تعريف اليسار عموما واليسار العراقي خصوصا (1) – حسقيل قوجمان

Haskal Kojman حسقيل قوجمان

في الايام الاخيرة جرت مناقشة في قناة الديمقراطية الفضائية عن اليسار العراقي لم استطع تتبعها لاني كنت خارج بريطانيا اثناء ذلك. ولكني اعتقد ان بحث موضوع بهذه السعة والاهمية يتطلب قبل كل شيء الاتفاق او على الاقل محاولة الاتفاق على تعريف لليسار لكي يمكن ان تتحقق مناقشة الموضوع مناقشة قريبة من النقاش العلمي ولن تكون مجرد نقاش بيزنطي لا فائدة فيه عن الاحزاب والمنظمات والانتفاضات وغير ذلك. احاول في هذا البحث ان اتوصل الى تعريف لليسار عموما وبحث اليسار العراقي خصوصا. اقول تعريفا لليسار عموما لاني احاول اجد تعريفا لليسار في جميع الظروف والمراحل التي تمر بها مختلف المجتمعات واحاول ان اتخذ اليسار العراقي نموذجا لليسار حسب تطوره التاريخي لان اليسار ككل ظاهرة اخرى ظاهرة تتغير بتغير الظروف والمراحل التي يمر بها المجتمع الذي نريد بحثه او مناقشته وفي هذه الحالة المجتمع العراقي.
نشأ مفهوم اليمين واليسار تاريخيا في فترة الاعداد للثورة الفرنسية الكبرى. ففي مجلس النواب الفرنسي اثناء الحكم الملكي جلس النواب المعارضون الذين يطالبون بالتغيير في الجانب الايسر من المجلس بينما جلس النبلاء والاقطاعيون ورجال الدين الذين يدافعون عن النظام القائم ويرغبون في استمراره وربما اجراء بعض التغييرات الطفيفة عليه في الجانب الايمن من المجلس. وهكذا نشأ مفهوم اليسار واليمين. ولا ادري ان كان هذا التكتل الى اليمين واليسار مقصودا ام كان غير مقصود اي هل قرر المعارضون التكتل والجلوس كتلة واحدة في الجانب الايسر من المجلس ام كان الامر خلاف ذلك اي ان النبلاء والاقطاعيين ورجال الدولة ورجال الدين الذين كانوا يعتبرون انفسهم من ذوي الدم الازرق استنكفوا من الجلوس جنبا الى جنب مع الطبقة المتوسطة، طبقة العوام ذوي الدم الاحمر. ولكن هذا الامر لا يهمنا في هذا البحث وما يهمنا في الواقع حقيقة ان المعارضين في هذا البرلمان جلسوا ككتلة في الجانب الايسر من المجلس فاطلق عليهم لقب اليسار.
كانت الاغلبية الساحقة من هؤلاء المعارضين من التجار او من المثقفين الذين يساندونهم في مطالبهم بالتغيير. كان هؤلاء التجار انذاك يمارسون التجارة عن طريق تزويد الحرفيين بالمواد الخام والاستيلاء على منتجاتهم لقاء اجور طفيفة لبيع هذه المنتجات في ارجاء فرنسا ونيل الارباح منها. كان النظام الاقطاعي عائقا في طريق هؤلاء التجار لان التاجر حين كان يتنقل ببضاعته من اقطاعية الى اخرى كان عليه ان يدفع ضريبة للاقطاعي في تلك الاقطاعية ولذلك كانت هذه الضرائب المتكررة في كل اقطاعية تقلص من ارباح هؤلاء التجار فكان شعارهم الشهير “دعه يعمل دعه يمر” اي ان هؤلاء كانوا يطالبون بتحريرهم من دفع الضرائب للاقطاعيين في كل مقاطعة وجعل فرنسا بلدا واحدا غير مقسم الى اقطاعيات. وخلاصة القول هو ان هؤلاء اليساريين كانوا يطالبون بتغيير النظام القائم وانشاء نظام جديد يتلاءم مع مقتضيات تجارتهم وزيادة ارباحهم.
وقامت الثورة الفرنسية الكبرى وغيرت النظام وقضت على النظام الملكي واقامت نظاما جمهوريا تبلور في التالي الى نظام حكم برجوازي. فكانت ثورتهم من اكبر الثورات البرجوازية الكلاسيكية في التاريخ ان لم تكن اكبرها. ولكن الذين قاموا بالثورة لم يكونوا نواب اليسار في البرلمان الفرنسي وانما كانوا الكادحين الفرنسيين الذين انتفضوا واحتلوا الباستيل واخذوا السلاح من الجيش الفرنسي واعتقلوا العائلة المالكة في سبيل تحقيق ذلك. فلولا انتفاض الجماهير الكادحة لما امكن تحقيق الثورة الفرنسية على ايدي النواب اليساريين في المجلس. ان اليسار الحقيقي هو هذه الجماهير المناضلة الواقعة تحت الاستغلال والهادفة الى تغيير النظام القائم وخلق نظام جديد يحررهم من الاستغلال. ولابد ان هذه الجماهير كانت لها قيادات تستطيع ان تجمعها وتوجهها وتنظمها وتقودها في هذا النضال العظيم.
