مصير “النظام الشيعي” في العراق

يوسف محمد طه

مدخل عام

لقد مرت على التجربة العراقية المتعلقة بفكرة الدولة والنظام السياسي، منذ احتلاله من قبل الولايات المتحدة وحلفائها حوالي ستة عشر عاما. وهي فترة كافية لكي يجري تقييمها بمختلف جوانبها. الامر الذي يجعل من هذا التقييم ضرورياً من اجل مواجهة الوضع الراهن وآفاقه والاحتمالات المختلفة الكامنة فيه.

فاذا كانت الدكتاتورية العنيفة لسلطة البعث قد ادت الى سيادة “منظومة” القمع والارهاب والخراب، فان الاحتلال ومرتزقته أوغلوا في تخريب وخراب العراق، وادخلوه في مأزق حاد ـأشد خطورة وتعقيدا مما سبقه. بمعنى ، ان النظام العراقي الحالي هو استكمال للدكتاتورية والأكثر توسيعا في مجال التخريب الشامل للدولة والنظام السياسي والمجتمع والقيم. وبالتالي، فان البديل المنشود للعراق لابد ان يستند على تقييم كل تاريخ العراق المعاصر، منذ الاحتلال البريطاني للعراق في الحرب العالمية الأولى حتى الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003، مروراً بالأنظمة السياسية التي مرت في العراق أو التي مرت على العراق

ذلك يعني، ان هذا التقييم عرضة للتطور المستمر والذي تستدعيه اولا وقبل كل شيئ طبيعة ونوعية وكمية التغيرات الجارية في العراق. وبالتاليئن فان ما اضعه هنا هو تقييم أولي وفي خطوطه الكبرى. ومن ثم فهو قابل للتوسع والتعمق بما في ذلك خروجه الى المدى الإقليمي والعالمي.

النشوء والنمو والفشل والمصير

 لقد نشأ ونما “النظام الشيعي” الراهن في العراق في ظل وحماية الاحتلال الأمريكي. وكذلك في ظل التواطؤ الإيراني مع الولايات المتحدة الامريكية في مجرى غزوها للعراق. وترتب على ذلك نشوء نظام سياسي هجين يتسم يقدر كبير من الفساد والتشرذم، بوصفها الملامح الظاهرية لطبيعة التناقضات الجوهرية الكامنة فيه.

ولم يكن هذا معزولا عن العوامل والأسباب القائمة في أساس تكوينه. ومن ثم فيها ينبغي البحث عما نراه وما هو جلي من إشكاليات كثيرة وكبيرة. الامر الذي صنع سبيكة غريبة من حيث نوعيتها والتي يمكن ان نطلق عليها تسمية النظام الشيعي الامريكي الإيراني الهجين. بعبارة اخرى، ان هذا الوليد الهجين هو النتاج “الطبيعي” للزواج الامريكي الإيراني في العراق. وبالتالي، فان الدعاوي العلنية والظاهرية من جانب تلك القوى العراقية ذات الميول الإيرانية عما يسمى بمعاداتها للولايات المتحدة، تنسى كيف انها نفسها كانت وما تزال نتاج هذه العلاقة الخفية والعلنية التي جرى لضم خيوطها قبل وفي مجرى وبعد الاحتلال الامريكي للعراق. فقد كان الزواج الأمريكي الإيراني في العراق يتسم بقدر كبير من الباطنية والسرّية. لكنه مع ذلك معرف من حيث اسبابه الاولية وكيفية نشوئه ونموه واستمراره حتى اليوم، بغض النظر عن الخلافات الكبيرة والصراع العنيف بينهما.

