افتتاحية قاسيون 903: العلاقات السورية- التركية والعالم الجديد

يفقد فهمه للواقع، ويقع في أخطاء تتدرج من صغيرة إلى كبرى بالمعنى الوطني، من ينظر إلى أستانا بوصفها تفاهماً مؤقتاً أو عابراً يتعلق بسورية.

إنّ جدول أعمال التحالف الثلاثي يضم قائمة طويلة من القضايا تتعلق بمجمل المنطقة، وإحداها سورية… وطول هذه القائمة وعمق هذا التحالف، مردهما: أن التحالف ذاته ليس إلّا أحد تعبيرات توازن القوى الدولي الجديد الذي انزاح مركزه نحو الشرق، لأول مرة منذ 500 عامٍ بقي فيها مركز الثقل في الغرب.

بهذا المعنى، فإنّ هذا التحالف قد نشأ لكي يبقى ويتعزز، ولكي يحل أية تباينات موجودة أو يمكن أن تنشأ، عبر التوافق. وكل أحلام الغرب بفرط عقد أستانا عبر تعقيد الوضع السوري ليست أكثر من وهم وقبض للريح، لأن أطراف أستانا تعي مصالحها جيداً، وأهم من ذلك أنها تعي مسؤوليتها التاريخية والعالمية في الإسهام الفعال في إعادة رسم العالم بأسره، بما يتوافق مع التوازن الجديد.

ضمن الخصوصية السورية، تظهر جملة من القضايا التي يجري التحضير لحلها، أولها: إدلب التي لن يطول الوقت قبل أن يجري إنهاء النصرة وشبيهاتها فيها نهائياً، وثانيها: وضع شرق الفرات وما يقال عن منطقة آمنة أو عازلة أو أياً تكن التسمية. في هذه المسألة، وبعيداً عن بازار التصريحات المختلفة، وخصوصاً القادمة من الغرب وحلفائه، فإنّ أستانا قد أرست الأساس الوحيد الذي يمكنه حل المسألة بما يتوافق مع السيادة السورية حقاً وفعلاً، ونقصد هنا جوهر الحديث عن اتفاق أضنة الذي، وبغض النظر عن تفاصيله، فإنه يعني حل المسألة على أساس احترام السيادة السورية وبالتوافق معها.

ما ينبغي أن يكون واضحاً أيضاً لبعض الحالمين من الطرفين السوريين، هو أنّ الغرب مُصِرّ على عدم حل الأزمة، ولن ينفع معه غزل سري ولا انبطاح علني، فهو ماضٍ في رفع مستوى عقوباته الاقتصادية، ومستمر في محاولات تأخير وتعقيد خروجه العسكري من الأرض السورية.

ما ينبغي أن يكون أكثر وضوحاً، هو: أن الأزمة السورية ستحل باشتراك الغرب أو دون اشتراكه. وضمن التعقيدات الاقتصادية والحصار الاقتصادي خاصة، تنشأ حاجة موضوعية ضمن النهوض السوري القادم وإعادة الإعمار، للحدود السورية التركية الممتدة على أكثر من 800 كم كمنفذ بري لسورية نحو الشرق.

إنّ تكريس ابتعاد تركيا عن المعسكر الغربي واقترابها المتسارع نحو الشرق، بعد أن لعبت دور شرطي غربي منذ تشكلها بعد الحرب العالمية الأولى، ليس مصلحة تركية فحسب، بل ومصلحة سورية أيضاً، ولذا ينبغي الإصرار على الوصول إلى التوافقات الضرورية المؤسسة على علاقات متكافئة تحترم السيادة قولاً وفعلاً.

إنّ أية محاولة للاتكاء على الغرب أو أتباعه في الإقليم، سواء ضمن محاولة بائسة لإحداث توازن ما، أو ضمن آمال بالوصول إلى الرضا الغربي، تتناسى أن الغرب، كان ولا يزال، معادياً لوجود سورية من الأساس، ولن يكفيه في أزمته أية تنازلات يجري تقديمها سوى التنازل عن سورية بأكملها لكي تتحول لبلد تابع، أو أن تتفتت وتنتفي من الوجود، وكلا الأمرين غير قابلين للتحقيق، حتى لو أرادت أطراف سورية أن تساعد في تحقيق أي منهما!