«القوى الوطنية» والمشروع الوطني



كاتب وسياسي لبناني-
سعد الله مزرعاني

يحتاج وضع «القوى الوطنية»، وهي التسمية التي كانت تطلق على مجموعة الأحزاب والاتجاهات والشخصيات ذات البرامج والأهداف الوطنية الشاملة (غير الطائفية)، والانتماءات العروبية الغالبة، والمنطلقات اليسارية المتنوعة (اشتراكية وتقدمية وشيوعية…) يحتاج وضعها وما آل إليه واقعها، إلى مراجعة شاملة، سريعة وعميقة وجذرية. هذه القوى أدت أدواراً أساسية في محطات مؤثرة من تاريخ لبنان: في معارك الاستقلال، ومعارك الدفاع عن الحريات العامة، وعن حقوق العمال والمزارعين والمستخدمين والمعلمين والطلاب ومطالبهم، وفي معارك تأسيس النقابات ونشر الفكر والقيم التحريين والاشتراكيين، وفي معارك إصلاح النظام السياسي (ومنها معارك تحريره من الطائفية والمذهبية بإصلاح النظام الانتخابي…)، وفي معارك أحداث تحويل في النظام الاقتصادي لتطوير القطاعات المنتجة ولتحرير الاقتصاد من الطابع الريعي ومن التبعية، ومعارك تحرير الأرض من العدو الصهيوني المحتل والتصدي، بالمقاومة العسكرية وغير العسكرية، لعدوانه على لبنان، ومعارك الدفاع عن السيادة والاستقلال في مواجهة تدخل الأساطيل الاستعمارية والأحلاف التي تخدم مصالح دول المتروبول الاستعمارية… وهي قوى تستطيع (منفردة أو مجتمعة في صيغ جبهوية كانت أبرزها صيغة «الحركة الوطنية اللبنانية») أن تباهي بمبادراتها وإنجازاتها في حقول النشاط السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتحرري، بالتفاعل السليم أو غير السليم مع قوى خارجية (أممية) أو قوى إقليمية شقيقة (عروبية وإسلامية)، ما جعل هذه القوى تمارس دوراً رائداً في النطاق الوطني والخارجي، فأصبحت بيروت متنفساً للتنوع وعاصمة للتضامن مع حركات الشعوب العربية وغير العربية: دفاعاً عن حرياتها واستقلالها، ورفضاً للاحتلال والاستعمار والقمع والعدوان على أراضيها وسيادتها. ولقد كان نموذج الدعم للشعب الفلسطيني دليلاً ساطعاً على المدى الكفاحي الذي ذهبت إليه هذه القوى في حماية الشعب الفلسطيني وثورته عبر ملحمة أخوة نضالية انتجت لاحقاً نشوء المقاومة في لبنان ضد الغزو الإسرائيلي، وفي فلسطين اندلاع انتفاضات كبيرة ضد الاحتلال. وكانت ثمرة ذلك فرض هزيمة مرة على العدو الذي تراجع وعجز عن تحقيق أي إنجاز في لبنان. كذلك استطاع الشعب الفلسطيني أن يُبقي قضيته حيَّة رغم كل محاولات التصفية والتواطؤ والحصار والتآمر التي تبلغ ذروتها في هذه الأيام عبر مشروع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحت اسم «صفقة القرن».

