لماذا الزعيم عبد الكريم قاسم…الجزء الثاني


هشام جمال داوود

2020 / 6 / 14

كما ذكرت في نهاية الجزء الأول بأن هذا الجزء سيكون عن النظام الملكي لأشرح أوضاع العراق في ظله بشكل مختصر ليفهم الجيل الجديد ويعرف السبب الحقيقي الذي من اجله اندلعت ثورة ١٤تموز.

فالنظام الملكي وقبل الحديث عنه اود الإشارة الى شيء مهم جداً، هو ان الكثير من العراقيين اليوم إذا ما تم ذكر هذا النظام امامهم، يذهب ذهنهم وتصوراتهم بأن العراق سيكون حاله من حال كل الدول ذات النظام الملكي في اوروبا او الخليج، وهذا الكلام لا صحة له على الإطلاق.

علينا أولا ان نعرف الظروف التي تسببت لمجيء هذا النظام الى العراق.
إذ انه ولد نتيجة خروج العراق من يد محتل ووقوعه بيد محتل آخر (الدولة العثمانية – بريطانيا)، هذا أولاً.

ثانياً ولنتيجة اتفاق بين قوى استعمارية لتقاسم النفوذ (بريطانيا- فرنسا) تقرر أن يكون نوع النظام في العراق ملكياً، أي في كلا الحالتين لا رأي للشعب العراقي في اختياره.
وجدت بريطانيا نفسها امام مأزق فعلي في العراق خصوصاً بعد الخسائر في صفوفها بسبب اندلاع ثورة العشرين ضدها وضد تواجدها.

فارتأت الى تشكيل حكومة عراقية لكن يجب ان تكون تحت الانتداب (أي شبه استعمار) وعلى هذا الأساس جاءوا بفيصل الأول ملكاً على العراق والعراقيين الذين لم يعرفوه طوال عمره البالغ آنذاك ٣٨ عاماً، ولم يسبق ان رأوه او سمعوا باسمه.

كذلك جاءت بريطانيا بدستور عراقي كان قد عُد مسبقا في وزارة المستعمرات وشرعه وصادق عليه مجلس النواب العراقي الأول سنة ١٩٢٥ دون أي تعديل فيه أي كما استلموه من المندوب السامي البريطاني و صادقوا عليه طبق الأصل.

استمر النظام الملكي في العراق من ١٩٢٠ الى ١٩٥٨، تشكلت خلال هذه الاعوام عدة مجالس للوزراء بلغ عددها ٥٩ مجلس.
شغل منصب رئيس الوزراء:
نوري السعيد ١٤ مرة وجميل المدفعي ٧ مرات وعبد المحسن السعدون ٤ مرات ورشيد عالي الكيلاني ٤ مرات وعبد الرحمن النقيب ٣ مرات
وتوفيق السويدي ٣ مرات وعلي جودت الايوبي ٣ مرات. (المصدر: عبد الرزاق الحسني/ تاريخ الوزارات العراقية).

هذه الأرقام تعني ان سبعة اشخاص شكلوا ٣٨ وزارة من أصل ٥٩ وعلى امتداد ٣٨ عاماً.
كانت هذه الوزارات عبارة عن احتكار لشخصيات معينة وكأنه لا يوجد غيرهم في العراق.

وأغلب الأحيان يكون الفرق بين الوزارات ضئيل جداً متمثلا بتغيير وزير واحد فقط ، وبعض الوزارات حلت وشكلت وزارة أخرى بنفس أسماء الوزارة التي سبقتها مع تغيير المناصب، فمثلاً الفرق بين الوزارة السعيدية الثالثة و السعيدية الرابعة والتي شغل في كلتيهما نوري السعيد منصب رئيس الوزراء و وزير الخارجية، كان الفرق هو أن ناجي شوكت الذي كان وزير الداخلية في الوزارتين لم يكمل عمله في الرابعة وقام بتقديم استقالته مما اضطر نوري السعيد ان يصبح وزيرا للداخلية بالوكالة ويعين علي جودت الايوبي ليكون وزيرا للخارجية بدلاً عنه.

