العلمانية نظام حكم جاء في السياق التاريخي لتطور أنظمة الحكم وإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات


د. جاسم محمد حافظ الساعدي

د. جاسم محمد حافظ الساعدي

العلمانية نظام حكم جاء في السياق التاريخي لتطور أنظمة الحكم وإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات ، وهو البديل الناجح لطي صفحات من الظلم الذي تعرض له الناس تحت مختلف أنظمة الحكم الملكية والفردية الاستبدادية وحكم المؤسسات الدينية وسلطتها المطلقة على الدولة، فالكنيسة مثلاً اسامت المؤمنين الفقراء شتى انواع القهر يوم كانت تدير شؤون المجتمعات الأوربية في القرون الخوالي، حتى ان احد القساوسة قاده ثورة للفقراء ضد ممارسة الكنيسة، التي كانت تلزم الفلاحين بالعمل في أراضيها بالسخرة لأكثر من أربعة ايام في الأسبوع – تلك هي مرحلة الإقطاعية . وطالب ذلك القس المتنور الكنيسة بان تري الفقراء شيءً على الارض مما تعدهم به في السماء.

وتوالت مراحل التطور حتى انفصال الصناعة عن الزراعة ونشأت المدن الصناعية ومن ثم ظهرت الدولة الرأسمالية، غير ان الحرفيين الهاربين من قسوة احكام الكنيسة لم يدر في خلدهم ان المصانع التي أقاموها في المدن ستشكل طبقة عاملة تتسم بالتنظيم والقدرة على الكفاح المشترك، لذا عادوا الصناعيون الى الكنيسة طلباً لمساعدتها في احكام السيطرة عليهم عبر المقدس والتحالف معها ضد الفقراء .

ومن نتائج تطور الصراع واشتداد وتائره بين الفقراء والرأسماليين، وتحت ضغط المطالَب الشعبية في تحقيق العدل والمساواة واتساع تأثيرها السياسي، فصل الدين – ممثلاً بالكنيسة- عن الدولة وبذا وضعت اوربا نفسها على طريق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبنت دولاً يسود فيها القانون ، وصار التعليم في متناول الجميع وأطلقت العنان للعلم والمعرفة حتى بلغوا الكواكب.

وحققت العلمانية العدل والمساواة بين المواطنين، مهما تكن انتماءاتهم الدينية او العرقية ، وقوانين الدولة العلمانية صارمة ضد مروجي الكراهية والتمييز بين المواطنيين، وضمنت لكل مواطن السكن والعمل والحياة الكريمة..ويتمتع الناس هنا بحرية الرأي والعبادة والانتماء السياسي. فالعلمانية تكرم الانسان قولاً وفعلاً وتخضع كل منجزاتها العلمية تحت تصرفه ، وكل من يعتقد بان الدولة العلمانية ضد حرية العبادة والتدين وآهم إن لم يكن مخادعاً أو جاهلاً لآلياتها ، وإلا لما سمحت بإقامة المساجد والكنائس في اغلب احياء لندن حيث يتواجد المتدينون وكذا الحال في العواصم والمدن الأوربية الاخرىشرقاً وغرباً.

انني اعتقد ان فصل الدين عن الدولة في العراق المتنوع الاثنيات ، هو الطريق الرحب نحو بناء عراق مستقر ومزدهر، حيث ان السنوات العجاف التي عاشها العراقيون تحت حكم الإسلامويين، اتسمت بانتشار الفساد المالي والاداري والفقر والجوع والموت وغياب الامن والخدمات الاساسية ، ولم تزكي الحياة ادعاءاتهم في نشر الفضيلة وإقامة العدل. ومن الجدير بالذكر التأكيد على ان التدين يعد من الحاجات الروحية التي يجب إشباعها للمؤمنين ، الذين تلتزم الدولة العلمانية بتحسين ظروف تلبيتها لهم مثل ما تلبي حاجات الناس المادية ، كالسكن والعمل والوصول الى الغذاء بسهولة …. الخ.

فمن له ما يقول في هذا الموضوع ، سيكون مصدر للاعتزاز.