افتتاحية قاسيون 922: خطوة خطوة وبالتوازي!

مرت سنوات عديدة على السجال حول أيهما أولاً: الحل السياسي أم محاربة الإرهاب، والذي أثبتت الحياة عقمه. كما أن التطورات اللاحقة قد وضّحت أن المتشددين في الطرفين والذين تمسكوا بإحدى الإجابتين، كانوا متفقين ضمنياً على تمديد عمر الأزمة لعدم نضوج «الحسم» أو «الإسقاط» كما دعت شعاراتهم، وذلك في الوقت الذي كانت فيه الإجابة الواضحة هي أنّ العمليتين كلٌّ واحد، ولا إمكانية لمقاربتهما إلّا معاً وعلى التوازي .

ورغم مرور هذه السنين كلها، وتبخر هذا السجال، إلا أنه يكرر نفسه اليوم بأشكال جديدة؛ إذ إنّ تعقد الأزمة السورية وتعدد جوانبها، أفرز كمّاً كبيراً من القضايا التي تحتاج إلى حل: محاربة الإرهاب، المعتقلون والمفقودون، عودة اللاجئين، إعادة الإعمار، رفع العقوبات، مفردات العملية السياسية المختلفة بما تتضمنه من عملية دستورية وانتخابات وتغييرات ضرورية…وإلخ. والحقيقة، أنّ ما يصح في السجال السابق، يصح في السجال الحالي أيضاً، فهذه المسائل جميعها أولويات، ولا تقديم لإحداها على الأخرى، بل يجب العمل عليها جميعاً وبالتوازي، والتقدم فيها أولاً بأول، وبغير ذلك فإنّ الحلقة المفرغة المدمرة ذاتها، هي المصير الوحيد. 

يصر الغربيون على أن قضايا عودة اللاجئين ورفع العقوبات وإعادة الإعمار، هي قضايا مؤجلة، وبات واضحاً من طريقة تعاطيهم مع الملفات الأخرى، وتركيزهم على الانتخابات دون غيرها، وإنْ في الكواليس حالياً، أن ما يسعون إليه هو الوصول إلى انتخابات ضمن الظروف الحالية دون أي تغيير، ما يسمح بتقسيم السيطرة على نتائج الانتخابات، وعلى مستقبل سورية القريب على الأقل، بين أصحاب النفوذ في مناطق وجود السوريين؛ فداخل سورية ينقسم النفوذ بين نظام ونصرة ومعارضة لها شكلان سياسيان على الأقل، وفي مناطق اللجوء ينقسم النفوذ بين دول اللجوء بحسب النسبة… وبذلك يمكن للعملية الانتخابية، التي من المفترض أن تكون بوابة السوريين لتقرير مصيرهم، أن تتحول إلى بازار دولي وداخلي، يجري خلاله اقتسام أصوات السوريين وحقوقهم، وربما إيجاد توافقات فوقية بين هذه النخب وتلك، بحيث تغيب إرادة السوريين عن المشهد.

وإذا كانت هذه المسائل الثلاث، عودة اللاجئين وإعادة الإعمار ورفع العقوبات، مرتبطة فيما بينها وضرورية بالأساس من أجل تأمين عودة أكبر عدد ممكن من السوريين، لتأمين أقل تدخل خارجي في العملية السياسية ككل، فإنها لن تسير باتجاه الحل بالسرعة المطلوبة، دون توفير الضمانات الكافية الأمنية والاقتصادية، ليس للعائدين فحسب بل وللموجودين في سورية نفسها. وهذه الضمانات بدورها، تحتاج إلى حدّ كافٍ من التغييرات الداخلية، باتجاه تحرير الحياة السياسية وحمايتها، وتقييد الفاسدين الكبار وإيقاف نهبهم القاتل.

التغييرات الداخلية ضمن حدود كافية، ضرورية أيضاً للعملية السياسية نفسها، فالمطلوب ليس فقط منع الخارج من سرقة حق السوريين في تقرير مصيرهم، بل وأيضاً منع سطوة جهاز الدولة وقوى المال على هذا الحق. وهذه العمليات كلها لا يمكن أن تسير بالشكل المطلوب، دون استمرار محاربة الإرهاب، وتقليص نفوذه بشكل مستمر، وصولاً إلى القضاء عليه، والذي لن يتحقق بشكله الناجز إلى باكتمال الحل السياسي.

لا بديل عن السير خطوة خطوة، وبالتوازي في كل الملفات، وفي وقت واحد، وهذا ما ينبغي أن يدفع به الوطنيون من كل الأطراف، وبكل طاقتهم، لإعادة البلاد إلى سكة الحياة.

العدد رقم:922