لقد كانت وما تزال هذه الحالة مرتبطة بكيفية التعامل والخصومة بين ايران والولايات المتحدة في الساحة العراقية، التي جعلت من العراق ميدان الاختلاف الاستراتيجي بين الدولتين، بينما ليس للعراق استقلاله الخاص، رغم انه يمثل المحور  والمنطقة الأكثر أهمية بمعايير المصالح الجيوسياسية في المنطقة. الأمر الذي يترتب عليه جملة من الاسئلة الحساسة والحاسمة بالنسبة لمصير العراق وآفاقه، أي الاسئلة الأكثر أهمية فيما يتعلق بآفاق تطوره الذاتي واستقلاله التام واستعادة دوره المحوري في المنطقة. من بينم اهم هذه الاسئلة الآن هي: هل يمكن توقع حدوث طلاق بين ايران والولايات المتحدة الامريكية في العراق؟ ولماذا؟ وكيف؟ وما هي نتائجه؟ وذلك لما له من اثر كبير بالنسبة لمسار “النظام الشسعي” وافاق تطور الدولة العراقية.

وبغض النظر عما اذا سيحدث هذا الطلاق أم لا، فإن الأحداث اللاحقة سوف تكشف كل الأوراق السرية لهذه العلاقة. لكن الامر الجلي والواضح الان هو ان الصراع الأمريكي الإيراني له اثاره المدمرة في العراق.

طبيعة “النظام الشيعي” الحاكم في العراق

ان الصورة الجلية لهيمنة القوى السياسية الشيعية على مقاليد الحكم ما بعد الاحتلال الامريكي تكشف عن فشلها المريع في كافة المجالات والميادين والمستويات. اذ نرى مظاهر الفشل الشامل في الاقتصاد والمجتمع والتعليم والصحة وغيرها من الجوانب المهمة. بمعنى رؤية ملامح ومظاهر الخراب في جميع مفاصل الوجود الفعلي للدولة والمجتمع. بحيث تحول العراق إلى خراب شبه شامل.

ان أسباب الفشل عديدة ومختلفة. الا ان السبب الأساسي يقوم في ان القوى التي اشتركت في العملية السياسية الأمريكية كانت ضعيفة، كما ان همهما الأساسي كان متمحورا حول كيفية “بناء” نفسها وترتيب اوضاعها في السلطة. الامر الذي حدد نفسيتها وذهنيتها في التوجه صوب النهب والسرقة المتنوعة لاموال الدولة. وبالتالي لم يكن هم هذه القوى اعادة بناء الدولة ومرافقها الاساسية. وترتب على هذا الفشل جملة نتائج لعل اكثرها تخريبا وتدميرا هو توسيع وتعميق الهوة بين اطراف العملية السياسية الأمريكية ومحيطها الاجتماعي العراقي. وهي الهوة التي يمكنها ان تبتلع مع مرور الزمن القوى الانتهازية والفاسدة والفاشلة.

لقد ترتب على القوى السياسية الشيعية تحول العراق إلى مأتم وخراب وأرض فساد ونفاق ودجل وشعوذة. انها كشفت في محجرى حكمها السياسي لحد الان بانها لا تمتلك أي برنامج اصلاحي. وان “برنامجها” الوحيد الواضح والجلي هو تفعيل تقاليد واعراف العويل والبكاء على ماض لا علاقة لهم به! زانها خالية تماما وتجهل معنى ومضمون وادوات البناء الاجتماعي للدولة المعاصرة. انها تبكي وتنتحب على مظلومية الحسين بوصفها الوسيلة لاستدرار واستمرار التخرف والتجهيل والتحنيط المبطن للوعي الاجتماعي. من هنا انعدام الهموم الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع. بل انه غير وارد في حساباتها.

ان هذا الخراب المركب، أي ذاك الذي صنع طبقة جديدة من التخريب والتخريف الذي وضعت الدكتاتورية البعثية السابقة طبقاتها الاولية، قد ادى الى ردود فعل متنوعة ومختلفة من قبل القوى الاخرى غير الشيعية.

فقد كان رد السنّة ردا “داعشيا”. فقد كانت داعش عهي الرد السياسي السني على وضعهم الجديد. اما الأكراد، بوصفهم قوة هامشية في العراق فقد سعوا بمختلف الاساليب للانهماك المفرط في السرقة والابتزاز و”الانفصال” بفعل ضعفهم الذاتي.