يقول السياسي المخضرم (نصير الجاد رجي) في مذكراته عن نوري السعيد..
((عشق الحكم كالمراهق الذي لا يستطيع مفارقة عشيقته، ولم يستوعب التطورات والتغيرات التي طرأت على العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وانتشار الأفكار الحديثة في كافة أرجاء المعمورة ومن ضمنها العراق، والتطورات الفكرية التي دخلت إليه، القومية والديمقراطية واليسارية، رغم تبنيها من فئات كبيرة من الشعب العراقي)).

مما لابد ذكره هو أن أول رئيس للوزراء السيد عبد الرحمن النقيب لم يكن راغباً بنظام حكم ملكي في العراق وكذلك طالب النقيب، إذ كانا يفضلان الحكم الجمهوري بدل إسناد ملكية العراق الى أنجال الشريف حسين، وهذا ما جاء في رسائل المس بيل في ٣٠ تموز١٩٢١ وكما يلي (الرسائل تتوارد الينا بأن قبائل الفرات الأدنى يحضرون العرائض ويطلبون الحكم الجمهوري)، هذا يعني ان الملكية لم تلقى الترحيب في العراق من ايامها الاولى. (محمد كاظم علي/العراق في عهد قاسم).

أما الديمقراطية فكانت غائبة في العهد الملكي، اذ أن الانتخابات كانت غير حقيقية ولا نزيهة وان قوائم المرشحين كانت تحدد من قبل الوزراء او البلاط الملكي، ولتعزيز هذا الكلام بالأدلة فإن الأستاذ حسين جميل في كتابه الموسوم (العراق الجديد) ذكر ما جاء على لسان نوري السعيد داخل البرلمان العراقي سنة ١٩٤٤ إذ قال السعيد مخاطباً النواب:

((هل في الإمكان، أناشدكم الله، أن يخرج أحد نائباً مهما كانت منزلته في البلاد ومهما كانت خدماته في الدولة ما لم تأت الحكومة وترشحه، فأنا أراهن كل شخص يدعي بمركزه ووطنيته فليستقيل الآن ويخرج، ونعيد الانتخابات ولا ندخله في قائمة الحكومة، ونرى هل هذا النائب الرفيع المنزلة الذي وراءه ما وراءه من المؤيدين يستطيع أن يخرج نائباً)).

هنا صار ضرورياً أن أتقدم بعنوان المقال على شكل سؤال، لماذا الزعيم؟
لماذا يتم اتهامه بالديكتاتور؟ وأنه كان يمنح لنفسه كل المناصب؟
وإنه حول نظام الحكم الى حكم العسكر علماً ان سبعة من رؤساء الوزراء في العهد الملكي كانوا ضباط في الجيش أثناء توليهم رئاسة الوزراء؟

اليس هذا كلام العامة من الناس من أبناء العقود الاربعة؟ ومعهم أنصار الملكية وأعداء الزعيم من البعثيين؟

السبب من وراء ذلك وارجوا التركيز عليه بشكل خاص:
((أن الاعلام المضاد قوي جدا، ولا أحد ينكر ذلك، إذ أنهم وخلال فترتي حكمهم الأولى عام ١٩٦٣ والثانية من ١٩٦٨ الى ٢٠٠٣ قاموا ببناء جهاز إعلامي رصين وله باع طويل في الدعاية وتلميع صورتهم وتشويه صورة اعدائهم، وقاموا ايضاً ببناء كوادر إعلامية كبيرة وذات كفاءة عالية جداً دربت واعدت كوادر جديدة والجديدة اعدت أخرى وهكذا، ففي كل عقد من الزمان في الفترات المذكورة يكملوا عدد غير قليل من الإعلاميين من ذوي الخبرة الممتازة)).

