المعالجة الماركسية للتراث العربي الإسلامي

اعتمد الماركسيون في دراساتهم للتراث العربي الإسلامي على المادية التاريخية، فأعادوا للتراث ارتباطه بالقاعدة الاجتماعية التي شكلت الأساس المادي لإنتاجه.

نلقي في مقالنا بعض الضوء على المنهجية الماركسية المشرقة في بحثها في التراث العربي الإسلامي:

ـ1ـ

تنطلق الماركسية في بحثها في التراث العربي الإسلامي من الحقيقة الموضوعية القائلة بالاتجاه العام لتطور المجتمعات البشرية في خط تصاعدي متعاقب متعرج متداخل ومتوالد تدرجت بناه الاقتصادية الاجتماعية من المشاعية إلى العبودية فالإقطاعية ثم الرأسمالية، وستليها الاشتراكية والشيوعية.

ولعل اتسام بعض البحوث الماركسية ببعض الوجوه السلبية، لا يعود لخطأ في المنهجية، وإنما لخطأ في تطبيقها، يتصل بتلك الحقيقة تحديداً، والتعامل معها بإطلاقية لا نسبية فيها، وإسقاط للعام فيها على الخاص المرتبط بخصائص التراث العربي الإسلامي، خلال البحث عن تحديد البنية الاقتصادية الاجتماعية المنتجة لذلك التراث، والبنية السابقة عليها. غير أن بعض السلبية تلك ظلت غير جوهرية، وإنما شكلية يمكن تجاوزها بمزيد من البحث البعيد عن الإطلاقية تلك، والذي اعتمد في معظمه على الشعر الجاهلي كأقدم (أثر للغة العربية) في عهد الجاهلية المتأخرة، وهو بالتالي (الوثيقة التاريخية- كراتشكوفسكي) عن تلك الحقبة وحوادثها وبنيتها الاجتماعية. وهنا يبرز موضوع توخي الدقة في الأطروحات الداعية إلى عدم انتساب ذلك الشعر إلى تلك الحقبة.

كما اعتمدت الماركسية على موضوعة المناخ في تحديد البنية الاقتصادية الاجتماعية في المنطقة، إذ فرض امتداد الصحارى الشاسعة من إفريقيا وبلوغها عميقاً آسيا (عدم وجود ملكية خاصة للأراضي)، وشكَّل بالتالي (أساس كل التاريخ السياسي والديني للمنطقة- ماركس) التي تتصل فيها النجاة الفردية بالنجاة الجماعية، واعتماد الأشكال الحضّرية على نظام ري اصطناعي للزراعة، تكفي حرب واحدة لتدميره وإفراغ المدن من قاطنيها، كما في (تدمر والبتراء وفارس واليمن وكذلك الهند بعد استعمارها من الإنكليز..). وخرج أنجلز بنتيجة مفادها أن انهيار التجارة الذي أعقب خراب اليمن وتحطيم نظام ريّه خلال الحرب، كان أحد أهم العوامل في الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية. وعليه فإن البنية الاجتماعية للمنطقة ترفض أشكال التملك الخاص في وعيها الجمعي. 

تخرج الأبحاث بخلاصة، أن الظروف السابقة على ظهور الإسلام، هي ظروف انحلال المجتمع القبلي كنظام اقتصادي اجتماعي، مع بروز التمايز الطبقي الذي استند إليه زعماء القبيلة عوضاً عن العرف ورابطة الدم، وبدء تملك الماشية السابق على الزراعة، وظهور الأبجدية والتعامل بالنقد والتجارة وبعض الحرف، ونشوء النواة الأولى لمؤسسات الدولة (دار الندوة) في قريش، ومؤدَّى ذلك في تفكيك البنى الفكرية الملائمة للبنى المادية القبلية، وميل القبائل للتحالف، وما يمثله ذلك من رغبة بالوحدة، وظهور الحنيفية (ملة إبراهيم) كنزوع للتوحيد، وهي الظروف التي تجعل من الجزيرة العربية في الطور السابق على الحضارة أو (الهمجية العليا- أنجلز).

وهو ما أدى أخيراً إلى ظهور الإسلام كتنظيم اقتصادي اجتماعي، يناقض التنظيم القبلي السابق ويعلو عليه، ويشكل بالتالي الأساس الذي قامت عليه الدولة الإسلامية.