بينما كانت سياسة القوى الشيعية تقوم في فرض هيمنتها عبر تصنيع ما يمكن دعوته بنظام الفساد والإفساد. ومن خلاله جرى ترويض القوى الأخرى. فالقوى السنيّة باتت تخضع للقوى الشيعية عبر ترويضها بقيم الفساد المالي والسلطوي. وينطبق هذا على القوى الكردية. اذ جرى اعادة اخضاعها عبر نفس آلية الفساد والإفساد. الامر الذي جعل من منظومة الفساد المالي والسلطوي “نظام الحكم” في العراق الحالي. وقد كان هذا هو اسلوب تكوين نظام سياسيي لإدارة العراق بقيادة القوى الشيعية عبر ترويض مختلف القوى، وليس عبر تنشيط وبناء المجتمع المدني ونظامه السياسي والاجتماعي والاقتصادي المعقول.

كل ذلك يوصلنا الى استنتاج عام وهو ان القوى السياسية الشيعية في طريقها لتكوين اكبر نظام سياسي فاسد في تاريخ العراق الحديث. وهو “الإنجاز التاريخي” الوحيد للقوى السياسية الشيعية العراقية الحالية. ان هذه الحالة والنتيجة الجلية تعطي لنا امكانية افتراض ان تكون نفس النتيجة في حال تولي الحسن بن علي بن ابي طالب الخلافة بعد ابيه. مع ما ترتب عليه من انعدام وجود الائمة المعصومين والأئمة الاثنى عشر والمهدي المنتظر. وهي الفرضية التي يمحكن رؤية ملامح ما فيها من نتائج ترتقي الى مصاف الرؤية المنطقية والحتمية القائلة، بان “النظام الشيعي” الحاكم في العراق الآن يحمل كل بذور هدمه من الداخل.

ان واقع الفساد والافساد يكمن فيما جرت الاشارة اليه سابقا، الا وهو ان الفاعل الاساسي في “برامج” القوى السياسية الشيعية هو “البناء الذاتي” للحزبية والتحزب. مما ادى الى ان تكون الهموم الكبرى والصغرى محكومة بسرقة اموال الدولة والمجتمع وتوظيفها من اجل مصالحها الضيقة والانانية. وهو امر جلي حالما ننظر الى كمية الموارد المالية التي حصل عليها العراق في ظل حكم الشيعة وكيفية توظيفها ونتائجها الواقعية.

فقد جرى توظيف الموارد المالية للدولة والسياحة الدينية اساسا مكن اجل بلوغ ما يمكن دعوته بإحكام الهيمنة الشيعية. فقد كانت موارد الدولة الاساسية تذهب الى الاحزاب السياسية الشيعية. اما السياحة الدينية ومواردها الهائلة فتذهب كاملة لها ايضا. اضافة الى منظومة التهريب المتنوع للثروات والاموال من خلال التحكم بشبكات سرق النفط وتهريبه، والتحكم بالمنافذ الحدودية والكمارك، والسيطرة غير المباشرة على تجارة المخدرات والمشروبات الكحولية وصالونات القمار والدعارة المبطنة.

ووجد كل ذلك انعكاسه في نوعية وكمية الفساد المميزة للهيمنة الشيعية. من هنا فقر وانعدام التنمية الصناعية والزراعية والخدمات. بينما جرى توظيف المال من اجل الاستحواذ على الفئات الاجتماعية قاطبة عبر تحوي الدولة الى مرضعة ومغذية لهما. وهذا بدوره كان ايضا احدى فنوات السرقة والنهب المبطن لموارد الدولة.  اننا نراه في حجم الترهل والامتيازات في المناصب وطرق توزيع الثروة.

ولعل ظاهرة المشاريع الوهمية والابتزار الملازم لها من بين اكثر النماذج والأساليب قذارة ودناءة في سياسة الاحزاب الشيعية السياسية قاطبة بدون استثناء. ففي حقبة نوري المالكي كان هناك حوالي 4600 مشروعا وهميا، بلغ مستوى السرقة وتبذير اموال الدولة والمجتمع ما يقارب 350 مليار دولار امريكي، حسب ما قالت به اللجنة البرلمانية المالية.

