لماذا الزعيم عبد الكريم قاسم…الجزء الثالث

هشام جمال داوود

2020 / 6 / 15

كان الشعب العراقي في حال سيء جداً في العهد الملكي، على كافة الأصعدة والتي سيتم ذكرها بشكل مختصر حرصاً على عدم إطالة الموضوع ولتجنب تشتيت ذهن القارئ.
كان مجموع سكان العراق وفقا للتعداد المسمى (تعداد سنة ١٩٥٧) والذي يعتبر الأشهر بتاريخ العراق حيث اعطى أرقام صحيحة ونسب مئوية دقيقة لكل مكونات الشعب العراقي، بلغ مجموع السكان ستة ملايين ونصف مليون نسمة.

هذا الرقم جيد جداً لأي حكومة في بلد خيراته مثل خيرات العراق أن تجعل شعبها بكل سهولة أفضل شعوب العالم، لكن الطامة الكبرى هي حين يعلم القارئ الكريم ان نسبة الأميين وفق نفس التعداد كان (٤،١٧٩،٨٦٣) أي ثلاثة ارباع الشعب كان امياً. ومجموع الذين يعرفوا القراءة والكتابة (٧٣٤،٩٥٧). (المصدر/مديرية النفوس العامة، المجموعة الإحصائية لسنة ١٩٥٧).

هل تشير هذه الأرقام إلى ان البلد كان تحت ظل حكومة وطنية؟ او نزيهة ومهتمة بأمور شعبها؟ أم ان الجواب متروكاً للغة الأرقام التي لا تقبل المجاملات؟
كان الشعب مقسماً (بإرادة حكومية) الى:

اولاً البرجوازيين:
هذه الطبقة كانت محصورة بين فئات معينة وقليلة جداً يمكن ان نقول عنهم بأنهم كانوا الطبقة ( الكومبرادورية) أي المتعاونة مع رأس المال الاجنبي وكل أموالها نتيجة التعاون معه، وكان تأثير هذه الطبقة او مساهمتها في تطوير اقتصاد العراق شبه معدوم ، والدليل على ذلك ان الصناعة في العهد الملكي كانت اغلبها عبارة عن حرف يدوية ومهن بدائية ، كان اهتمام هذه الطبقة على التجارة وامتلاك العقارات فقط، وهذه الطبقة كانت ذات طابع رجعي بقائها وسيطرتها مرهون بدعمها ومساندتها للنظام الملكي والذي هو بدوره يحقق لها ما تصبو اليه من استغلال بشع للطبقة الكادحة.

ثانياً الإقطاعيين:
هذه الطبقة تكونت في عهد الاحتلال التركي او ما يسمى بالدولة العثمانية وهم عبارة عن جباة ضرائب، يجبون الخُراج لخزينة الدولة لقاء عمولة (١٢،٥٪) من الأراضي الخراجية.
اقر ما يعرف بنظام الطابو في عهد الوالي العثماني مدحت باشا لكن كان عبارة عن حيلة لتمليك الإقطاعيين على الأراضي حيث لم تتنازل الدولة العثمانية عن الخراج الى ان سقطت على يد الإنكليز والذين استمروا بجمع الخراج على يد نفس الإقطاعيين.

ثلاث نقاط مهمة:

أ- كان السكان في الريف عبارة عن عبيد بيد الاقطاعيين، ٨٥٪ من سكان الريف لا يمتلكون شبراً واحداً من الأرض، وان نسبة ٢٪ مناصفة بين ملاكين ريفيين وملاكين من المدينة تمتلك ٧٥٪ من تلك الأراضي.

ب- وصل البؤس حالة ان يمتلك بعض الاقطاعيين عشرين ألف عائلة فلاحية، كما ان الكثير من الاقطاعيين اشترى كل واحد منهم أراضي زراعية بمساحات كبيرة من الحكومة الملكية بثمن بخس متفق عليه بينهم.
والبعض الآخر أجبر الفلاحين على التنازل عن أراضيهم بعد تراكم الفوائد التي عجزوا عن دفعها، او عن قطع مياه الري عن الأراضي لإجبارهم على التنازل عنها.

ج- أغلب الإقطاعيين حصلوا على أراضيهم مجاناً بمنحة من الدولة بجرة قلم ويعفيهم الحكومة من الضرائب. (المصدر للنقاط الثلاثة/ زكي خيري-الإصلاح الزراعي في العراق).
بالإضافة الى ذلك فإن هناك مائة مالك تزيد ملكية كل واحد منهم على المليون دونم مثل امير ربيعة.
اخيراً كانت الأغلبية البرلمانية دائماً من هاتين الطبقتين.

