قد يدخل ترامب التاريخ باعتباره آخر رئيس للكونفدرالية

كان ينبغي أن يحدث ذلك قبل 155 عاماً، عندما استسلم (روبرت إي لي) لـ(أوليسيس إس غرانت) في أبوماتوكس1، ولكن ربما – ربما الآن فقط – وصلت الحرب الأهلية إلى نهايتها أخيراً. وربما سيدخل دونالد ترامب، وليس جيفرسون ديفيس2، التاريخ باعتباره آخر رئيس للكونفدرالية.

◘واشنطن بوست- يوجين روبنسون
◘ترجمة قاسيون

الرموز (مثل الأعلام والنصب التذكارية) هي أشياء مهمة، لأن ما ترمز إليه هو رؤيتنا لأنفسنا كأمة: الأبطال والمعارك والحركات والتضحيات والمثل التي نكرّمها. لذلك عندما أرى حشوداً متعددة الأعراق تسقط تماثيل الجنود والسياسيين الكونفدراليين3، عندما أرى قادة عسكريين محترمين يجادلون بأن مواقع الجيش لا يجب أن تحمل أسماء الجنرالات الكونفدراليين، عندما أرى4 NASCAR تحظر عرض علم المعركة الكونفدرالية في سباقاتها – بعد أن شاهدت كل هذا، أترك للأمل فرصة الانتصار على التجربة، وأسمح لنفسي أن أتخيل أن هذه ربما تكون لحظة تحول بالفعل.

كما هي الحرب الأهلية نفسها، فإن «القضية الضائعة»5 تدور ببساطة، وبشكل كامل، حول «التفوق الأبيض». لا علاقة لذلك بـ«التراث» أو «التقليد» أو أي هراء شاذ من هذا القبيل. لم يكن لدى عصابة “تحرير ميشيغان” المدججة بالسلاح والتي غزت مبنى الولاية في لانسينغ، برعاية الرئيس ترامب، أي سبب تاريخي للتلويح بالعلم الكونفدرالي. تمثل هذه اللافتة الركبة التي بقيت على أعناق الأمريكيين الأفارقة ليس فقط لمدة ثماني دقائق و46 ثانية، وهو الوقت الذي قضاه ديريك تشوفين في سحق حياة جورج فلويد، ولكن لمدة 401 عاماً.

استسلام لي لم ينهِ شيئاً، لأن الأمة لم تبدأ حتى في حل مسألة «التفوق الأبيض». خُنقت إعادة الإعمار6 في مهدها؛ لم تتم محاولة المصالحة العرقية الحقيقية حتى. لم يتم نصب تمثال ديفيس في ريتشموند، الذي أسقطه المتظاهرون ليلة الأربعاء، حتى عام 1907. مثل كل آثار «القضية الضائعة» تقريباً، تم بناؤه خلال الحقبة الانتقامية، عندما كان البيض الجنوبيون يحتفلون بهيمنتهم المستعادة على الأمريكيين الأفارقة عبر قوانين جيم كرو القمعية7 وإرهاب كو كلوكس كلان8.

يتذكر الكثيرون أن العلم الكونفدرالي في ولاية كارولينا الجنوبية قد أزيل في عام 2015 بعد مذبحة تسعة من المصلين الأمريكيين من أصل أفريقي من قبل متعصب أبيض في إيمانويل إيه إم. الكنيسة في تشارلستون. قلة يدركون أن العلم العنصري قد تم تثبيته في مقر الدولة ليس في عام 1861 ولكن بعد ذلك بقرن، في عام 1961، عندما كان السود الكارولينيون السود مثل والدي يحرضون من أجل حق التصويت.

أثار مقتل فلويد لحظة وطنية في الحساب مع عنف الشرطة والتفوق الأبيض. لكن موقف إدارة ترامب هو أن العنصرية النظامية لا وجود لها حتى – أن مشاكلنا العرقية غير المفحوصة والتي لم تتم معالجتها كلها تعود إلى “تفاحات فاسدة” قليلة هنا وهناك.

ربما في محاولة لكسب ميزة سياسية – وربما، كما تشير الكثير من الأدلة، لأنه ما يعتقده حقاً – استغل ترامب هذه اللحظة إلى جانب تفوق «القضية الضائعة» الأبيض. تبدو تغريداته الشاملة لـ “LAW & ORDER” مثل جورج والاس عندما كان حاكم ولاية ألاباما. ويذكرني مطلبه برد عسكري على الاحتجاجات بول كونور، مفوض برمنغهام للسلامة العامة الذي هاجم المتظاهرين الحقوقيين غير العنيفين بخراطيم المياه والكلاب الشريرة.