فقد كان الموازنات المالية للدولة في حقبة المالكي كانت كالتالي:

2007 حوالي 42 مليار دولار أمريكي

2008 حوالي 70 مليار دولار أمريكي

2009 حوالي 74 مليار دولار أمريكي

2010 حوالي 84 مليار دولار أمريكي

2011 حوالي 101  مليار دولار أمريكي

2012 حوالي 118 مليار دولار أمريكي

2013 حوالي 115مليار دولار أمريكي

2014 حوالي 150 مليار دولار أمريكي

كما اقترض العراق مبلغ 124 مليار دولار أمريكي من البنوك العالمية. ذلك يعني ان مبلغ انفاق الدولة بلغ خلال هذه الفترة  (2007 -2014) حوالي 943 مليار دولار أمريكي

 كيف تم انفاق هذا المبلغ خلال هذه الفترة؟ وما هي المبالغ الفعلية التي انفقت على تطوير الزراعة والصناعة والخدمات والبنية التحتية الأساسية للعراق؟ الاجابة عليها تبدو جلية من خلال لقد اتسمت فترة حكم نوري المالكي بإنفاق هائل وهدر كبير وسرقات وتهريب أموال طائلة، شكلت في كلها أساس القاعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية للفساد الذي بات يتحكم في العراق ومصيره.

وخلال هذه الفترة جرى التزاوج بين الدين والسياسة والمال والشعائر الشيعية كغطاء لأكبر عملية فساد وإفساد في تأريخ العراق الحديث. لقد أظهرت الأرقام التي نشرت أخيراً في 17 أيار 2019، المبالغ الهائلة التي تنفق على رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء والبرلمان، والوزراء والنواب وأعضاء مجلس الحكم، كما هو جلي في رواتبهم وتقاعدهم ومصروفاتهم وامتيازاتهم. وهي ظاهرة اضافة اخرى لمنظومة الفساد والافساد. بحيث جعلت من الطبقة السياسية قوة مستقلة بذاتها ولذاتهاو مهمتها الحفاظ على امتيازاتها، ومن ثم انفصالها شبه التام عن المجتمع. بمعنى بلورة تقاليد الاغتراب الشامل بين السلطة والمجتمع، بين النخبة السياسية والدولة.

كل ذلك جعل من “النخبة الحاكمة” الحالية طبقة متكاملة من اصحاب السرقة والنهب والاحتيال، باختصار طبقة عفنة ومزيفة بكافة المعايير والمقاييس. وترتب على ذلك استحالة الاعتماد عليها فيما يخص تطوير الدولة والمجتمع والانسان. كما انها طبقة غير قابلة للعلاج والاصلاح بفعل المنظومة التي جرى تركيبها وتأسيسها وغرسها بعد الاحتلال الامريكي عام 2003.

ان الإشكالية الكبرى التي تواجه الشعب العراقي في التغيير تقوم في مواجهته لطبقة متداخلة المصالح من اللصوص والانذال التي تحكم العراق وتتحكم به. فمن حيث الجوهر هي ليست فئة سياسية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمنة، بل كمية هي عبارة عن عصابات متعددة ومسلحة ذات ارتباطات خارجية عديدة ومختلفة، يجمعها امر مشترك هو نهب العراق بأي طريقة ممكنة وبأسرع وقت، والهزيمة ان حان وقتها.