من هذا يمكن حسب رايي التوصل الى تعريف عام لليسار ينطبق على جميع المجتمعات في مختلف مراحل تطورها ربما باستثناء المجتمع الاشتراكي اذ يحتاج التعريف فيه الى بعض التغيير. اليسار هو مجموع البشر الذين تدعو مصلحتهم الى تغيير النظام القائم ويعملون على تحقيق ذلك واليمين هو جميع الذين تدعو مصالحهم الى ابقاء النظام القائم والدفاع عنه. واذا تحدثنا عن العراق في مختلف التغيرات السياسية التي طرأت عليه منذ تأسيس الدولة العراقية بعد ثورة العشرين الى يومنا هذا فان هذا التعريف ينطبق انطباقا تاما على ظروف العراق. ففي جميع الظروف كانت هناك جماعات تدعو مصالحها الى تغيير النظام القائم وهناك جماعات تدعو مصالحها الى ابقاء النظام القائم والدفاع عنه. ان اليسار هو المجموعات البشرية المكونة للعناصر التي تريد تغيير النظام القائم في مختلف مراحله وليس الاحزاب الممثلة لهذه المجموعات البشرية.
ولكن المجموعات البشرية تتكون من فئات مختلفة تختلف المصالح الاقتصادية لكل فئة منها عن مصالح الفئات الاخرى. والماركسيون خصوصا يدرسون هذه الفئات على اساس تكوينها الاقتصادي وكيفية حصولها على مصادر عيشها او ما يمسى بالمصطلح الاقتصادي علاقات الانتاج. تقسم الماركسية هذه الفئات الى طبقات ومراتب تكون لكل طبقة فيها مصالح عامة مشتركة ولكل مرتبة فيها مصالح مشتركة وعلى اساس تقسيم المجتمع الى مكوناته الطبقية تحدد طبيعة كل من هذه الطبقات والمراتب وكفاءاتها النضالية وجديتها في تحقيق تغيير النظام.
اذا اقتصرنا في بحثنا على النظام الراسمالي وهو النظام السائد في ارجاء العالم اليوم نجد ان في مجتمعات هذه الانظمة الاجتماعية الراسمالية عموما توجد طبقتان هما الطبقة العاملة والطبقة الراسمالية. وتوجد بين هاتين الطبقتين مراتب عديدة تتوسط في مصالحها الاقتصادية بين مصالح الطبقة العاملة ومصالح الطبقة الراسمالية. والطبقة الراسمالية هي الطبقة السائدة المسيطرة في هذه المجتمعات الراسمالية وهي ثابتة ثبات المجتمع الراسمالي. فلا وجود للمجتمع الراسمالي بدون الطبقة الراسمالية وجميع بقايا الطبقات الحاكمة السابقة للطبقة الراسمالية تميل الى التحول الى جزء من هذه الطبقة الراسمالية. والطبقة الراسمالية في المجتمع الراسمالي هي الطبقة التي تبذل كل طاقاتها من اجل الحفاظ على هذا النظام الراسمالي ولذلك تشكل الطبقة الراسمالية اليمين الثابت غير المتغير طوال فترة وجود النظام الراسمالي.
وفي مقابل الطبقة الراسمالية توجد طبقة اخرى ثابتة دائمة ثبات ودوام المجتمع الراسمالي هي الطبقة العاملة. فالطبقة الراسمالية لا وجود لها بدون الطبقة العاملة. وكلما ازداد المجتمع الراسمالي تقدما ازداد تطور الطبقة العاملة كميا ونوعيا وازداد فقرها وشقاؤها حتى لو تغيرت اجورها الاسمية وارتفعت مستويات معيشتها وثقافتها. لذلك فالطبقة العاملة هي الطبقة الثانية الثابتة والمتطورة التي لا تتغير مادام النظام الراسمالي قائما. وهذه الطبقة العاملة هي الطبقة الاكثر معاناة والاكثر استغلالا من الفئات الاجتماعية الاخرى وهي الطبقة التي تدعو مصالحها الى تغيير هذا النظام الراسمالي القائم لصالحها اي لاجل تحررها من الاستغلال الراسمالي. الطبقة العاملة بناء على ذلك هي الطبقة اليسارية الثابتة والرئيسية في النظام الراسمالي وهي الطبقة الاكثر يسارية في المجتمع الراسمالي في جميع الاوقات وكافة الظروف.