ثالثاً الفلاحون والعمال:
الفلاحون كانوا النسبة الأكبر في العراق حيث تصل الى ٧٥٪ من مجموع السكان وهم بنفس الوقت الأكثر مظلومية وليس فقط عدداً.
وكانوا لا يحصلوا إلا على نسبة بسيطة جداً من مجموع الدخل الوطني، وان مجموع ما يملكه الفلاحين من أراضي لا يتجاوز ٨٪ من مجموع مساحات الأراضي الزراعية في كل العراق.

طالما ثارت هذه الطبقة ضد الحكومة منذ أيام الاحتلال العثماني والبريطاني واستمرت بنفس الحال الى أواخر العهد الملكي، لذلك كانت هذه الطبقة دائما ما تقوم بانتفاضات وتحولت فيما بعد الى حركات عشائرية لأن طابع هذه الطبقة من النوع العشائري.

كانت انتفاضات الفلاحين عديدة ضد الاقطاعيين و تدخل أحيانا الحكومة لفض النزاع بالقوة وهذا ما جرى عام ١٩٥٦وقبل ذلك في الأعوام ١٩٢١ و١٩٢٢ و١٩٤٦ و١٩٥٢ و١٩٥٣.
وكذلك ضد الحكومة بسبب الظلم الواقع عليهم من خلال الضرائب والرسوم المجحفة والمطالبات باسترجاع أراضيهم وكانت دائماً ما تواجه الحكومة ذلك بقوة السلاح والشرطة وآخر انتفاضة فلاحية كانت قبل ثورة ١٤ تموز بثلاثة أشهر حيث اندلعت انتفاضة من الديوانية الى الدغارة والتي أجبرت الحكومة ان تلبي طلبات الفلاحين وطبقت قانون المناصفة.
أما العمال فهم في الأساس فلاحين نزحوا من أماكنهم في الريف وسكنوا المدن هرباً من الفقر وظلم الإقطاعيين، وتجمعوا في شركات النفط الأجنبية الاحتكارية في البصرة وكركوك، وقسم منهم كانوا عمال في الميناء وبعض دوائر الدولة، إضافة الى المصانع التي تديرها الدولة والطبقة البورجوازية رغم قلة المصانع كما ذكرت سابقاً.

هذه الطبقة بقيت لعشرات السنين تعاني الفقر والجهل وانعدام التعليم وتفشي الامراض والاوبئة، وكانت عوائل العمال تعاني من الأوضاع المزرية وانعدام السكن وكانت كل أربع او خمس عوائل تسكن في بيت واحد وعادة ما يكون صغير جداً.
لم تلتفت حكومات العهد الملكي لهم يوماً ولم تقم ببناء مجمعات سكنية ولم توفر لهم أي نوع من أنواع الضمان الاجتماعي او الصحي وكانت نسبة الوفيات بينهم مرتفعة جداً.

وفقاً لما تقدم في أعلاه، نعود لطرح السؤال من جديد، (لماذا الزعيم؟).
إن أول فئة التفت إليها عبد الكريم قاسم كانت العمال والفلاحين.
ففي السنة الأولى من حكمه أصدر القانون رقم ٣٠ لسنة ١٩٥٨ والذي بموجبه تم الغاء الإقطاع والعلاقات شبه الاقطاعية، وتمت مصادرة الأراضي التي منحتها الحكومات السابقة الإقطاعيين وكذلك الأراضي الأميرية وتم تحديد الأراضي الزراعية من جديد وتقرر ترك ١٠٠٠ دونم من أراضي السقي و٢٠٠٠ دونم من أراضي الديم لكل ملاك، وتوزيع ٦٠ دونم لكل فلاح في أراضي السقي و١٢٠ دونم في أراضي الديم. (أرشيف وزارة الزراعة-إحصاء توزيع الأراضي).

ومن النتائج الإيجابية التي حققها قانون رقم ٣٠ هو تكوين برجوازية ريفية صغيرة، اذ صار الفلاح حر بزراعته، وتطور الأمر فيما بعد لأن يكون أبناء بعض الفلاحين من أصحاب اماكن ومحلات بيع الفواكه والخضار لأن حكومة ١٤ تموز دعمت الفلاح بشكل كبير عن طريق تأسيس الجمعيات الفلاحية واسست التعاونيات الفلاحية، أي انها انهت الإقطاع وكونت نوعين من العلاقات في الحياة الريفية (الفلاح والرأسمالي الصغير).
كما قررت حكومة الزعيم رفع رأسمال المصرف الزراعي الى ١٥ مليون دينار لدعم الفلاحين.