كما يواجه العراق ازمة بنيوية حادة لعل الترهل الرهيب في عدد الوظائف المرتبطة بالدولة يفوق عددها في الصين! اذ يبلغ عدد الموظفين والمتقاعدين حوالي ستة ملايين وخمسمائة الف شخص (6500000) مقابل ثمانمائة وخمسين الفا ( 850 الف) قبل 2003. مع ما يترتب عليه من انفاق حكومي كارثي ليس بالمعنى الاقتصادي بل والسياسي والاجتماعي والاخلاقي. وذلك لان الوظيفة اصبحت اسلوبا للسرقة والابتزاز والرشوة والمحاباة والحزبية، أي كل ما يعمق الفساد الاخلاقي والاجتماعي ويجعله “منظومة” قائمة بحد ذاته اشبه ما تكون بديدان تنخر الجسد شبه الميت للعراق الحالي.

واذا كما النفط ثروة مهمة بالنسبة لتوظيفها في تطوير الامكانيات الاقتصادية والصناعية والعلمية للدولة، فانه تحول في ظروف العراق الى قوة تعيق التقدم وتكبحه وتعرقل امكانية تطوره التلقائي استنادا الى قواه المنتجة والعلم. فقد كان التحذير من الدولة الريعية سائدا في الأدب الاقتصادي العراقي منذ فترة طويلة جداً. لكنه لم يجد انعكاسه في السياسات الحكومية المتعاقبة. بل على العكس. لقد اصبح الوضع اكثر تفاقما. مما يجعل منه طاقة مخزونة ومأزومة وقابلة للانفجار وصنع الكوارث المميتة للدولة والمجتمع والعراق بحد ذاته.

ان تراكم المشاكل الهائلة في العراق له تاريخه الخاص. غير ان الاحتلال الامريكي قد فاقم هذه المشاكل وتحويلها الى معضلات اشد تعقيدا وتخريبا. ولعل اهم عامل في هذا التعقيد والتخريب هو تصنيع نظام هجين يعمل بآلية التفكيك والنوازع الطردية وتصعيب فكرة ونموج الوحدة الاجتماعية والوطنية العراقية.

فعندما نتأمل هذا التراكم، على الاقل من الناحية الزمنية، فمن الممكن رؤية ملامحه الظاهرية ومن ثم امكاناته الداخلية.

لقد بدأ ذلك بسقوط بغداد يوم 9 نيسان 2003. ثم فترة الحكم العسكري بشخصية جون غارنر. واستمر لفترة قصيرة جداً تكاد لا تذكر. وفيها نعثر على الفشل الأمريكي في حكم العراق. ثم تولية بول بريمر الحاكم المدني من 6 أيار 2003 حتى 28 حزيران عام 2004. وتميزت هذه المرحلة “التأسيسية” لهذا النظام الهجين من خلال صنع شبكة عنكبوتية تكبل العراق. وفيه جرى اشراك الجميع في الغنيمة والخيانة. تصنيع نظام بلا معارضة. اذ بغض النظر عن ملامح الفساد الشامل في الدولة ومؤسساتها ونظامها السياسي بشكل خاص، لا نرى اية معارضة فعلية، باستثناء النمهاترات الكلامية. واشدهم صراخا “بالنقد” اكثرهم فسادا. كل ذلك يكشف عن مرحلة بريمر هي مرحلة تأسيس مقدمات ومقومات الفساد السياسي الذي جعل الجميع بدون استثناء مشتركا بالفساد والافساد.

مجلس الحكم الانتقالي. وحكم اكثر من سنة بوصفها المظهر الحاري لحكم بريمر. لقد جعل من قادة احزاب “العملية السياسية” واجهة للاحتلال ودفاعا عنه.

المرحلة الانتقالية وكتابة الدستور، الذي استمر حوالي سنة واحدة

المرحلة الاولى والثانية لحكم نوري المالكي من 2006 حتى 2014.  وفيها جرى تجذير منظومة الفساد وإدارة المناصب بالوكالة والسرقة المنظمة، والتحزب، والمشاريع الوهمية، وصراع الالسن والمهاترات، والضعف والتفكك في كل شيئ. والاستثناء اللوحيد للثبات هو في توسيع وتمتين خيوط الشبكات المهتمة بالسرقة والمغامرة والابتزاز من أجل السرقة. وهي اتعس وأرذل مراحل ما بعد الاحتلال الامريكي. وقد وضع اجتياح داعش للعراق عام 2014 حدا لحكومة المالكي.