أما أنصار الزعيم المغدور وهم اليسار العراقي المتكون من الشيوعيين والقاسميين، كان موقفهم ضعيف مقابل المد الهائل من الإعلام البعثي، ويكادوا ان يكونوا لا شيء أمامه طيلة العقود الأربعة.

والشيوعيين اكتفوا بمؤلفيهم وكتبهم وكتابهم وصحافييهم الذين لا يكتبوا إلا في جريدة الحزب الشيوعي (طريق الشعب) والتي سابقاً كان لا يقرأها إلا الشيوعيين واصدقائهم، وبعد التغيير أصبح قرائها هم الشيوعيين وحدهم، أما الآن فأكاد اجزم بأن حتى الشيوعيين نصفهم لا يقرؤونها.
وبقوا متمسكين بنفس أسلوبهم في الكتابة المليء بكثرة المصطلحات الفلسفية التي يصعب على غيرهم خصوصا من أبناء الأجيال الأصغر منهم ان يفهموها، لذلك فإن كتاباتهم صعبة ومملة بالنسبة لأبناء هذا العصر.
واخيراً كأنهم اكتفوا بما كتبه المفكرين الشيوعيين أمثال فالح عبد الجبار وكاظم عبد حبيب وغيرهم، ظناً بأنها كافية لتوعية الشباب من الجيل الجديد.

على عكس البعثيين الذين استغلوا كل الوسائل الممكنة بحكم موقعهم في السلطة كما ذكرت في الجزء الأول، وليس هذا فحسب إنما واكبوا الزمن والتطور، فمثلاً منذ سقوط نظامهم ٢٠٠٣ لغاية ٢٠١٢ تقريباً كان تركيزهم على المقالات في المواقع الالكترونية وتدريجياً صار تركيزهم على الفيسبوك من خلال الصفحات الخاصة بنشر افكارهم وبعض الأحيان على المقابلات المسجلة والتي يتم تداولها عن طريق أجهزة الهواتف الذكية، أي أنها خطوة مدروسة في الانتقال المتماشي مع رغبات الشباب حسب الزمن وحسب ذائقة القراء، بعد ذلك ولكونهم أصحاب خبرة في الاعلام صار تركيزهم على الفيديو ونشره على موقع يوتيوب ومن ثم مشاركته على التواصل الاجتماعي، وكلامهم مستمر في تلميع ماضيهم من خلال الكذب وتزييف الحقائق وتزوير التاريخ لأن البعث منذ تأسيسه الى اليوم وكأنه يرفع شعار ( الكذب خير سلاح لرفع المعنويات).
ولكونهم يعرفوا أنهم بلا مستقبل وان حاضرهم مشبوه بسبب فضحهم بتورطهم في قيادات القاعدة وداعش (اذ ان اغلب قيادات داعش هم بعثيين)، لذلك لم يتبقى لهم سوى الماضي ليكذبوا فيه ويجملوا قبحهم وينكروا جرائمهم وبنفس الوقت يشوهوا صورة الزعيم والقاسميين والشيوعيين.
وذلك لمعرفتهم بأن الماضي هو الشي الوحيد المتبقي لهم ويجب تزويره وإلا فسوف يكونوا (بلا ماضي ولا حاضر ولا مستقبل).

اخيراً ولكي يصبح الموضوع أكثر ترابطاً اود ان اشير الى مسألة مهمة جداً وهي الهدف الذي يعمل عليه هؤلاء وهو:

(تجميل صورة النظام الملكي أي الفترة ما قبل حكم الزعيم + تقليل من شأن وسيرة الزعيم عن طريق الكذب والتلفيق + تلميع وتجميل فترة ما بعد الزعيم الى سنة ٢٠٠٣).
ويؤيدهم بذلك أنصار الملكية والذين أغلبهم في الوقت نفسه لا يعرفوا سوى الأسماء والعناوين عن الفترة الملكية، فلا غرابة مطلقاً أن يكون تأثيرهم موجود على الطبقة الشبابية التي سيطروا عليها من خلال ما تم ذكره أعلاه.