وفيما عدا هاتين الطبقتين لا توجد في النظام الراسمالي طبقة ثالثة متجانسة وثابتة اخرى. لذلك توجد مراتب من مجموعات بشرية كبيرة او صغيرة تتشابه مصالحها الاقتصادية والثقافية وغيرها تشابها يجعل منها كتلة بشرية تطلق الماركسية عليها اسم المرتبة. واكثر هذه الفئات او المراتب عددا هم الفلاحون الذين يشكلون في الكثير من البلدان الراسمالية وقبل الراسمالية اغلبية ساحقة من المجتمع. ولكن الفلاحين لم يعودوا يشكلون طبقة واحدة في المجتمعات الراسمالية رغم كثرة عددهم وانما تفككت طبقة الفلاحين الى مراتب عديدة تختلف مصالح كل مرتبة منها عن مصالح المراتب الاخرى. فهناك مرتبة العمال الزراعيين الذين تتشابه مصالحها مع مصالح الطبقة العاملة تشابها يكاد يكون كاملا وهناك مرتبة فقراء الفلاحين التي تقترب مصالحها من مصالح الطبقة العاملة ومرتبة متوسطي الفلاحين وهي تضم عادة اغلبية الفلاحين في النظام الراسمالي ولها مصالحها الخاصة المتذبذبة بين مصالح الطبقة العاملة او فقراء الفلاحين وبين برجوازية الريف او البرجوازية الزراعية. وهناك مرتبة اغنياء الفلاحين او البرجوازية الريفية التي تشكل جزءا لا يتجزأ من الطبقة الراسمالية وهناك بقايا الطبقة الاقطاعية والملاكين العقاريين التي تضطر في المجتمع الراسمالي الى ان تتحالف وتربط مصيرها بمصير الطبقة الراسمالية.
وهناك في المدينة مراتب عديدة منها المرتبطة بالحياة الصناعية مثل النجارين والحدادين والسباكين والصفارين والنساجين والخياطين والحلاقين وسائر الفئات الحرفية وهناك مراتب ترتبط بالحياة الثقافية مثل الطلاب والمعلمين والمهندسين والصحفيين والمحامين والاطباء والصيادلة وضباط الجيش وغيرهم. وجميع هذه المراتب سواء منها في الريف واهمها متوسطو الفلاحين ام في المدينة كالمراتب الحرفية والمراتب الثقافية هي مراتب متوسطة بين الراسمالية والطبقة العاملة. ولذلك فان مصالحها الاقتصادية هي الاخرى ترتبط بالطبقة الراسمالية جزئيا وبالطبقة العاملة جزئيا. فالراسمالية بتطورها تدفع هذه المراتب الى التدهور الى مستوى الطبقة العاملة ولكنها في الوقت ذاته ترفع او تبعث في البعض منها امل التحول الى مستوى الطبقة الراسمالية ولهذا فان هذه المراتب كلها تتميز بتقلبها بين اليسار واليمين وهذا ناشئ بصورة طبيعية عن طبيعتها المتوسطة بين الطبقة الراسمالية والطبقة العاملة. فهذه المراتب المتوسطة تتقلب في اتجاهاتها بين اليسار واليمين فيميل الى اليسار الجزء الذي يشعر بان مصالحه البعيدة ترتبط بمصالح الطبقة العاملة ويميل الى اليمين الجزء الذي ترتبط مصالحه بمصالح الطبقة الراسمالية مثل ضباط الجيش المتقدمين وموظفي الدولة الكبار وكبار المحامين والمتبرجزين من المهندسين والى اخره ويشمل ذلك متوسطي الفلاحين الذين تسحقهم الراسمالية فتدفع الملايين منهم الى مستوى الطبقة العاملة ويرتفع العدد اليسير منهم الى مرتبة اغنياء الفلاحين.
هذا التعريف العام لليسار واليمين، اليسار هو القوى الاجتماعية التي تدعو مصالحها الى تغيير النظام القائم والعمل على تغييره، واليمين هو القوى الاجتماعية التي تدعو مصالحها الى ابقاء وادامة النظام القائم والعمل بكل الوسائل على ادامته ينطبق عمليا على جميع المجتمعات الطبقية المعروفة لحد الان ولكن انطباقه يختلف باختلاف مراحل تطور المجتمع الواحد. وبما ان موضوعنا هو بحث اليسار العراقي فعلينا ان نتخذ العراق مثلا ويمكن لكل انسان غير عراقي ان يطبقه على مراحل تطور مجتمعه بنفس الطريقة.

