افتتاحية قاسيون 958: الحضارة البشرية أمام مفترق طرق

تتصاعد الأزمة العالمية يوماً بعد آخر، بمركباتها الاقتصادية والسياسية والإنسانية. ويتصدر فيروس كورونا العناوين رغم أنّ تأثيره ليس أقل كارثية على الإطلاق من تأثير أزمة أسعار النفط.

وإذا كان بعدا الأزمة الاقتصادية الظاهران، والمتمثلان في كورونا والنفط، يفعلان فعلهما في ظل النظام الدولي القائم، فإنّ أبعاداً أكثر عمقاً هي ما تشكل مستقبلات هذه الأزمات، والثغرات الكبرى التي تنفذ منها. على رأس تلك الأبعاد، بنية النظام الدولي القائم ككل، بما هي بنية رأسمالية بالمعنى العام، وأكثر من ذلك، بما هي تجسيد لأعمق درجات التوحش النيوليبرالي، وخاصة في الغرب.

ولعل من فضائل الأزمة الراهنة، أنها فتحت عيون سكان الكوكب على اتساعها للنظر مجدداً في ما كان يعتبر خلال العقود القليلة الماضية في إطار المسلمات التي لا جدوى من النقاش فيها. وعلى رأس تلك «المسلّمات»، النيوليبرالية بوصفها «نهاية التاريخ».

ابتداء من الثمانينات، جرى ترويج النيوليبرالية ومحاولة تعميمها، ضمن قالب من المصطلحات المتعلقة بالحرية الفردية وحقوق الإنسان وضرورة تحييد دور الدولة الاجتماعي بشكل كامل أو شبه كامل لمصلحة الشركات الكبرى.

يرى الناس اليوم بأمّ أعينهم، وفي الغرب قبل الشرق، الشركات الكبرى التي سلّمت الحكومات أمرها لها، وهي تمارس أشدّ درجات الوحشية واللامبالاة تجاه مصائب الناس ومشاكلهم؛ يرونها وهي تضخ ترليونات الدولارات لإنقاذ البورصة، بينما ترفض حتى إعطاء إجازات مدفوعة للعمال لحمايتهم من الوباء.

بالتوازي مع ذلك، يُشرق أمام الناس نموذج مختلف، نموذج لطالما ألصقت به الدعاية الغربية شتى أنواع الشرور. ويسطع كبديل إنساني لمنظومة لم يعد تناقضها محصوراً في العلاقة بين قلة قليلة تملك القسم الأعظم من ثروات الأرض وتلقي الأغلبية الساحقة في هاوية الفقر والبطالة والأمراض، بل وبات تناقضها واضحاً ومكشوفاً مع الطبيعة ككل، ليس فقط في تلويثها وتعجرفها تجاهها فحسب، بل وفي استهتارها بحياة الناس وبمصيرهم.

في أتون الأزمة الراهنة، يتضح أيضاً أن شتى أنواع الألعاب المالية التي أمّنت بالتضافر مع الحروب والكوارث مخارج مؤقتة للمنظومة من أزماتها، باتت اليوم عديمة الجدوى، ولعل أوضح ما يقال في هذا الصدد: هو أن سياسات التيسير الكمي والضخ الدولاري المجنونة التي يقوم بها الفيدرالي، تثبت انعدام جدواها، بل ومساهمتها في تعميق الأزمة بشكل إضافي ومتسارع.

التوازن الدولي الجديد الذي طالما أكدت قاسيون على محوريته في قراءة كل ما يجري في العالم وفي سورية، يخطو الآن خطوة عملاقة إلى الأمام. وريثما تكتمل هذه الخطوة التاريخية، فإنّ من الضروري مراجعة كل «المسلّمات» التي سادت عبر عقود مضت، بما في ذلك في سورية نفسها.

في سياق مراجعة «المسلمات»، فإنّ تعطيل الذهاب باتجاه الحل السياسي الذي يمارسه متشددون من الطرفين، وبوسائل متعددة تتلاقى في أهدافها وإن بدت متناقضة في مظهرها، ستؤدي إلى كشف ذلك التلاقي بصور أكثر جلاءً ووضوحاً أمام عيون السوريين، وهو أمرٌ لا بد منه في سياق الدفع نحو تطبيق شامل للقرار 2254 الذي يمثل تطبيقه الحصّة المترتبة علينا كسوريين، في إنجاز الخطوة العالمية الكبرى نحو عالم جديد.

https://kassioun.org/politics/item/64304-2020-03-22-18-29-51
.