ـ2ـ

ترى الماركسية: أن البنية الاقتصادية الاجتماعية في العصور اللاحقة لظهور الإسلام في المنطقة، كان لها الطابع الإقطاعي مع تداخل بقايا العبودية وظهور التجارة والحرف. 
إذ أن المناطق التي وحَّدها العرب المسلمون، فيما يطلق عليه (الفتح الإسلامي) في القرن السادس الميلادي، خضعت لبنيتين اقتصاديتين اجتماعيتين ارتبطتا بكل من بيزنطة وفارس.

وكانت بلاد الشام تشهد منذ القرن الخامس اضمحلال نظام الرق لصالح نظام الإقطاع، في حين غلب على الشرق (فارس وآسيا الوسطى) الأشكال الأولى للإقطاعية. وهو ما يشير إلى أن المجتمع كان خليطاً غير منسجم من كل ما سبق مع احتفاظ العرب المسلمين بإرثهم القبلي الذي حال دون امتزاجهم بشعوب المناطق المغلوبة، وبلورة نظام اجتماعي منسجم حتى بداية عهد الأمويين واتجاههم إلى بناء دولتهم، حيث بدأ يتخذ شكله الاقطاعي، لينتهي في القرن التاسع مع عهد العباسيين إلى نضوج الإقطاعية كنظام اقتصادي اجتماعي، واضمحلال دور العبيد ضمن الظروف المحدَّدة تاريخياً بتلك الفترة.

ـ3ـ

قامت الماركسية بالنظر في التراث العربي الإسلامي من موقعه الحركي غير السكوني وغير المنعزل عن قاعدته الاجتماعية، وارتباطه العضوي بتطور العلاقات الاقتصادية الاجتماعية مع تشكل دولة الخلافة، ومنعكسات هذه التطورات على البنى الفكرية للمجتمع، وخصوصاً الفلسفة التي تمثّل الشكل الأعلى من أشكال الوعي الاجتماعي، والتي تُطوِّر أدواتها تناسباً مع تطوُّر علوم الطبيعة في مجتمعها، وتعقد قضاياه، ومشاكله المطروحة حول العالم والمجتمع، في محاولتها الإجابة عنها وحلها ضمن إطار عام ديني. فقد جاء النتاج الفلسفي بلغة الفلاسفة العرب المسلمين ومفكريها وأبجدياتهم المعرفية وأدواتهم العلمية المتاحة في عصرهم في تلك الفترة التاريخية المعينة بالعصور الوسطى. وهكذا، فإن دراسة التراث العربي الإسلامي تكمن في القضايا المطروحة والمعالَجة فيه، وليس في شخوص الفلاسفة الذين شكلت معالجاتهم الفردية (إضافات أو قفزات كيفية) في المجرى العام لتطور الفلسفة العربية الإسلامية، تمهيداً للانقلابات الاجتماعية. 

كذلك، فإن الإنتاج الحضاري فيما يعرف بالتراث العربي الإسلامي استند أساساً إلى الصراع بين تيارين فكريين، أحدهما مادي عقلاني حركي، والآخر غيبي غير عقلاني سكوني. والمعرفة التي ارتبطت بكبار الفلاسفة والمفكرين في ذلك العصر، هي معرفة مادية عقلانية خاضت معركة الرفض للاتجاهات اللاعقلانية في الفكر، واعترفت بوجود العالم الموضوعي المنتظم، وقوانينه المستقلة المسببة لذلك الانتظام، ونتائجه المستقلة عن 
الإرادة والوعي. وعن هذه المعرفة خرج فكر ابن رشد وابن سينا والفارابي والمعتزلة والمتصوفة… وكان لا بد للمفكرين والفلاسفة من (تأطير ماديتهم في العصور الوسطى بإطار الدفاع عن الدِّين كشكلٍ من أشكال حماية فكرهم وذواتهم). 