تعريف اليسار عموما واليسار العراقي خصوصا 2 (ارسلت)

منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة بعد ثورة العشرين وحتى ثورة تموز كان الحكم في العراق حكما ملكيا خاضعا لنفوذ الاستعمار البريطاني بدرجات متفاوتة. وكان نظام الحكم فيه النظام الذي سمي نظاما شبه اقطاعي شبه استعماري. كان اليمين الثابت في هذا النظام يتألف من كبار الاقطاعيين وكبار التجار الذين ارتبطت مصالحهم ارتباطا تاما بالمصالح البريطانية او الدول الامبريالية الاخرى وهم ما يدعى عادة بالكومبرادور، وفئات من المراتب المتوسطة، وخصوصا من المراتب الثقافية التي ارتبطت مصالحها بالطبقة الحاكمة وقامت على خدمتها. فهؤلاء بذلوا كل جهودهم السياسية والعسكرية والاعلامية والاقتصادية والثقافية لابقاء النظام القائم وادامته.
وكان اليسار الثابت في هذه المرحلة يتألف من الطبقة العاملة، وهي الطبقة التي تتطلب مصالحها تغيير النظام القائم تغييرا جذريا. وكانت الطبقة العاملة في هذه الفترة من تاريخ العراق طبقة ناشئة قريبة العهد بالحياة الفلاحية، ولكنها مع ذلك كانت طبقة متبلورة وكبيرة اذا ما قورنت بالبرجوازية الوطنية. فلم تكن الطبقة العاملة العراقية طبقة ناشئة مع نشوء البرجوازية الوطنية وحدها، نظرا الى ان المستعمرين خلقوا طبقة عاملة في مشاريعهم الامبريالية كالنفط والسكك والميناء وغيرها. وكانت تنتمي الى اليسار الثابت في هذه المرحلة الطبقة البرجوازية العراقية الناشئة او ما كنا نطلق عليه اسم البرجوازية الوطنية. فالبرجوازية الوطنية في هذه المرحلة كانت جزءا من اليسار العراقي. وبين هاتين الطبقتين كانت تقع المراتب المتوسطة التي كانت اغلبيتها تميل الى اليسار نظرا الى ان الطبقتين الرئيسيتين كلاهما تنتميان الى اليسار ولا ينتمي منها الى اليمين سوى كبار الموظفين وكبار ضباط الجيش والشرطة وغيرهم ممن وجدوا ان مصالحهم ترتبط ببقاء النظام القائم وليس في تغييره.
كان نضال الطبقة العاملة واضحا وجليا في هذه المرحلة وكان نضال الطبقة البرجوازية هو الاخر واضحا وجليا في هذه المرحلة ولكن المشكلة الاساسية هي في المراتب المتوسطة وخصوصا المراتب الثقافية. فمن طبيعة هذه المراتب انها تريد التغيير ولكنها تريد ايضا ان تخضع حركة الطبقة العاملة في نضالها تحت سيطرتها وحسب توجيهها لاتخاذها وسيلة لتحقيق مطامحها البعيدة عن مصالح الطبقة العاملة. من هنا نشأ مفهوم الانتهازية. فالانتهازية تعني محاولة السيطرة على حركة الطبقة العاملة وتوجيهها توجيها بعيدا عن مصالح الطبقة العاملة. والكفاح ضد الانتهازية كفاح معروف كتب عنه الرفيق فهد كثيرا ومارسه بدون هوادة. ان اهم ما في هذه الفترة بصدد بحثنا، اي بحث اليسار العراقي، هو وجود الطبقة الراسمالية الوطنية ضمن قوى اليسار العراقي. وهذا ادى الى صراع اليسار العراقي صراعا مزدوجا. فالطبقة العاملة تشكل اقصى اليسار العراقي ولها كيانها المستقل عن الطبقة الراسمالية الوطنية من جهة، وللطبقة العاملة من الجهة الثانية مصلحة مشتركة مع الراسمالية الوطنية في تغيير نظام المجتمع العراقي. كان هذا الصراع القائم بين قوى اليسار والمصالح المشركة بينها صراعا محتدما طيلة هذه الفترة. فالبرجوازية الوطنية تريد السيطرة على الحركة اليسارية كلها لمصلحتها ولكن الطبقة العاملة تريد ان تكون حركتها اليسارية مستقلة ومنفصلة عن الحركة اليسارية البرجوازية مع السعي الى العمل المشترك في النطاق اليساري اي في النضال من اجل تغيير النظام القائم. وعلى هذا الاساس نشأت ضرورة وجود جبهة وطنية تتعاون فيها قوى اليسار المختلفة على تغيير النظام القائم وفي الوقت ذاته تحافظ الطبقة العاملة على استقلالية نضالها عن نضال الطبقة البرجوازية وعلى النضال ضد الطبقة البرجوازية فيما يتعلق بحقوق الطبقة العاملة من الاجور وظروف العمل وغيرها. من هنا نشأت طبيعة الجبهة الوطنية في هذه المرحلة من مراحل تطور المجتمع العراقي. فالجبهة الوطنية تعني الاتفاق والتعاون على تحقيق هدف مشترك والنضال المستقل فيما يتجاوز موضوع هذا الهدف المشترك. واهم اهداف النضال المشترك هو هدف تحقيق الثورة على النظام القائم وتغييره تغييرا جذريا. ولكن مسيرة النضال في سبيل ذلك تتطلب احيانا الاتفاق على اهداف مشتركة مؤقتة يمكن عقد الجبهة من اجل تحقيقها وتنتهي الجبهة بانتهاء مهمتها الانية مهما كانت بسيطة. هذا النضال المزدوج، الاتفاق على اهداف مشتركة والصراع على اهداف مختلفة هو جوهر طبيعة الجبهة الوطنية. والتخلي عن هذه الازدواجية في النضال هو تخل عن مصالح الطبقة العاملة لصالح الطبقة البرجوازية الوطنية. وكان هذا التمييز واضحا وجليا في كل كتابات فهد وحسين الشبيبي في فترة بناء الحزب الشيوعي العراقي ولم يحد الحزب الشيوعي قيد شعرة عنه وكان هذا ما اغضب كامل الجادرجي في حينه فاطلق مختلف النعوت على الرفيق فهد لعناده وتصلبه في المفاوضات.
