توقف الصناعات المحلية (الوطنية ) في العراق الاسباب والنتائج.


عواد احمد صالح

يتصف الوضع العالمي الراهن منذ حرب افغانستان واحتلال العراق عام 2003 وحتى اليوم باعادة انتاج الظاهرة الاستعمارية ( ظاهرة الغزو والاحتلال ) بموجتها الثانية بقيادة الولايات المتحدة وفقا لسياسة العولمة والليبرالية الجديدة، في موجة اعادة فتح البلدان التي كانت تسمى البلدان ( النامية ) في المحيط الرأسمالي وخاصة في الشرق الاوسط وشمال افريقيا .

وتحت زعم نشر الديمقراطية يتم تحطيم وتفتيت المجتمعات وتحطيم استقلال الدول النسبي واهم شيء تحطيم خصوصياتها الاجتماعية والثقافية واعادة دمجها بوحشية في السوق الرأسمالي العالمي ضمن آليات وقوالب السياسة النيوليبرالية .

ان سياسة الرأسمالية منذ عشرات السنين التي مضت كانت وما تزال قائمة على فرض الفوارق والتباينات وتكريسها بين البلدان الرأسمالية المتقدمة وبلدان المحيط الرأسمالي المستعمرة سابقا وشبه المستعمرة وجعلها اغلبية بلدان المحيط غير منتجة لحاجاتها الاجتماعية بل جعلها اسواق مستهلكة لما تنتجه الرأسمالية وخاضعة لقوانين الرأسمال في ابقائها اقطارا متخلفة ومصدر للمواد الاولية والمعادن والبترول فقط ذلك هو قانون التطور المتفاوت والمركب الذي يفرضه تفوق المراكز الرأسمالية .

واليوم فان السياسة النيوليبرالية وبقيادة اميركا وادواتها صندوق النقد والبنك الدوليين تهدف الى تدمير “الصناعات الوطنية ” المحدودة التي تحققت في المراحل السابقة في عصر التوازن الدولي والحرب الباردة – وايقاف المصانع والمعامل وتوسيع رقعة البطالة للقضاء على وجود الطبقة العاملة العدو اللدود للرأسمالية ومن اجل الهيمنة على ثروات المجتمعات .

في العراق اليوم هناك اكثر من 13328 مصنع ومعمل متوقف عن العمل وهناك قوى دولية (اميركا ) وقوى اقليمية ومؤسسات دولية وقوى سياسية محلية ومليشيات تقف وراء ذلك والطبقة الحاكمة البرجوازية الطائفية غير قادرة على مخالفة تعليمات صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية القاضية بايقاف الصناعة المحلية وتقليصها وعرضها للاستثمار،( المصدر صفحة الدكتور نجم الدليمي على الفيسبوك ).

ان نسبة البطالة في العراق بموجب صندوق النقد الدولي بلغت 40 بالمئة عام 2018 منها 23 بالمئة بين صفوف الشباب حسب احصاءات وزارة التخطيط العراقية وفي ظل نظام التبعية والفساد الطائفي فان البرجوازية المحلية الطفيلية التي تعتمد اقتصادا ريعيا يقوم على الانتاج النفطي تنهب هي عوائده المالية او بالأحرى تذهب في نهاية المطاف الى جيوب الرأسماليين واصحاب البنوك في الدول الغربية والولايات المتحدة.

وفي حقيقة وضع كهذا تتفاقم المشاكل الاجتماعية وتزداد نسب البطالة سنة بعد اخرى وبالتالي تقع على عاتق الطبقة الحاكمة البرجوازية الطفيلية مسؤولية ايجاد فرص عمل للعاطلين وعدم تركهم نهبا للفقر والجوع والجريمة المنظمة وهو ما نجده اليوم في العراق . واحد اهم الحلول الممكنة والضرورية تشغيل المصانع والمعامل المتوقفة عن العمل .

ان التشكيلات الاقتصادية والاجتماعية التي يفرضها النظام الرأسمالي العالمي في البلدان المتخلفة شبة المستعمرة اليوم ومنها العراق ، تتسم غالبا بوجود علاقات مزدوجة ما قبل رأسمالية اقطاعية وبطريركية في ظل سيادة العلاقات الرأسمالية التي تفرضها هيمنة الدول الرأسمالية ونظامها الاقتصادي الاستغلالي الوحشي ذلك النظام الذي يهدف الى الهيمنة والتدمير الممنهج للصناعات المحلية .. ( توقف 70 بالمئة من المصانع في القطاع العام و 95 بالمئة في القطاع الخاص في العراق وتدني نسبة الانتاج الى 1,5 بالعشرة بالمئة .. (( ويقول سلام عادل، وهو خبير اقتصادي، أن “الصناعة العراقية تتعرض لمؤامرة دولية ينفذها بعض الساسة في العراق، لأنه لا يعقل أن تدخل سلع استهلاكية بقيمة 74 مليار دولار في عام 2013 بينما موازنته المالية تبلغ 118 مليار دولار”. وأردف أن “الدول التي يستورد العراق منها لا تريد نهوض صناعته، خصوصا أن السوق العراقية ممتلئة بالسلع الرديئة وبأسعار مرتفعة قياسا بالدول المجاورة”، مشيرا إلى أن “أسباب خسائر الشركات العراقية يعود إلى عدم فرض تعرفه جمركية على السلع المستوردة ما يجعلها أرخص من العراقية عند طرحها في السوق(( . كما يؤكد بعض المتخصصين في الاقتصاد ان للاحزاب الحاكمة ومليشياتها دورا هاما في تعطيل المصانع وذلك للمتاجرة مع الدول الاقليمية كإيران والتربح السهل والسريع من وراء تلك التجارة .( المصدر صحيفة العالم الجديد الالكترونية ).

