عن «الطلاق» وحق الشعوب في تقرير المصير

رغم البساطة والتسطيح الشديد الذي يظهر في هذا التشبيه، إلا أنه يدل على طريقة محددة في فهم هذا الحق، طريقة هي بالضبط الطريقة الأمريكية في فهم هذا الحق على لسان وودرو ويلسون الذي تمت ترجمته لاحقاً ضمن ميثاق الأمم المتحدة.
إنّ القول بالوقوف إلى جانب حق الشعوب في تقرير مصيرها، هو قول مضلل إلى أبعد الحدود، لأنّ هنالك موقفين متباينين كل التباين من هذا الحق، رغم تقاطعهما في قسم كبير من الصياغات المتعلقة بهذا الحق.
أول من نادى بحق الشعوب في تقرير مصيرها هم الشيوعيون بالذات، ابتداء من مؤسسي الماركسية، ومن ثم ضمن الصياغة الناضجة التي عبر عنها لينين. تعريف ويلسون ليس سوى اجتزاء مقصود من تعريف لينين، تسقط منه الفكرة الأكثر جوهرية في كيفية ممارسة هذا الحق…
فإلى جانب النقاش الشهير بين لينين وروزا لوكسمبورغ حول هذا الحق والذي ثبّت فيه لينين: أنّ هذا الحق هو حق مبدئي، فإنّه أكد بما لا يدع مجالاً للشك بأن طريقة وكيفية تطبيق هذا الحق ينبغي أن تنسجم مع مصلحة نضال الطبقة العاملة، ليس المحلي فحسب، بل والعالمي…
ربما لا يعجب هذا التحديد كثيرين ممن يقولون بحق الشعوب في تقرير المصير، فليكن، ليست هنالك أية مشكلة في ذلك، ولكن عليهم بشكل واضح وقاطع أن يكفوا عن هذرهم حول هذا الحق ومحاولة وضعه تحت يافطة لينين وتحت يافطة اليسار… وبما أنه يصعب عليهم فعل ذلك، لأنهم يظنون أنهم «يحرجون» القوى اليسارية الحقيقية عبر هذا الالتفاف، فلا بد من القول لهم: نعم أنتم مع حق الشعوب على طريقة ويلسون في تقرير المصير!
إنّ وضع معيار مصلحة نضال الطبقة العاملة العالمي معياراً أساسياً يتوقف عليه شكل التطبيق العملي لحق تقرير المصير، هو مسألة شديدة الجوهرية، ودونها يمكن الانزلاق إلى كل الأشكال المعادية لحق الشعوب، وبالذات ذلك الشعب الذي يتم الحديث عن حقه في تقرير مصيره.
التعامل مع هذا الحق من وجهة النظر الشكلية الديمقراطية البحتة، وهي نظرة زائفة لا علاقة لها بالواقع، هو بالضبط عمل ضد مصلحة الشعوب، وعمل من وجهة نظر قومية ضيقة… كيف ذلك؟
إنّ تعريف حق تقرير المصير بـ «الطلاق»، أي: الانفصال، وحصره بهذا الإطار، أو محاولة تصوير هذا الإطار بوصفه إطاره الأمثل، يُغفل على الأقل الفكرة البسيطة التالية: إنّ أية حدود جديدة، أي ترسيم جديد، أي تقسيم جديد، ضمن عالم اليوم، هو موضوع صراع دولي كبير، هنالك ضمن هذا الصراع من هو معه، وهنالك من هو ضده، هنالك من يستفيد منه وهنالك من يتضرر، وضمن هذه الحسابات كلها لا بد من الانتباه لمصلحة الشعب المعني والشعوب المجاورة له، والشعوب على العموم.
بالملموس أكثر، فإنّ الميل باتجاه تأجيج الصراعات والفوضى والتقسيم، هو الميل الأمريكي الغربي، الذي يهدف ليس إلى إنصاف أي شعب من الشعوب المظلومة، بل يهدف إلى الاتكاء على مظالمها لتعميقها عبر ضربها بجيرانها وضربها فيما بينها… ولذا فإنّ انعدام البصيرة تحت يافطة حق الشعوب بتقرير المصير غير مسموح به إطلاقاً…
ألا يجدر بنا أن نسأل، من موقع الحريص على حق الشعوب في تقرير مصيرها، بل وأبسط من ذلك على حقها في الحياة دون حروب وكوارث: ألا يمكن لحق الشعوب في تقرير مصيرها أن يأخذ شكل الاتحاد بدلاً من الانفصال؟
هذا ليس افتراضاً نظرياً دون أساس، بل إن الأساس العميق له أنّ مصلحة كل الشعوب المستضعفة، وفي ظل الاشتغال الأمريكي على ضربها بعضها بعضٍ، إنما يكمن في السير بالاتجاه المعاكس، اتجاه اتحاد المصالح وتقريب وجهات النظر وإيجاد طرق داخلية لحل كل مشكلة ورفع كل مظلمة…
اتحاد شعوب الشرق العظيم والبحث المشترك عن حل يتم التوافق عليه بين هذه الشعوب، لا بين الأنظمة بشكلها الحالي الذي لا يمثل تلك الشعوب، وليس عبر فرض أمريكي من الخارج لن ينتج إلّا آلاماً مضاعفة تسمح للعمى القومي بِتسيّد المشهد، حيث يتصدر الواجهة «قادة قوميون متعصبون» يحاربون باسم قومهم ضد الأقوام الأخرى، وبالمحصلة ضد مصلحة قومهم بالذات وضد مصالح الأقوام الأخرى، ومن منطق برجوازي بحت: (هذه رعيتنا ومطرح نهبنا واستغلالنا نحن، ولن نسمح للقوميات الأخرى بنهبها، هي لنا فقط)…!
لم يكن أي يساري حقيقي، ولن يكون، مع حق ويلسون… بل مع حق تقرير المصير الذي قال به لينين، حقاً مبدئياً لا تنازل عنه، وشَكْلُ تطبيقه الملموس لا ينطلق من شعارات ديمقراطية فارغة، بل من ديمقراطية حقيقية تضع مصلحة الشعب المعني، والشعوب المجاورة، والشعوب على العموم فوق كل مصلحة قومية ضيقة!