أما العمال، فكما قلت سابقاً بأن الصناعة كانت بدائية ومتخلفة باستثناء بعض الصناعات الحكومية مثل الاسمنت وكان ايضاً دورها ضعيف جدا في دعم الدخل القومي فقد كان اعلى حد بلغته هو (١٠،٣٪) سنة ١٩٥٧.
لكن بعد ثورة ١٤ تموز قامت حكومة الزعيم بالالتفات الى مجال الصناعة ووضعت سياسة اقتصادية جديدة تخص المجال الصناعي عن طريق اتجاهين:

الأول: ان يلعب القطاع الحكومي دوراً اساسياً في توسيع الصناعة في العراق.

الثاني: تشجيع القطاع الخاص صناعياً وليس فقط زراعياً كالسابق وخصوصاً عندما ابرمت حكومة الثورة اتفاقية مع الاتحاد السوفيتي لبناء مشاريع صناعية.
وعلى ذلك تم تشكيل أول وزارة للصناعة في العراق مما أدى الى دعم القطاع الصناعي الذي وفر فرص عمل كثيرة، وكان محمد حديد والد المعمارية الشهيرة زها حديد هو أول وزير لهذه الوزارة في العراق.
وتم إدخال مبدأ التخطيط الصناعي و استقدمت حكومة الزعيم خيرة خبراء وأساتذة التخطيط مثل البروفيسور (لانكا) والبروفيسور(بايسكا) وكلاهما من بولندا فوضعوا الخطط الصناعية والاقتصادية (٥٩٦٤) وتقرر زيادة رأسمال المصرف الصناعي الى ١٠ مليون دينار لدعم القطاع الخاص.
(المصدر سعيد عبود/سياسات التصنيع والتقدم الاقتصادي في العراق).

وقامت حكومة الزعيم ببناء مجمعات سكنية ومدن وكثير من الأشياء الأخرى لصالح الصناعة والطبقة العاملة.
لهذا السبب أطلق الشعب العراقي على الزعيم تسمية (نصير الفقراء)، ولنفس الأسباب أعلاه كان سقوط النظام الملكي خلال ساعات قليلة لأن الشعب من شماله الى جنوبه كان يشتكي مر الشكوى منه ومن اهماله المتعمد، ولكن لشديد الأسف نرى ونسمع في هذا الوقت من يقول ان العراق في العهد الملكي كان مكتفي من الحنطة والشعير، بل ويصدرها الى اوروبا.
ولست أدري، ما قيمة الحنطة التي يصدرها العراق آنذاك وثلاثة ارباع شعبه فقراء وجائعين؟ او ما قيمة الحنطة المصدرة للعالم والنفط محتكر من قبل الشركات (الإنكليزية والفرنسية والأمريكية).

وبمناسبة الحديث عن تصدير العراق للمحاصيل الزراعية فهي ايضاً معلومات غير صحيحة، إذ أن الإنتاج الزراعي انخفض كثيراً في خمسينيات القرن الماضي، فبعد ان كان العراق في سنة ١٩٥٥ينتج ٤٣٥ ألف طن من الحنطة و ٧٥٧ ألف طن من الشعير و ٨٣ ألف طن من الرز والتي كانت هذه المجاميع من المحاصيل لا تكفي لسد حاجة العراق، فقد تم استيراد ٣٣،٩٤٣ طن حنطة و ٨،٠١٢ طن شعير في نفس السنة أي ١٩٥٥. (د. طلعت الشيباني/واقع الملكية الزراعية في العراق).

لكن المشكلة تكمن في الإعلام المضاد، فهو إعلام قوي ونجح بشكل باهر في غسل الأدمغة وفي تشويه سيرة الزعيم الخالد الذي يكاد ان يكون الوحيد من بين كل من حكموا العراق ولم يكن مرتبطاً بجهة او دولة أو حلف.

اخيراً فإن هذه الفئات لم تكن الوحيدة في العراق، فهنالك الضباط وايضاً هناك طبقة المثقفين وكلاهما سيأتي الكلام عنهما في الأجزاء اللاحقة.
فهل بقي من شك في عنوان الموضوع؟

الى هنا يكون قد انتهى الجزء الثالث ويليه الرابع عن السياسة الخارجية للعهد الملكي.