عندما تم الإبلاغ عن أن مسؤولي الجيش رفيعي المستوى منفتحون على تجريد أسماء الجنرالات الكونفدراليين من المناصب العسكرية مثل Fort Bragg و Fort Benning و Fort Hood، رد ترامب على الفور. وغرد يوم الأربعاء أنه “لن يفكر حتى في إعادة تسمية هذه المنشآت العسكرية الرائعة والأسطورية”.

ادعى ترامب، بشكل مثير للسخرية، أن الأسماء هي إلى حد ما جزء من تاريخ الأمة في الفوز والانتصار والحرية. قد يكون جاهلاً تاريخياً بما يكفي لعدم معرفة أن الجنرالات المعنيين كانوا خونة مشهورين نسبة للمعارك التي خسروها بالذات وليس لأي من انتصاراتهم. الانتصار النهائي كان للاتحاد، وليس للكونفدرالية؛ والهدف من التمرد هو حرمان الأميركيين الأفارقة من الحرية. أو قد يعرف هذه الحقائق ولكنه يعتقد أن قاعدته السياسية لا تعرف.

بعد ذلك بساعات فقط، حظرت ناسكار العلم الكونفدرالي. وإذا كان هناك مكان رياضي واحد قد يفكر فيه ترامب كمساحة آمنة، فسيكون سباق ناسكار – حتى الآن. تباً، قد أذهب لمشاهدة سباق عندما ينتهي الوباء.

يجب أن يشعر ترامب بالحيرة. إن المناشدات غير العنيفة للعداء العنصري (علينا أن نتذكر أكاذيبه “العارضة”9) عملت لصالحه دائماً في الماضي، ولكن يبدو الآن أنه يستخدم هذه الأساليب بشكل هائل. إذا اتضح حقاً أن «القضية الضائعة» قد ضاعت أخيراً، فإن رئيسها نفسه، والذي جعل من نفسه بطلاً، سيضيع معها.

هوامش:

[1] محكمة أبوماتوكس في فرجينيا هي المكان الذي أعلن فيه الجنرال روبرت لي قائد قوات الجنوب في الحرب الأهلية الأمريكية استسلامه للجنرال أوليسيس غرانت في التاسع من نيسان عام 1865. مع هذا الإعلان انتهت الحرب الأهلية الأمريكية التي استمرت قرابة 5 أعوام والتي كان طرفاها الأساسيان هما 7 ولايات جنوبية طالبت بالانفصال وامتد نفوذها خلال الحرب إلى 11 ولاية أخرى، بمقابل ما تبقى من 34 ولاية أمريكية في حينه. 

[2] (1808-1889) هو الرئيس الوحيد لما سمي (الولايات الكونفدرالية)، وهي الولايات الجنوبية التي أعلنت انفصالها عن الولايات المتحدة عام 1861، لتنطلق الحرب الأهلية مع ذلك الإعلان، وحتى عام 1865 حيث تم حل هذه “الدولة” باستسلام الانفصاليين.

[3] المقصود هو جنرالات وسياسيو (الولايات الكونفدرالية).

[4] رالي شهير للسيارات في الولايات المتحدة أقيم لأول مرة عام 1949.

[5] Lost Cause هو عنوان عام لمجموعة من التفسيرات غير العلمية لأسباب الحرب الأهلية الأمريكية، والتي تروي التاريخ من وجهة نظر الانفصاليين المهزومين. جوهر هذه الرواية هو إسقاط قضية العبودية من كامل القراءة التاريخية للحرب، وبالمقابل التأكيد على جوانب مثالية وقيمية وهمية متعلقة بنبل وسمو وأخلاقية «العرق الأبيض».

[6] «عصر إعادة الإعمار»، هو المرحلة من التاريخ الأمريكي الممتدة من 1863 حتى 1877، والتي يروي التاريخ الرسمي أنها أعادت الوحدة الوطنية وعززت الحكومة وأعلنت منح العبيد المحررين حقوقهم المدنية.

[7] هي مجموعة من قوانين الفصل العنصري ضد السود، والتي بدأ تطبيقها بعد «عصر إعادة الإعمار» في إطار سحب المكتسبات التي حصل عليها السود، وبقيت مطبقة حتى عام 1965.

[8] إحدى أشهر العصابات الإجرامية العنصرية في العالم، والتي كانت تمارس أعمال القتل والتشنيع ضد السود في الولايات المتحدة. وقد ظهرت للمرة الأولى بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية مباشرة.

[9] المقصود هو تشكيك ترامب بمسقط رأس سلفه أوباما، حيث ادعى أنّه لم يولد في الولايات المتحدة أصلاً، في إشارة إلى أصوله الأفريقية وتالياً إلى عدم أحقيته في الترشح لمنصب الرئاسة.

المصدر: واشنطن بوست