حكومة العبادي من عام 2014 حتى 2018. من أهم انجازاتها العامة الحرب والانتصار على داعش وأعوانها عام 2017. وما لازمه من تحجيم للدور الكردي في السياسية الداخلية والخارجية وإرجاعهم إلى خط ما قبل الاحتلال الامريكي. وهو واقع بكشف عن الوحدة الخفية بين داعش والحركة القومية الكردية بشكل عام واالبرزانية بشكل خاص.

حكومة عادل عبد المهدي عام 2018 جاءت بطريقة تتعارض مع الدستور وتكشف عن صعود روح المغامرة والاحتيال في السياسة الشيعية جميعا. تماما مثلما جرت الاطاحة بالمالكي. وبغض النظر عن مساهمته من جديد في دعم البرزانية ومحاولة نفخ الروح في جثة ميتة، فإن المسار العام هو اجهاض النزعة الانفصالية للأكراد. وهي عملية موضوعية في مجرى تطور الحركة السياسية العراقية.بمعنى انها تجري في موازاة حكم عادل عبد المهدي، لاسيما وانه شخصية عديمة اللون والرائحة والطعم.

كل ذلك يكشف عن بعض ملامح الحقيقة الآخذة في الوضوح والجلاء ألا وهي:

إن تراكم النظام السياسي الهجين ومنظومة الفاسدة التي تنخر فيه هو النتاج الذي لازم احتلال العراق من جانب الولايات المتحدة الامريكية.

وبالتالي، فان المسئولية التاريخية والأخلاقية والسياسية تقع على عاتق قوات الاحتلال الأمريكي وحلفائه. ومن ثم مسؤولية كل ما جرى فيه من دمار وتخريب مادي ومعنوي يقع على عاتق جميع الدول التي اشتركت في الحرب على العراق واحتلاله.

· ان يكشف عن مسؤولية القوى السياسية العراقية الانتهازية والخائنة في العمل من اجل صنع هذا النظام الهجين. ومن ثم فيه جرى وضع قواعد اللعبة الخربة للسرقة والنهب، مع ماة ترتب عليه من توسيع وتجذير الاستعداد للخيانة والعمالة للقوى الاجنبية. بمعنى انه كشف عن القوى السياسية العراقية الحالية جميعا بدون استثناء هي ليست قوى وطنية عراقية. 

·  التواطؤ الإيراني مع الاحتلال الأمريكي للعراق

وأخيرا مسئولية النظام السياسي والأحزاب والقوى التي شاركت في وضع دستور الاحتلال، والذي اضفى على آلية التخريب والتجزئة والسرقة طابع “المادة الدستورية”.  

الأمر الذي لا شك فيه، هو أن الأحداث التي جرت وتجري في العراق قبل وفي مجرى وما بعد احتلاله من قبل قوات الغزو الأمريكي، وثيقة الارتباط بالأبعاد الوطنية والإقليمية والعالمية في الصراع حوله. وهي حالة قابلة للحل والتعقيد والتأزم بقدر واحد.

إذ يكمن سبب الاستعداد للتأزم والتعقيد أولا وقبل كل شيئ في “العجز العراقي” الحالي في ما يتعلق بقيام حركة وطنية عراقية شاملة. لكنه في الوقت نفسه هو نتاج تداخل قوى عراقية وإقليمية ودولية. ويرتبط هذا بدوره بسبب نمو الدور الإقليمي والدولي في العراق وصراعه العلني والمستتر. اذ تشترك فيه الأن أربعة قوى اساسية يمكن تصنيفها على انها أربعة محاور تتحرك وتتصارع في العراق وحوله بسبب ضعفه الذاتي الحالي. وهي كل من المحور الأمريكي، والمحور الإيراني والمحور السعودي والمحور الروسي.

