سيريتل… «قضية ضريبية»؟

تتفاعل حتى اللحظة قضية سيريتل ورامي مخلوف، رئيس مجلس إدارتها، وتخلفه عن سداد استحقاقات مالية للدولة. وبينما يجري إغراق وسائل الإعلام -«المعارض» و«الموالي» والخارجي- بتحليلات من كل شاكلة ولون، نرى محاولات بيّنة لتوظيف المسألة للترويج لثلاثة أوهام كبيرة، بغرض إخفاء حقيقة واحدة جوهرية.

الوهم الأول، هو أنّ المسألة برمتها تعكس صراعاً وتقاسماً طائفي الطابع ضمن النخب الحاكمة؛ إذ ليس هنالك «أفضل» من الستار الطائفي لتضليل الناس ولتغطية الحقائق.

الوهم الثاني، هو أنّ «قضية رامي» تعكس صراعاً إيرانياً روسياً؛ ونرى ضمن هذا الوهم روايات عديدة متضاربة، فتارة يكون رامي «روسياً»، وتارة أخرى «إيرانياً»، وفقاً لمزاج المؤلف.

الوهم الثالث، هو أنّ ما تقوم به «الحكومة» اتجاه سيريتل، هو خطوة كبيرة ضمن «عملية مكافحة الفساد»؛ هذه العملية المستمرة منذ عقود طويلة، والتي كانت نتيجتها دائماً وأبداً أن الفساد كان يكبر ويكبر ويتعملق ويلتهم قوت الناس وتعبهم ودماءهم بشكل متزايد يوماً بعد آخر.

إنّ محاولة إيهام الناس بأنّ محاربة الفساد قد بدأت عبر تحصيل الاستحقاقات غير المدفوعة من سيريتل، والتي يمكن إدراجها تحت خانة «التهرب الضريبي»، هي محاولة شديدة البؤس؛ الفساد في سورية هو فساد منظومة بأكملها، فساد كبير ومتغول ويسيطر على مفاصل جهاز الدولة ولا يمكن اقتلاعه بحال من الأحوال بأيدي المستفيدين منه، بل حصراً بأيدي المتضررين، أي بأيدي عموم الشعب السوري، وعبر الحل السياسي.

سيريتل ليست أكثر من مثال واحد على فساد المنظومة، وهذا الفساد ليس مقتصراً على عدم دفع استحقاقات الدولة أو التأخر في دفعها، بل ابتداءً من تأسيسها وتوقيع العقد معها وصولاً إلى نسف العقد نفسه لمنع انتقال ملكيتها كاملة للدولة عام 2015، وبقرار حكومي؛ أي أنّ «الحكومة» تبرعت بشرعنة سرقة أملاك الدولة، وعلى الملأ.

الحقيقة الجوهرية التي تسعى الأوهام السابقة لإخفائها، لها جانبان أساسيان. الأول هو أن نشوء ومسيرة سيرياتل هما تعبيران عن جوهر علاقات اقتصادية اجتماعية نيوليبرالية تقوم على ركنين ثابتين متلازمين: فساد كبير في الداخل مترافق مع تخريب كل إنتاج حقيقي، وتبعية اقتصادية -كانت ولا تزال- للغرب.

الثاني أنّها مجرد مؤشر على أنّ الفاسدين الكبار، ولمعرفتهم اليقينية بأنّ التطبيق الكامل للقرار 2254 بات على مرمى حجر، بما يعنيه ذلك من تغيرات كبرى قادمة، قد بدؤوا عملية مركزة عالية للثروة، بوصفها أداة أساسية (من وجهة نظرهم) سواء في المرحلة الحالية (لإعاقة وتأخير الحل)، أو في المرحلة اللاحقة، للعمل السياسي ولمحاولة الحفاظ على الهيمنة على اتجاهات التطور المستقبلي لسورية.

بالمحصلة، فإنّ سيريتل ليست «قضية ضريبية»، بل قضية اقتصادية اجتماعية وسياسية بجوهرها، كما الحال مع الفساد الكبير ككل. وحلّها لا يكون باستبدال ناهبين بناهبين، وإنما باجتثاث الشريحة الناهبة بأسرها، والتي سرقت وأفقرت ودمرت الدولة والشعب على مدى عقود طويلة، يداً بيد مع التخريب والنهب الغربي بأشكاله المتنوعة، سواء ما ظهر منه خلال سنوات الأزمة والعقوبات والإرهاب، أو ما ظهر قبل ذلك تحت أشكال وأسماء متنوعة.

معلومات إضافية

قاسيون: العدد رقم:965