وعليه، اتخذت الفلسفة العربية الإسلامية طابعها الخاص المرتبط بتطور الفكر الدِّيني، ومآلاته من جهة، واستيعاب التراث الفلسفي اليوناني والتراث الفلسفي لشعوب الشرق المنضوية تحت راية دولة الخلافة من جهة أخرى، لضرورات النهوض الفكري في المجتمع. غير أن الإفادة من الفلسفات الأخرى، لم تكن أحادية الجانب، وإنما مزدوجَته، فقد أدى تفاعل الثقافات الأخرى إلى تحفيز أصولها، و(خلق تاريخ جديد لها) في ظروف تاريخية هي عصور الإقطاعية المتطورة عن ظروف نشأتها في عصور العبودية، إضافةً إلى خروجها من دائرة العزلة التاريخية المفروضة عليها منذ قرون (الفلسفة اليونانية بشكل أساسي)، وتطلب ذلك تطويرها لتصبح قادرةً على حل قضايا ومشاكل مجتمع أعلى في تطور علومه وعلاقاته الاجتماعية، واكتشافه للقوانين الموضوعية، من مجتمعاتها القديمة. 

زِد على أن الانقسامات ضمن حدود دولة الخلافة، لم تكن ذات طابعٍ قومي، فقد تداخلت وانصهرت الشعوب المختلفة قومياً وثقافياً واجتماعياً ضمن التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية للدولة الشاسعة في تلك الفترة التاريخية. أضف إلى أن حدَّة التناقضات الاجتماعية بين حكام الأقاليم والخليفة من طرف، وعموم الفئات والطبقات المستغلَّة التي انصهر فيها العرب المسلمون المهاجرون بعد دخولهم عملية الإنتاج المادي فيها، طَمَرت بعيداً الاختلافات القومية. ولعل دخول القوميات المختلفة في ثورات البابكية والقرامطة دليلاً على ذلك.
وعلى ذلك، فإن الخلاف الناشئ عن وضع الفلسفة العربية الإسلامية في إطار الفلسفة العالمية، من عدمه، هو خلاف بين إيديولوجيتين: مادية- ماركسية، ومثالية- برجوازية.

ـ4ـ

التراث هو تراث عربي إسلامي متجاوزٌ معاني العِرق والدِّين إلى معاني الانتماء الاجتماعي التاريخي والانتماء الفكري، ومحدِّد هذا الانتماء هو مضمون الفلسفة. و(أداتها التعبيرية عن هذا المضمون)، هي اللغة. 
ولدى تطور الوعي الاجتماعي مع تطور العلاقات الاجتماعية، فإن اللغة لن تظل بعيدةً عن تلك التطورات، ويفسِّر ذلك اختلافَ اللغة العربية في الجاهلية عنها في الإسلام. بمعنى أن اللغة العربية هي عنصر حركي وعضوي وداخلي بين العناصر الحركية الأخرى في الإنتاج الفكري والفلسفي، وهي أداة اتصال اجتماعي وفكري وديني مشتركة تُنتِج ثقافةً موحَّدة، وتتجذر من خلالها عملية التفاعل الحضاري الذي ساهمت من خلاله تلك الشعوب في صناعة هذا التراث متضمناً جانبه الفلسفي، على امتداد دولة الخلافة في إفريقيا وآسيا. وفيها تنصهر جميع الظواهر المادية الفكرية الناتجة عن طبيعة النظام الاجتماعي في زمن تاريخي محدد.

كما لا تحمل الإشارة إلى إسلامية الدولة المعنى الدِّيني لها، وإنما الحضاري، من حيث أن الدِّين ومفاهيمه الفكرية حول العالم والمجتمع، شكَّل النطاق الفكري العام الذي نظم المجتمع تحت السلطة المدنية السياسية للخليفة على امتداد مساحة الدولة، ونشأت ضمنه وداخله مختلف التيارات المتصارعة حول تلك المفاهيم تحديداً مع تطور العلاقات الاقتصادية الاجتماعية وتعقيدها، ومحاولات الخروج عن إيديولوجيا لم تعد تستوعب التطور الذي بلغه المجتمع في تلك الفترة التاريخية، والخروج بإيديولوجيات جديدة. (إنَّ ما نسميه الفكر العربي الإسلامي الفلسفي، كان هو الإطار لوحدة التناقضات في المجتمع العربي الإسلامي مسجَّلاً بهذه اللغة المشتركة- حسين مروة).

سلاف محمد صالح

عن موقع قاسيون، الموقع الرسمي لحزب الإرادة الشعبية.

العدد رقم:921