وجاءت ثورة تموز البرجوازية على شكل انقلاب عسكري لان الانقلاب العسكري هو افضل اشكال الثورة البرجوازية من وجهة نظر البرجوازية الوطنية اذ انه في الوقت الذي يجري فيه تغيير النظام من نظام شبه اقطاعي الى نظام برجوازي يجري تحاشي تسليح الشعب والطبقة العاملة وتحاشي الثورة المسلحة الشعبية التي ترهب الطبقة البرجوازية وتخيفها.
ومنذ يوم ۱٤ تموز تغير الوضع بالنسبة لليسار العراقي تغيرا جوهريا. ففي حين كانت البرجوازية الوطنية قبل الثورة جزءا من اليسار العراقي اصبحت البرجوازية الوطنية بعد الثورة القوة اليمينية الرئيسية التي تريد المحافظة على النظام الراسمالي الجمهوري الذي نشأ بعد الثورة وتعمل كل ما بوسعها لصيانته والمحافظة عليه. وتحول الجزء الاكبر من المراتب المتوسطة الى جانب هذا اليمين البرجوازي على الاقل بصورة مؤقتة وخصوصا في ذلك متوسطو الفلاحين الذين تأملوا الحصول على الارض نتيجة للاصلاح الزراعي الجزئي الذي اعلنته حكومة الثورة البرجوازية. واصبحت القوى الاساسية لليسار هي الطبقة العاملة وحلفاؤها من العمال الزراعيين وفقراء الفلاحين وجزء من المراتب المتوسطة المسحوقة اقتصاديا. وكانت سياسة الطبقة الحاكمة البرجوازية الجديدة سياسة مزدوجة. فمن ناحية انجزت خطوات كبيرة في تحرير العراق وثرواته من النفوذ الاستعماري والاحلاف الاستعمارية وخلقت الفرص لتطور البرجوازية تطورا حرا الى درجة كبيرة، ومن الناحية الاخرى عملت على تقييد وتضييق حركة الطبقة العاملة خوفا من انتفاضها عليها وقلب نظامها. وقد تجلى ذلك في السياسة التي اتبعتها حكومة عبد الكريم قاسم طوال فترة وجودها. فعلى سبيل المثال من المعروف ان حكومة الثورة اطلقت سراح جميع السجناء بلا استثناء مباشرة بعد الثورة. ولم يقتصر الامر على السجناء السياسيين بل شمل جميع السجناء وهو ما سمي في حينه تبييض السجون. ولكننا اذا تتبعنا الاحداث في فترة حكم عبد الكريم قاسم نجد ان عدد السجناء السياسيين فيها بلغ عشرات اضعاف عدد السجناء السياسيين في جميع فترة الحكم الملكي. ففي حين اقتصرت السجون السياسية في العهد الملكي على سجن الكوت وسجن نقرة السلمان وجزئيا سجن بغداد فقط ثم جمع كل السجناء السياسيين في سجن بعقوبة السيء الصيت تعددت السجون السياسية في عهد عبد الكريم قاسم الى عشرات السجون السياسية مثل الموصل والحلة والعمارة والبصرة اضافة الى السجون القديمة مثل بعقوبة والكوت ونقرة السلمان. وقد سادت هذه السياسة المزدوجة طيلة فترة حكم عبد الكريم قاسم. وكانت سياسة عبد الكريم قاسم دائما موازنة الحركة العمالية مع الحركة القومية خصوصا في الجيش حيث كان يبعد الضباط الذين يميلون الى حركة العمال ويقرب الضباط القوميين الذين كانوا في النهاية هم الذين قرروا مصيره المفجع. ودام ذلك الى ان حلت الانقلابات المدبرة من قبل السي اي اي والدول الامبريالية الطامعة في الثروات العراقية وهو ما شاهدناه في انقلابات البعث العراقي الى ان ساد حكم صدام وجلاوزته. سأتجاوز بحث اليسار واليمين في فترة حكم صدام وانتقل الى الوضع الحالي في العراق تحت وطأة الاحتلال الاميركي البريطاني.