 وتبرز ملامح المحور الامريكي في طبيعة والية السياسة التي يقوم بها. انها تهعدف الى الابقاء على الاحتلال واستغلاله لتنفيذ مهمات المصالح الجيوسياسية الامريكية الاسيوية والعالمية بقدر واحد. من هنا يمكن ملاحظة التغير المستمر في المواقف والأساليب السياسية والثبات من حيث اسسها الاولية. انها تسعى على الاقاء على حالة التفكك وتوسيع مداها كما هو ججلي في عرقلة اية امكانية للتواصل العراقي السوري. واشراك مختلف القى الضعيفة والمستعدة للخيانة الوطنية والقومية كما نراه على مثال استعمال “العامل السني” في تفتيت الوحدة الوطنية والقومية السورية وتدمير الدولة، وتوسيع وترسيخ نفسية الارتزاق والمرتزقة عند الحركات القومية الكردية. وتفعيل الصراع بين الديني والدنيوي والطائفي ووضعه بما في ذلك في اساس الدستور العراقي، ومحاول تنفيذه في سوريا ايضا. اما في مجال السياسة الاقليمية الكبرى تجاه المشرق العربي فتكشف عما يمكن دعوته بعجز الدور الاسرائيلي الإقليمي وضرورة سد هذا العجز عبر الوجود الأمريكي المباشر ودوره في الوضع الإقليمي.

مما سبق نستطيع التوصل إلى بعض الاستنتاجات الجوهرية، لعل أهمها هو

. إن العراق مشروع عراقي وليس إيراني أو سعودي أو أمريكي أو روسي

. ان المشروع العراقي يجري ضمن خضم صراع إقليمي ودولي ضاري.

. العراق هو احد المسارح الكبرى للصراع الجيوسياسي العالمي. ومع سوريا بوصفهما كيانا عربيا جغرافيا وتاريخيا وقوميا وثقافيا واحد تتضح معالم وغايات هذا الصراع الجيوسياسي العالمي.

. إن الكيان العربي العراقي السوري هو صيرورة واحدة بمعايير المستقبل. وإن صعوده وأثره الاقليمي المستقبلي يرتبط بقواه الذاتية اولا وقبل كل شيئ.

. إن العلاقة الأمريكية الإيرانية في احتلال العراق لها اثارها الكبيرة والخطيرة على الوضع الإقليمي والدولي للعراق.

. إن  الأهداف الأمريكية من اعادة التفاوض مع إيران تسعى الى اعادة ترتيب القوة الامريكية التي تعرضت الى تثليم وفشل كبير عبر مساومة إيران على وضعها الإقليمي والدولي. ويجري ذلك عبر مساومة إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين والقضية الفلسطينية.

. إن الدلائل والنتائج المترتبة على الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران تكشف عن حجم التعامل الامريكي الإيراني في العراق. الأمر الذي يمكن ان يدفعهما صوب الوصول إلى تسوية بينهما، مع ما يترتب على ذلك من نتائج خاصة على مستقبل العراق.

المواجهة الوطنية لإنقاذ العراق: الطرق والأساليب

غير ان المجرى العام والخاص ونتائجه في العراق تبقى في نهاية المطاف عراقية خالصة. فالعراق لا يمكنه أن يكون مطية لأية قوة اجنبية. فهي حالة لا يسمح بها العراق وأهله وتاريخه وكينونته الثقافية والقومية. إلا أن هذه الصيغة البلاغية العامة تفترض تحرر العراق وعودته إلى نفسه الوطنية والقومية والثقافية. وبلوغ هذه الغاية يفترض الاجابة على خمسة أسئلة أساسية وهي:

. ما هو البديل الممكن والواقعي لهذه الحالة؟

. وهل يمكن اصلاح النظام الحالي من داخل العملية السياسية؟

. وما هي قدرة النظام الذاتية على إصلاح نفسه؟

. وهل يمكن اصلاحه من خارج العملية السياسية؟

. وما هي قدرة الشعب على إصلاح النظام السياسي؟

إن النتيجة العامة التي يمكن استخلاصها من تجربة العراق السياسية في “بناء” الدولة والنظام السياسي والعلاقات الاجتماعية وغيرها تكشف عن أن البدائل لا يمكنها أن تكون اجنبية. من هنا فشل مشاريع المحور الامريكي و”عمليته السياسية” في العراق، وفشل “مشاريع” المحور السعودي في “داعش”. وخلل المحور الإيراني، وضعف المحور الروسي. بعبارة أخرى، إن كل المشاريع الاجنبية لا يمكنها العيش في العراق.

