افتتاحية قاسيون 921: خلّي التغيير حقيقي!

 يستمر العمل خطوة بخطوة، وعبر صعوبات عديدة، على مختلف المسارات المتعلقة بالقرار 2254 وبحل الأزمة السورية، سواء كانت هذه المسارات هي جنيف أو أستانا أو سوتشي واللجنة الدستورية، وكل تقدم يجري في أيّ منها هو بالمحصلة تقدم مفيد للعملية ككل، ولكن جوهر الأمر كان ولا يزال في ضرورة التغيير الوطني الديمقراطي الجذري والعميق والشامل.

منذ استقلال سورية وحتى اليوم، قليلة هي المناسبات التي سُئل فيها الشعب السوري عن رأيه في ما يريد لحياته وحياة بلاده، وهو الأمر الذي سمح بتراكم كم هائل من الأزمات على مختلف الأصعدة، لم تكن السنوات منذ 2011 وإلى اليوم، سوى تعبير عن انفجار هذه الأزمات المتراكمة. 

على الصعيد الاقتصادي، أثبت النموذج الاقتصادي المتبع منذ عقود، ومع التحديثات و«الإصلاحات» التخريبية الليبرالية، التي خضع لها خلال العقدين الأخيرين، أنه نموذج قائم على النمو الضعيف والتوزيع الجائر للثروة لمصلحة الأرباح، وضد عامة الناس المنتجين، وعلى الفساد الكبير المستشري والمتعاظم يوماً بعد آخر، وصولاً إلى انعدام أية إمكانات نمو حقيقي ضمن الإحداثيات القائمة، والمنظومة الاقتصادية السياسية غير القادرة على تحقيق النمو، ناهيك عن تحقيق العدالة، هي منظومة غير قادرة على حل أبسط المشكلات، فكيف بحل أزمة بكارثية الأزمة السورية؟ ما يعني أنّ نموذجاً جديداً يحقق أعمق عدالة اجتماعية وأعلى نمو، بات ضرورة ليس لحل المشكلات والأزمات المتراكمة فحسب، بل وضرورة لبقاء البلد واستمرارها. 

يترافق النموذج الاقتصادي المتبع، مع نموذج سياسي قائم على مستوى شديد التدني من الحريات السياسية، وهو مستوى لا يمكن للنموذج الاستمرار في حال رفعه، لأنّ الفاسدين الكبار والمتربحين من الأزمة، بحاجة مستمرة إلى حماية أنفسهم من غضب المنهوبين، عبر تشتيتهم وإغراقهم في صراعات ثانوية، وإعاقة إمكانات النشاط السياسي الفعلي المبني على أصول قانونية عصرية تسمح للناس بتنظيم صفوفهم والدفاع عن حقوقهم بطرق سلمية. 

والجوانب الاقتصادية والسياسية الداخلية، هي الأخرى مرتبطة ارتباطاً شديداً بموقع سورية على خارطة العلاقات الاقتصادية- السياسية العالمية، والتي أبقت سورية طوال نصف القرن الماضي ضمن إطار الدول التابعة اقتصادياً للغرب، والمنهوبة منه بالاشتراك مع ناهبيها الداخليين، والضعيفة بإنتاجيتها وتطورها العلمي. 

إنّ العمليات الجارية اليوم على صعيد المسارات السياسية المختلفة الخاصة بسورية، وفي ظل الانتقال الجاري على المستوى الدولي من عالم التبادل اللامتكافئ والسطوة الغربية، نحو عالم أكثر تكافؤاً، يضع إمكانية التغيير الجذري في سورية موضع الإمكانية الواقعية القابلة للتطبيق. 

من وجهة نظر التطور الداخلي لسورية، فإنّ هذه الإمكانية لم تعد إمكانية نظرية منذ زمن، بل باتت ضرورة وجودية لاستمرار الدولة، هذه الضرورة التي تجد تعبيرها الأمثل، وطريقها الإجباري نحو الواقع، عبر تطبيق جوهر القرار 2254؛ أي امتلاك الشعب السوري لحقه في تقرير مصيره قولاً وفعلاً… هذا الطريق هو الطريق الوحيد للخروج من الأزمة، والطريق الوحيد للحفاظ على سورية، ودونه لن يكون هنالك أيّ معنى لكل المسارات التي يجري الحديث عنها، متفرقة أو مجتمعة!

العدد رقم:921