ان مفهوم اليسار العراقي اليوم مفهوم يتفق مع التعريف العام لليسار اي هو جميع الفئات الاجتماعية التي تدعو مصالحها الى تغيير النظام القائم وكذلك ينطبق تعريف اليمين بانه جميع الفئات التي تدعو مصالحها الى ابقاء وادامة النظام القائم. ولكن النظام القائم هو نظام الاحتلال الاميركي والسلطات الحاكمة شكليا في العراق اليوم هي سلطات عينتها وتعينها قوات الاحتلال التي تهدف الى ادامة الاحتلال الى الابد. فاليسار اليوم يضم كل انسان معارض للاحتلال ويعمل باية وسيلة لطرده وطرد الفئات الحاكمة التي فرضها واليمين اليوم هو كل من يؤيد الاحتلال ويرغب في بقائه ويعمل على ادامته.
ولكن طريقة واساليب محاربة الاحتلال والعمل على ازالته وازالة القوى التي جاءت معه تختلف من فئة الى اخرى. وفي هذا المجال ايضا من المفروض ان الطبقة العاملة وفقراء الفلاحين هم الاكثر نشاطا والاكثر صمودا وتضحية في سبيل ذلك. كذلك يشكل الهدف الذي تبغي الطبقة العاملة بحلفها مع فقراء الفلاحين تحقيقه هدفا يختلف عن الهدف الذي تريد فئات اخرى من المجتمع تحقيقه بعد ازاحة المحتلين. الهدف الحقيقي الذي يمثل مصالح الطبقة العاملة وفقراء الفلاحين وسائر المراتب المتوسطة الدنيا من الناحية الاقتصادية هو تحقيق مجتمع خال من الاستغلال الاقتصادي اي مجتمع لا تكون فيه الطبقة البرجوازية واي من فئاتها هي الطبقة الحاكمة. الطبقة العاملة تهدف الى تحقيق نظام حكم تكون الطبقة الحاكمة فيه هي الطبقة العاملة بالتحالف مع سائر الكادحين من اجل تحويل المجتمع القائم على استغلال الطبقة العاملة والكادحين الى مجتمع يعمل على تحويل المجتمع الحالي الى مجتمع اشتراكي لا اثر فيه لاستغلال الانسان للانسان. ولكن المجتمع يضم فئات اخرى غير الطبقة العاملة والكادحين وهي فئات تشعر بظلم الاحتلال وتدميره للعراق وللشعب العراقي والدولة العراقية والجيش العراقي وتدمير البنى التحتية كما حصل منذ الاحتلال حتى يومنا هذا وهي لذلك تناضل بشتى الوسائل من اجل طرد المحتلين وتحرير العراق من استعباده وظلمه. ولكن اهدافها التي تصبو الى تحقيقها بعد ازالة الاحتلال تختلف عن اهداف الطبقة العاملة والكادحين. وهنا توجد منافسة هائلة حتى اثناء النضال المشترك ضد الاحتلال واعوانه وعملائه.
كل ما جاء اعلاه حول المرحلة الحالية التي يمر بها المجتمع العراقي هو تحليل نظري بحت. فمن الناحية النظرية يترتب على الطبقة العاملة لا ان تساهم في مقاومة الاحتلال بكل الوسائل السلمية والمسلحة وحسب بل ان تقودها وتحتويها وتوجهها وتنظمها. فالطبقة العاملة وحلفاؤها من الكادحين هم اكثر الناس تضررا من التدمير الذي احدثه المستعمرون الانكلو- اميركان وعملاؤهم الذين جاؤوا على دباباتهم ليحكموا العراق. انها مهمة تاريخية يضعها التاريخ على عاتق الطبقة العاملة وحلفائها. ولكن البون شاسع بين النظرية والتطبيق. فلكي تستطيع الطبقة العاملة ان تقوم بمهمتها التاريخية عليها ان تكون هي ذاتها موحدة. ولكن الطبقة العاملة العراقية لم تكن موحدة خلال اكثر من خمسين عاما. ولكي يمكن للطبقة العاملة ان تتوحد ينبغي ان تنشأ من صفوفها قيادة واعية مثقفة لها خبرات نظرية وعملية تعمل على رفع وعي الطبقة وتنظيمها وتوجيهها وتوحيدها وزجها في هذا النضال العظيم، نضال تحرير العراق من الاحتلال وانشاء حكم يتخلص من كل انواع الاستغلال. ولكن الحزب الذي نشأ في الاصل وبجدارة نادرة للقيام بهذه المهمة، الحزب الشيوعي العراقي بقيادة الرفيق فهد، تخلى عن مهمته وسلك سياسة تحريفية وسار وراء الاتحاد السوفييتي الذي هو الاخر تخلى عن مهمته واتخذ سياسة تحريفية مهمتها اعادة الراسمالية الى الاتحاد السوفييتي، فاصبح عدوا للطبقة العاملة ومضللا لها وعائقا في سبيل نضالها الثوري. والطبقة العاملة اليوم مشرذمة لا تعرف من من هذه الفسيفساء من الاحزاب التي تدعي الماركسية وتدعي قيادة الطبقة العاملة وهي لا تستطيع الاتفاق فيما بينها على حقيقة الماركسية وعلى طبيعة مهمة الطبقة العاملة في هذه المرحلة العسيرة. ان ما تحتاجه الطبقة العاملة هو حزب من صلبها مندمجا معها، مناضلا في صفوفها، وواعيا لعظم المهمة الملقاة تاريخيا على عاتق الطبقة العاملة وعلى قيادتها. وهذا الامر يبدو بعيدا في الاوضاع الحالية التي تعاني منها الطبقة العاملة.

