراقي بالحكومة التي جلبتها بدءاً من الملك الحجازي الى أصغر وزير او نائب فيها؟
ثم صارت بعدها تتوعد بهذه الوعود والمغريات شريطة ان يدخل العراق في هذا الحلف؟
وبعد ان دخل العراق في هذا الحلف، ما الذي تغير من واقع حال الشعب البائس أو من ظروف البلد الاقتصادية؟ الجواب هو قطعاً لا شيء.

إذ لم يشفى مريض من علته ولم يشبع جائعا ولم يعمل عاطل ولم تختفي الأوبئة والأمراض التي كانت متفشية في العراق ولم يلغى استغلال الإقطاعيين ولم يتحرر النفط من سيطرة واحتكار الشركات الأجنبية.

هذا الحلف لمن لا يعرفه هو عبارة عن غاية بريطانية ـ أمريكية، وجغرافية هذا الحلف تحكي وتشرح نفسها، فهو عبارة عن شريط من دول حلفاء لأمريكا وبريطانيا متاخم للحدود الجنوبية الغربية للاتحاد السوفييتي في أوج عظمة الصراع بين المعسكرين بما يعرف بالحرب الباردة.
لا شيء غير ذلك مطلقاً، وان كل السبب بإدخال العراق ضمن هذا الحلف هو قاعدة الحبانية الجوية والتي قال عنها أحد السياسيين البريطانيين (تقع على مسافة ٦٠٠ ميل من باكو عاصمة أذربيجان ومركز النفط السوفيتي، و٦٠٠ ميل من قناة السويس و٦٠٠ ميل من حيفا وهي بهذا تستطيع أن تكون قاعدة مثالية في الطيران بعيد المدى في الاتجاهات الثلاثة وهي القاعدة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تستطيع أن تقدم الحماية للطائرات المقاتلة وأن تكون قاعدة العمليات لقاذفات القنابل لكي تهاجم المواقع الروسية القريبة من حدود الشمالية لإيران أو الشرقية لتركيا).(محمد عودة/ثورة العراق).

بسبب هذا الحلف السيء تم تقسيم الوطن العربي الى جبهة متحررة من الاستعمار وجبهة خاضعة له، وبغداد صارت مركز للمؤامرات على الدول العربية وخاصة سوريا التي تعتبر أكثر الدول التي تعرضت للأذى نتيجة دخول العراق بهذا الحلف، لأن العراق كان كثير الضغط على سوريا كي تدخل ضمن حلف بغداد ظناً من البريطانيين والأمريكان بأن لبنان والأردن سيكون انضمامهم سهل جداً بعد سوريا وبذلك سيتحقق الغرض والذي هو تشكيل طوق جديد ضد الاتحاد السوفيتي.

إضافة الى ذلك فإن دول هذا الحلف انكرت على مصر حق تأميم قناة السويس.
اخيراً كان هذا الحلف عبارة عن ضمانة لأمن إسرائيل وهذا ما جاء على لسان وكيل وزارة الخارجية الامريكية اذ قال ((حلف بغداد ينطوي على ضمانة لإسرائيل وإن سياستنا تقوم على خلق جهاز دفاعي عسكري في منطقة الشرق الأوسط تكون فيه إسرائيل جنباً إلى جنب مع الدول العربية)).

وهذه الكلمة الأخيرة هي ما يتمناه الشباب الجديد بأفكارهم التي انتهجتها الحكومات القومية ذات التطبيق الفاشل مع الشعوب، إلا أننا نتكلم عن أحداث جرت عام ١٩٥٥ وكانت فيها العقلية العربية (شعوباً) صادقة بتمسكها بقوميتها، فهي لم تكن بعد قد ذاقت كذب ادعاءات الحكومات القومية ولم تكن قد مرت بتجربة معها.

هذه هي أبرز الأحداث التي تخص سياسة العهد الملكي الخارجية والتي عملت على اتساع الهوة بين الحكومة الملكية والشعب الذي عمل بشكل دؤوب عن طريق كل المستويات لإسقاط النظام الملكي في العراق وانهاء دوره.

الى هنا يكون قد انتهى هذا الجزء ويليه الجزء الخامس المتعلق بالأحزاب السياسية المعارضة للنظام الملكي.