بالمقابل، كان لهذه القوى صعوباتها وسقطاتها وسلبياتها وأخطاؤها أيضاً. الفئوية والتبعية والجمود والعجز، هي وسواها عناوين كانت حاضرة، بهذا القدر أو ذاك، في مجرى النضال. وهي تفاقمت خصوصاً في مواجهة التحديات والمتغيرات. أدى ذلك إلى ضعف المبادرة وهشاشة الصمود أمام الأزمات والتحولات. ضاعف من المشكلة أيضاً، أزمات دولية (أممية) وإقليمية عروبية (قومية). ضاعف منها أيضاً عجز تلك القوى عن مواجهة أشكال التدخل الخارجي، والإفساد، والتعامل مع موضوع العصبيات، وخصوصاً الطائفية والمذهبية.
لأسباب موضوعية وذاتية، بدأت هذه القوى تفقد زمام المبادرة، تفككت. تفرقت. تصارع بعضها أحياناً مع البعض الآخر. انهيار المنظومة السوفياتية كان أكثر من زلزال. التجارب السيئة لأنظمة حكم استولت على السلطة في بعض البلدان العربية كانت عامل إحباط إضافي في ممارساتها وفي انعكاسات تلك الممارسات على امتداداتها اللبنانية والعربية، وعلى القضية عموماً. ساهم في زيادة السلبيات وتفاقم العجز طغيان منطق المكابرة وعدم المراجعة والتصحيح والابتكار. هكذا وباطراد، دخلت هذه القوى في أزمة خطيرة وعميقة وطويلة. إن هذه القوى التي لم تستطع اشتقاق صيغة فعَّالة، ولو نسبياً، للمشاركة في المعركة ضد العدو الصهيوني (بعد أن كانت مبادرة وسبَّاقة)، لم تستطع أيضاً أن تحافظ على استقلاليتها وفق برنامج حيّ ومتطور وواقعي ومستمد من وقائع الحاضر وتحدياته، لا من تكرار عناوين الماضي وممارساته وإسقاطاته.
خضعت هذه القوى التي تعيش سلبيات أزمتها العامة، ضموراً وخلافات وتشرذماً وضياعاً داخلياً، لتجربتين في خلال السنة المنصرمة: الأولى في الانتخابات النيابية التي عجزت عن تحويلها إلى فرصة لشق بداية مسار جديد، رغم الدعوات والنيات الحسنة والشعارات الصحيحة غالباً. والثانية إزاء اندلاع الأزمة المالية الاقتصادية الاجتماعية الراهنة. هنا أيضاً أضاعت فرصة ثمينة من خلال العجز عن توظيفها في نهضة وطنية شاملة يتبلور معها ومن خلالها مشروع وطني جديد يراكم عناصر القوة عبر بلورة برنامج وصيغة قيادية في مسار يتكامل تباعاً، فيزود الاحتجاجات الشعبية الواسعة ببوصلة هادية نحو التحوُّل إلى قوة متماسكة تقدم خياراً بديلاً للبنانيين في مواجهة اقتصاد الريع والتبعية ومنظومة المحاصصة والنهب والسرقة والفساد التي يغذيها وتغذيه.

ماذا عن هذا التوجُّه أو الخيار الجديد؟
لقد تراكم من السلبيات ما يمنع، للأسف، من أن يكون التوجه المطلوب ثمرة عملية تجميع تأتي في محصلة اتصالات واجتماعات لإقامة بناء جبهوي يكون نتيجة حاصل جمع المكونات القائمة أو أكثريتها (أحزاباً وشخصيات ومؤسسات مدنية…)، في إطار واحد يُتَّفَق على برنامجه وصيغته وإدارته. تبين أن ذلك متعذر موضوعياً وذاتياً. حاول كثيرون، عبر صيغ مختلفة، وبهدف واحد، إنشاء عمارة جبهوية من خلال المكونات القائمة أو حتى من بعضها. لم ينجح ذلك، رغم تعدد تلك المحاولات. كان عدم النجاح يضاعف، أيضاً، من السلبيات ومن سوء العلاقات ومن الفشل.
باتت المهمة، إذاً، أصعب. ما يحتاجه النهوض «الوطني» ليس أقل من عمل تأسيسي جديد. لا يعني ذلك أبداً أنه ينبغي اتخاذ موقف سلبي من الأحزاب القائمة أو العمل على تقويضها. على العكس من ذلك: تلك الأحزاب مدعوة إلى أن تضع مسألة تأسيس صيغة جديدة للعمل الجبهوي الوطني في مقدمة مهماتها، وأن تقدم من خلال المراجعة والتقييم، لمواقفها ومسيرتها، مساهمة لا بد منها للوصول إلى الهدف المنشود، أو، أقله، لإنجاحه. لا شك في أن ذلك سيضعها في الموقع الصحيح، وسيساهم في حلّ أزمتها الخاصة أو حلحلتها، كما أزمة العمل الوطني العام. وبديهي أنه لن يحزن أحد إذا ما تجاوزت هذه الأحزاب تعثُّر دورها، على ما حصل ويحصل، فبادرت وابتكرت ونجحت…
يبقى أن المحاولة ينبغي أن تبدأ، وهي، وإن بدت صعبة، إلّا أنها ليست مستحيلة أبداً!! 

عن جريدة الاخبار اللبنانية