وفي سوريا على سبيل المثال الاخر قامت المنظمات الارهابية المسلحة اثناء احتلالها لمدينة حلب السورية وهي اكبر مدينة صناعية في الشرق الاوسط بتفكيك المصانع والمنشآت وبتحريض ودفع من الرأسمالية التركية وبيعها خردة للرأسمالية التركية التي تعمل جاهدة
اليوم للاستحواذ على اسواق العراق وسوريا ودول الخليج .

ان ضرورة وجود وسائل انتاج ومصانع امر تمليه الضرورة التاريخية للتطور الاجتماعي فبدون قاعدة مادية صناعية لن تكون هناك طبقة عاملة (بروليتاريا ) ولن يتقدم المجتمع الى الامام في سلم التطور ابدا .اي لن تتغير العلاقات الاجتماعية والتقاليد السائدة العشائرية البطريركية الدينية المرتبطة بثقاقة واخلاق القرون الوسطى المنحطة، ولن يسود التمدن والتحرر ولن يتطور التعليم والصحة ، كل هذه المظاهر تحتاج الى قاعدة مادية صناعية انتاجية تقف عليها وتتولد منها.

التركيب الاجتماعي والطبقي في بلد مثل العراق اليوم وفي ظل تعطيل المشاريع الصناعية والانتاج المحلي هو تركيب هلامي متقهقر الى مراحل البرجوازية الصغيرة اللاهثة وراء المضاربات التجارية غير المنتجة وعودة العلاقات البطريركية والعشائرية الرجعية وفي ظل جهاز دولة بيروقراطي ضخم غير منتج من الموظفين الفاسدين والعسكريين والمليشيات . في مثل هذا الوسط تتراجع اعداد البروليتاريا الصناعية وتزداد نسب البطالة بشكل متزايد سنة بعد اخرى مما يتطلب توسيع المطالب الاجتماعية والعمالية بتشغيل المصانع المتوقفة ومحاربة الفساد المستشري في المنشآت والمصانع غير المتوقفة عن العمل .

واما الطبقة الفلاحية فقد تراجع انتاجها الزراعي بشكل كبير جدا بسبب الحروب والارهاب والنزوح وبسبب انعدام دعم الدولة لهم بالحبوب والاسمدة والاهم من ذلك بسبب الاعتماد بشكل واسع على المحاصيل الزراعية المستوردة من دول الجوار تحت ذريعة سعرها الرخيص واخيرا فان البرجوازية الطفيلية الفاسدة التي تنشأ وتنمو من سرقة الريع النفطي وتراكم الاموال بطرق غير مشروعة مختلفة وسريعة والمرتبطة من خناقها بالرأسمالية العالمية وفي ظل سياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي تفرض التقشف ورفع الدعم عن المنتج الصناعي المحلي كما تفرض رفع ايدي الدولة عن دعم الحاجات الاستهلاكية بل التخلي عن اية مسؤولية اجتماعية بوجه عام . هذه الطبقة البرجوازية الطفيلية ومؤسساتها ومليشياتها تسرق وتبتز وتضارب وتمتص دماء المجتمع بشكل وحشي وحتى النخاع وهي لن تكون انسانية وخيرة تجاه معاناة العاطلين عن العمل او العمال والكادحين والمحرومين والفقراء وليست معنية بتشغيل الصناعات والانتاج المحلي كما اشرنا تحت ضغط القوى العالمية والاقليمية .

دون نضال اجتماعي وسياسي واسع ومنظم تقوده قوى اليسار الثوري والطبقات والشرائح الكادحة والمهمشة والمعطلة للدفاع عن مصالحها الطبقية ومن اجل الخروج من الاوضاع الحالية ونتائجها التي سببها الاحتلال نحو وضع افضل ومجتمع متحرر اكثر انسانية وتطورا هو مجتمع الاشتراكية والحرية . 3/ ايلول / 2019

عواد احمد صالح

2019 / 9 / 4 مواضيع وابحاث سياسية