هل يمتلك اقليم كردستان العراق مقومات الدولة؟


كاميران رشيد …..


ظهر علينا كثير من السياسيين الكُرد (من ذوي التفكير العاطفي) في وسائل الاعلام (قبل استفتاء عام ٢٠١٧) وهم يعددون المقومات التي يمتلكها اقليم كردستان والتي بفضله يستطيع كردستان ان يصبح دولة في منطقة الشرق الأوسط. يجب ان تتم مناقشة قضايا سياسية بهذا الحجم بعيدا عن (التفكير العاطفي)، كما ينبغي قراءة الظروف الداخلة والإقليمية والدولية جيداً قبل دغدغة عاطفة الكُرد (الذين هم عاطفيين حالهم حال العرب الأتراك والإيرانيين).

صراحة لم يكن اقليم كردستان متهيئا لان يصبح دولة بعد استفتاء عام ٢٠١٧، حتى في حال موافقة الحكومة العراقية ودول الجوار والأمم المتحدة؛ فموظفو الحكومة في الاقليم يعيشون منذ عام ٢٠١٤ في ظل أزمة مالية، اذ يستلمون نصف رواتبهم، بسبب إيقاف الحكومة العراقية حصة الاقليم من ميزانية العراق نتيجة خلافات حول مسالة تصدير النفط. تمت من جهة أخرى سرقة ميزانية الاقليم للسنوات ٢٠٠٣ – ٢٠١٤ التي تقدر بمئات المليارات من الدولارات من قبل حزبي مسعود البرزاني وجلال الطالباني، هذا يعني ان اقليم كردستان من الناحية المالية يعاني من أزمة حقيقية ولست له احتياطات نقدية، فهل يعقل ان تقوم دولة وهي تعاني من الإفلاس؟ وطبقا لذلك فانه في حال اصبح كردستان دولة فتكون دولة تعاني من أزمة مالية تؤدي بدورها الى الاستياء الشعبي، وهذه حالة غير طبيعية ينبغي الا يقبلها الساسة في كردستان (اذا ما افترضنا ان من يحكمون في كردستان هم ساسة أصلا وليسوا تجار قضية).

النقطة الأخرى تتعلق بالفوضى السياسية السائدة في اقليم كردستان، فالمؤسسات السياسية والحكومية تخضع لسلطة حزبي مسعود البرزاني وجلال الطالباني، وصل الأمر الى ان يجتمع كوادر من الحزبين للاتفاق حول منصب مدير لاحدى المدارس؛ وهل هو من حصة حزب مسعود البرزاني أم حزب جلال الطالباني!، كما ان المناصب السياسية والحكومية محتكرة من قبل الحزبين عدا بعض المناصب هنا وهنالك يتم إسنادها الى شخصيات من احزاب أخرى لغرض كسب تأييدها.

للفوضى السياسية جانب اخر يتمثل بتزوير الانتخابات، فحزب مسعود البرزاني يزور الانتخابات في المنطقة الصفراء التي تضم محافظتي أربيل ودهوك وحزب جلال الطالباني يزور الانتخابات في المنطقة الخضراء التي تضم محافظتي السليمانية وحلبجة.

نشرت صحيفة لونموند الفرنسية تقريراً بعد استفتاء الاقليم عام ٢٠١٧ وصف النظام السياسي فيه بالدكتاتورية العشائري، فقد أشار التقرير، الى ان النظام السياسي في الاقليم يعيش ماساتين، تتمثل الاولى بفرض الحزبين ظلالهما على مجمل الحياة السياسية وتتمثل الثانية بان عائلتين (عائلة مسعود البرزاني وعائلة جلال الطالباني) تتحكمان بالحزبين، وبالتالي فان العائلتين تحكمان في الاقليم.

خدميا، رغم ان محافظات الاقليم تتفوق على بقية محافظات العراق، الا ان الخدمات المُقدمة للمواطنين سيئة مقارنة بإقليم (برشلونة) الإسباني التي فشلت محاولتها لتقرير المصير. فانقطاع الكهرباء والماء ونقص الوقود في الشتاء وازمة الوقود بين حين وآخر والافتقار الى الطرق الخارجية الحديثة بين المدن والافتقار الى قنوات الصرف الصحي والى وسائل النقل الحديثة؛ كلها ملامح بارزة للواقع الخدمي المتدهور في الاقليم.

ترتبط النقطة الأهم بالموقع الجيوبوليتيكي للاقليم وافتقاره الى المقومات الجيوبوليتيكية، اذ لا يطل الاقليم على مياه دولية (لا على بحار ولا على محيطات)؛ لذا فان جميع تجارته الخارجية يتم عن طريق تركيا وإيران وسوريا والعراق، فضلا عن افتقاره الى الأنهار الجارية، التي توفر التربية الخصبة للزراعة في جميع فصول السنة، فضلا عن ان الاقليم يعاني منذ عقد من الزمن من قلة مستوى الأمطار نتيجة تمدد منطقة التصحر الى كردستان. فضلا عن ان الطائرات التي تقلع من الاقليم تستخدم اجواء دول الجوار بسبب الخناق الذي يعانيه الاقليم.

صناعياّ، لا يمتلك اقليم كردستان بنية اقتصادية تتمثل بالمصانع والمعامل والشركات، فجميع السلع يتم استيرادها من دول الجوار والصين واوربا، اذ ان المنافسة السياسية وتحزيب المجتمع اعادت الكُرد عقوداً الى الوراء؛ فقد قام حزبي مسعود البرزاني وجلال الطالباني ببيع معدات شركة التبوغ العراقية بفرعيها (السليمانية واربيل) لإيران بعد انتفاضة عام ١٩٩١؛ فقد كانت الشركتين تنتجان أفضل أنواع السجائر على مستوى العراق والشرق الأوسط، كما قام الحزبان ببيع معدات معامل الأنسجة الى إيران أيضا والتي كانت تنتج أفضل أنواع السجاد في العراق.

سياحياً، يمثل المواطنون القادمون من المحافظات العراقية الأخرى نسبة كبيرة من سياح الاقليم؛ وبدون سياح المحافظات العراقية سيعيش الاقليم وضعاً اقتصادياً أسوا مما هو عليه اليوم. 

يبقى هنا ان نثير السؤال التالي:
أكان حزبا مسعود البرزاني وجلال الطالباني يعلمان بان الاقليم (معاق) ولا يصلح لان يكون دولة؟
اذا كان الجواب (نعم) فان هدف الاستفتاء لم يكن تحويل الاقليم الى دولة، بل ممارسة ضغوطات على الحكومة العراقية لمنح الاقليم حصته من الميزانية العامة، لسرقة الحزبين لها، وممارسة الضغوطات على الحكومة العراقية لضم المناطق المتنازع عليها للإقليم، وهو ما يعني ان مواطنو تلك المناطق (كركوك، طوز، خانقين، جلولاء، سنجار، مخمور) سيعانون من تسلط الحزبين، كما يعاني اليوم مواطنو محافظات أربيل ودهوك والسليمانية وحلبجة.
أما اذا كان الجواب (لا) فان على مسؤولي الحزبين تقديم استقالتهم واعتزال الحياة السياسية (اذا كانوا جريئين بما فيه الكفاية)، لان تفكيرهم محدود ولا يسمح لهم برؤية المستقبل بوضوح وقراءة الأحداث بشكل جيد.