تعريف اليسار عموما واليسار العراقي خصوصا 3 ارسلت

من حلقة او حلقتين جرت اعادتهما من سلسلة حلقات بحث اليسار العراقي الانفة الذكر شعرت ان الجو السائد في هذه الحلقات هو بحث اليسار وكأنه يتألف من الاحزاب وليس من الطبقات والمراتب الاجتماعية المكونة للشعب. فقد انصب البحث في هاتين الحلقتين على تاريخ الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث العربي الاشتراكي وكأنهما المكونان الاساسيان لليسار العراقي. ولذلك اعتقد ان البحث لا يقوم على اساس علمي لبحث اليسار العراقي مما ادى الى التخبط اثناء النقاش في الحلقات في مواقف الاحزاب وخصوصا الحزب الشيوعي العراقي الذي اجتاز في تاريخه مراحل مختلفة متناقضة عجز المتحدثون عن تفسيرها فتحولوا الى بحث مواقف الاتحاد السوفييتي المختلفة المتناقضة هي الاخرى بسبب تحول سياسة الاتحاد السوفييتي ذاته في مراحل تطوره التاريخي منذ ثورة اكتوبر الى الانهيار النهائي ومحاولة تفسير سياسة الاتحاد السوفييتي في تجهيز البلدان النامية بالسلاح وسبب عدم تزويدها باحدث الاسلحة. وتحول النقاش الى بحث تاريخ كلمة ديمقراطية والتأكيد على وجود الديمقراطية في العهد الملكي ثم في عهد قاسم وانعدامها في العهود الاخرى وهي مواضيع لا علاقة لها بالموضوع الاساسي للحلقات وهو تاريخ اليسار العراقي.
والسؤال الذي يتبادر الى الذهن هو “ما هو دور الاحزاب العراقية وخصوصا الحزب الشيوعي العراقي في بحث تاريخ اليسار العراقي؟”
منذ نشوء النظرية الماركسية وتبلورها كنظرية الطبقة العاملة اي منذ صدور البيان الشيوعي سنة ۱٨٤٨ ونشوء حركات عمالية ثورية تتخذ الماركسية اساسا هاديا لها في نضالاتها اخذت تنشأ منظمات تعمل على توعية الطبقة العاملة الى نظريتها والاساليب التي تفرضها هذه النظرية على نضالاتها. نشأت الاممية الاولى كمنظمة عالمية للطبقة العاملة بقيادة كارل ماركس وفريدريك انجلز كانت مهمتها الاساسية توعية الطبقة العاملة وزج الفئات الواعية منها في النضال العالمي المشترك. ثم نشأت احزاب للطبقة العاملة في العديد من الاقطار الراسمالية المتطورة راسماليا اطلق عليها اسم الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية وانتظمت هذه الاحزاب في اممية جديدة هي الاممية الثانية. كانت هذه الاممية هي الاخرى احزابا تمثل الطبقة العاملة وتقود نضالاتها وتعمل على توعيتها ورفع مستواها النظري والثقافي. دام ذلك حتى الحرب العالمية الاولى حين تخلت هذه الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية عن اهداف الطبقة العاملة وانحاز كل حزب منها الى برجوازيته في محاربة البلدان الاخرى تحت شعار الدفاع عن الوطن. وبدلا من ان يقود كل حزب طبقته العاملة وكادحيه للثورة على برجوازيته وانهاء الحرب الاستعمارية الجائرة التي دمرت كافة الشعوب المتحاربة كما نص عليه القرار الذي سبق للاممية الثانية ان اتخذته سنة ۱٩۱۲ دعت هذه الاحزاب طبقتها العاملة لمحاربة الطبقة العاملة في البلدان الاخرى لمصلحة برجوازيتها الامبريالية. وهنا جاء دور لينين في الانشقاق عن الاممية الثانية وفضح انتهازيتها وتخليها عن اهداف الطبقة العاملة التي انشئت من اجلها ومن اجل تحقيقها.