كل ذلك يفترض في نهاية المطاف بلورة البديل الوطني العراقي وأساليبه العملية الفعالة، التي تستلزم  

. بلورة حركة اجتماعية عراقية تواجه قوى العملية السياسية الفاسدة التي أوصلت العراق إلىهذا  الخراب الاجتماعي الاقتصادي والأخلاقي.

. التغلب على المأزق والعجز الذي تواجهه يفترض قيام حركة وطنية عراقية شاملة.

. ضرورة توحيد القوى المدنية الدنيوية العراقية والعمل على إبعاد القوى الدينية السياسية من سدة الحكم عبر الصراع السياسي البرلماني

. إن ابعاد القوى العميلة والمرتزقة والفاسدة من منظومة الدولة والسلطة يفترض العمل اليومي المباشر وغير المباشر من اجل توسيع وترسيخ فكرة الاصلاح الاجتماعي والمدني.

· تخفيف المظاهر الشيعية الطائفية في الدولة والمجتمع والثقافة.

. العمل على اقناع الحركات الشيعية التي تورطت في السياسة الأمريكية في العراق وقضايا وملفات الفساد، أن تراجع بصورة نقدية موقفها وسلوكها العملي من هذه القضايا، مع إجراءات فعلية بهذا الخصوص.

. أن تقوم إيران بنقد ذاتي لتواطئها مع الولايات المتحدة في احتلال العراق

. العمل على استعادة الأموال المنهوبة من قبل أطراف العملية السياسية الفاسدة الحاكمة في العراق ومعاقبة كل من اقترف جريمة بهذا الصدد بوصفها جريمة “خيانة وطنية عظمى”.

· العمل على تنشيط ملف التعويضات على احتلال العراق وتدميره من قبل قوات الغزو الأمريكي وحلفائها. ولا يعني ذلك بالنسبة لنا التنازل عن افعال السلطة التي حكمت العراق تحت حراب الاحتلال. إن هذا الموقف يحتوي على شقين في آن واحد. الأول هو تجريم من قام به بتهمة الخيانة الوطنية، والثاني الغاء هذا الاتفاق لأنه يتعارض مع الوقائع والحقائق والأسباب المفبركة، وعدم شرعيته الدولية والقانونية، والنتائج المترتبة على الحرب والاحتلال الامريكي وحلفائه للعراق.

. التحرر من  الحماية الأمريكية لصندوق الأموال العراقية. إن إيداع أموال العراق في صندوق خاص بذريعة حمايتها هو في الحقيقة احد وسائل الولايات المتحدة لتنفيذ أهدافها من استمرار احتلال العراق. إن لهذه الحماية أكثر من وجه متناقض. بمعنى انه في حال رفع الحماية الأمريكية عن صندوق الأموال العراقية، من شأن ذلك أن يعرض الأموال العراقية للتجميد أو المصادرة من قبل المحاكم الدولية التي تقبل شكاوي مختلفة ضد العراق. غير ان الحماية الأمريكية لهذا الصندوق اكثر خطورة من التواجد العسكري الامريكي في العراق. ان حماية الولايات المتحدة لصندوق الأموال العراقي، يجعل العراق مرتهناً تماماً للولايات المتحدة. لقد كان ثمن خروج العراق من البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة يقوم في وضع الأموال العراقية تحت الحماية الأمريكية، وهو يعني ارتهان العراق بصورة تامة للولايات المتحدة، من دون ضرورة جيوش امريكية.

***