افتتاحية قاسيون 902: أستانا… من معها ومن ضدها؟

يمكن لمن يحاول فهم الأزمة السورية، أن ينظر إلى مسار أستانا، بنشوئه وتطوره وتأثيره، كأحد مفردات هذا الفهم. ولكن الوقوف عند هذا الحد في القراءة، أي: اعتبار أستانا تفصيلاً، كبيراً أو صغيراً، ضمن سياق الوضع السوري، من شأنه تضييق أفق الفهم إلى درجة يصبح معها فهماً مغلوطاً بالضرورة…

لا شك أن مسار أستانا من حيث انطلاقته ووظيفته المباشرة، إنما بني على الوضع السوري، ولكن أبعاده وتأثيراته الملموسة، ليس في المستوى السوري فحسب، بل وفي المستويين الإقليمي والدولي، لا بدَّ أن تفتح العيون على معنى أكثر عمقاً لهذا المسار، وبالأحرى لهذا التفاهم والتقارب الثلاثي (الروسي– التركي– الإيراني).

لا بدَّ هنا من القول: إنّ كلاً من تركيا وإيران، وخلال القسم الأعظم من القرن العشرين، كانتا دولتين مواليتين للغرب، ومعاديتين لروسيا خصوصاً، وللصين بدرجة أقل، بل إنهما كانتا أداتين مباشرتين في فرض السياسات الغربية في المنطقة، وعليه فإنّ التموضع الدولي الذي تقفان فيه الآن في صف روسيا والصين، وفي صف المشروع المضاد للغرب بصفة أعم، تجاه بلدٍ مفتاحي ولمستقبله تأثير حاسم في وضع الشرق العظيم ككل هو سورية، هو تموضع له أثر الزلازل الكبرى بالمعنى الجيوسياسي.

إنّ أستانا بمعناها العميق، هي نواة لمنظومة إقليمية- دولية جديدة، تأتي على نمط وشكل العالم الجديد، ما بعد الأمريكي، أي: أنها وإنْ كانت إقليمية من حيث وظيفتها المباشرة، إلا أنها دولية من حيث دورها وتأثيرها.

تشكيل المجموعة المصغرة من قوى العالم القديم، لمواجهة مجموعة أستانا، ليس مصادفة. وإحداث استقطاب دولي شامل يتكئ على الموقف من المسألة السورية، هو أكبر وأبعد من المسألة السورية وحدها، على أهمية هذه المسألة ومفتاحيتها؛ بكلام آخر: إنّ الغرب بات يجمع قواه بأسرها في مواجهة منظومة أستانا، والنتائج الواضحة للعيان هي أن قواه ما عادت قادرة على توجيه دفة الأحداث؛ وهي الآن في مرحلة ممانعة التقدم فحسب، وهذه الممانعة نفسها لن تطول.

إنّ محاولات إعاقة مسار أستانا، لا تأتي فقط من صوب المجموعة المصغرة، بل ولها أيضاً بعض من يغذيها في تركيا وسورية، بحجج مختلفة، وسواء صدقت نِيّة المعيقين أم كذبت، فإنهم يقدمون الدعم للمحور الغربي المعادي لأستانا، والمعادي لعالم جديد ما بعد أمريكي، ومعادٍ تالياً لحقوق الشعوب عامة، ولحق الشعب السوري في تقرير مصيره بنفسه وفي الخلاص من كارثته.

إن إبعاد الولايات المتحدة، وشرورها، بشكل نهائي عن منطقتنا، يتطلب تعزيز تفاهم أستانا وتعميقه، بما يعنيه ذلك من علاقات ثنائية مع كل أطرافه، بما فيها العلاقات السورية- التركية، كما يتطلب إصراراً مستمراً على تأريض كل محاولات الغرب لضرب الثلاثي بعضه ببعض؛ هذه المحاولات التي وإن باتت مثيرة للسخرية بأشكالها وتفاصيلها وضعف حجتها، إلّا أنها لا تزال موجودة وتعمل على ثغرات لم يجر سدها بعد، ولذا لا يجوز إغفال العين عنها نهائياً.