وما صدام حسين سوى خير مثال على البعثي الكاذب، فكل العراقيين يتذكروا كيف كان يهان ويذل في الحروب وبعدها يخرج متباهياً بالنصر دون خجل او أدنى مراعاة لمشاعر الناس.

عودة الى النظام الملكي وكلمة نوري السعيد من داخل البرلمان، فقد تبين أن في العشرين سنة الأخيرة تقريباً أصبح البرلمان بلا أي أهمية بالنسبة للناس بل ومكروه وغير مرحباً به، اذ كان وكأنه مقسم اجتماعياً حسب ضوابط ومحسوبيات، ومن الضروري ذكره ان مجلس النواب في العهد الملكي ومنذ تأسيسه سنة ١٩٢٥ لم يدخله أي عامل او فلاح وهم الذين كانوا السواد الأعظم بين أفراد الشعب، فقد كان أعضاء مجلسي النواب والأعيان عبارة عن أبناء الطبقة البورجوازية ورؤساء الإقطاع والشيوخ وكبار الملاكين والرأسماليين.

وايضاً لم يكن له أي أهمية بنظر الحكومات، فد كانت الوزارة هي المشرفة على الانتخابات وليس مجلس النواب وتتدخل بأسماء الفائزين بشكل سافر، يقول الأستاذ الراحل غائب طعمة فرمان في كتابه الموسوم/ الحكم الأسود في العراق:

(ان كل الانتخابات التي أجراها نوري السعيد أصبح بعدها زعيم الأغلبية النيابية وفي بعض الأحيان كانت الحكومة تستدعي متصرفي الالوية وتعطيهم قوائم النواب الذين يجب ان يفوزوا).

كذلك لم تكن تلك الحكومات مهتمة بأحوال الشعب وامور الناس عناية تامة، ويمكن ان نقول انها كانت معنية بأحوال الشرطة و تصرف عليها مبالغ كبيرة جداً وتجهيزها بشكل جيد لاستخدامها في سياسات القمع وتزيد من اعدادها وأصبحت للحكومة شرطة سرية تتعقب أمور المواطنين في المدارس والكليات والمقاهي والسينما وتنحصر مهماتها في تقديم تقارير يومية عن سلوك الناس (فرمان/نفس المصدر السابق).

وفي العقد الأخير من عمر الملكية أي منذ سنة ١٩٥٠ ازداد القمع السياسي بشكل كبير حيث بدأت تصدر المراسيم بإسقاط الجنسية العراقية عن أي شخص محكوم وفق قانون العقوبات البغدادي الخاص بمحاربة الشيوعية، وبهذه الحجة كانت تشن الهجمات ضد كل القوى الوطنية المناهضة للملكية آنذاك وأيضا كل شخصية كانت تقف بالضد من حلف بغداد (عبد الرزاق الحسني/تاريخ الوزارات، غائب طعمة/ الحكم الأسود).
هذه السياسة القمعية أسفرت عن حالة لا يعرفها من يتغنى بالملكية من أنصارها، وحقيقة لا اعرف جوابهم ورأيهم بعد ان يعلموا باستهتار نوري السعيد وهي حادثة الانتخابات التي أجراها مباشرة بعد هذه الممارسات القمعية ((حيث كانت النتائج نموذجية في التزوير لم يشهد العراق انتخابات على غرارها فقد كان المرشحون غير الحكوميين يتم اعتقالهم والشرطة تمنع كل مشتبه فيه حتى من حق التصويت ونتيجة كل ذلك فاز ١١٥ نائب بالتزكية من مجموع ١٤٥)). (د. فاضل حسين/تاريخ الحزب الوطني الديمقراطي-وايضا الحسني/تاريخ الوزارات).

وفقاً لما تم ذكره، هل المحاصصة بدأت على يد نوري السعيد؟

الى هنا انتهى الجزء الثاني، والجزء الثالث سيكون عن الشعب العراقي وأوضاعه في العهد الملكي.

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=681069#