كان حزب لينين، الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي البلشفي، هو الحزب الوحيد الذي تمسك بقرار الاممية الانف الذكر، وواصل النضال بلا هوادة من اجل تحقيق اهداف الطبقة العاملة ودعا جميع الاعضاء المخلصين لحركة الطبقة العاملة في الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية الاخرى الى ترك احزابهم وتكوين احزاب جديدة للطبقة العاملة. لم يدع لينين الى صيانة احزاب كارل ماركس وانجلز والعمل على اعادتها الى الطريق القويم لان ذلك هراء لا يؤدي الا الى تحطيم حركة الطبقة العاملة الثورية الحقيقية. وبعد ثورة اكتوبر اطلق على الحزب البلشفي اسم الحزب الشيوعي بدلا من الحزب الاشتراكي الديمقراطي لان هذا الاسم اصبح سيء الصيت وسبة لحركة الطبقة العاملة الثورية. واخذت الاحزاب العمالية في ارجاء العالم تطلق على احزابها اسم الاحزاب الشيوعية. ونشأت الاممية الثالثة، الاممية الشيوعية، من مجموع الاحزاب الشيوعية التي تألفت في ارجاء العالم. وكان من اهم مهام الاممية الثالثة المساعدة على خلق احزاب شيوعية في البلدان المستعمرة والتابعة المتأخرة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. وحين تبلور حزب الطبقة العاملة العراقية واتخذ الماركسية اساسا لنضاله اطلق عليه اسم الحزب الشيوعي العراقي واصبح عضوا في الاممية الثالثة.
حين عاد الرفيق فهد من دراسته في جامعة كادحي الشرق في الاتحاد السوفييتي اعاد تأسيس الحزب الشيوعي العراقي على اسس متينة ثابتة فاصبح الحزب خلال مدة قصيرة اقوى واكبر حزب سياسي في العراق رغم نضاله السري ورغم الاضطهاد الذي مارسته عليه الطبقة الحاكمة العراقية والسلطة الامبريالية البريطانية المسيطرة الحقيقية على السياسة العراقية ورغم مساهمة اكثر الاحزاب البرجوازية والبتي برجوازية القائمة في اضطهاد وعزل الحزب الشيوعي على انه حزب غير شرعي وغير مجاز وما شابه ذلك من مزاعم وادعاءات. ورغم تحريك العناصر الدينية الى شجب الشيوعية وتكفيرها وخلق مختلف الاشاعات عن اهدافها. ولكن الحزب الشيوعي العراقي بقيادة فهد تطور تطورا هائلا رغم كل هذا الاضطهاد. فما هو السر في هذا التقدم والتطور؟ السر هو ان الحزب الشيوعي العراقي كان في هذه الفترة من تاريخه فئة من الطبقة العاملة وجزءا لا يتجزأ منها ومناضلا مجاهدا في صفوفها والطبقة العاملة شعرت وتشعر بذلك ولذلك ايدته وبذلت كل ما في استطاعتها من اجل مواصلة تقدمه وتطوره والالتفاف حوله والسير تحت قيادته. كانت قوة الحزب الشيوعي العراقي هي كونه جزءا من الطبقة العاملة وليس منظمة منفصلة مستقلة عن الطبقة العاملة باي شكل من الاشكال.
يحلو للكثير من الكتاب والمعلقين على سياسات الاحزاب الشيوعية وتركيبها، الحديث عن نسبة كبيرة من المثقفين والطلاب في صفوف الحزب الشيوعي. بل ان البعض يعترض حتى على تسمية الحزب الشيوعي الحقيقي حزب الطبقة العاملة والمثقفين والكادحين ويطالب بتسميته حزب المثقفين والعمال لان المثقفين فيه هم الاغلبية. ارجئ الحديث عن الاوضاع الحالية اليوم الى المكان المناسب حيث يجري الحديث عن ظروفنا الحالية. ولكني اريد الحديث عن فترة قيادة الرفيق فهد. انذاك ايضا كان المثقفون في الحزب يشكلون نسبة عالية من اعضاء الحزب ان لم يكونوا الاغلبية. وهذه ظاهرة كانت سائدة في جميع احزاب الاممية الثالثة بلا استثناء وحتى في الحزب الشيوعي السوفييتي بعد استيلاء الطبقة العاملة على السلطة حيث كانت هذه المشكلة من المشاكل التي يعاني منها الحزب ويحاول زيادة نسبة الاعضاء من العمال والفلاحين للتغلب على هذه الظاهرة. فهل كان الحزب الشيوعي في عهد قيادة الرفيق فهد حزب الطبقة العاملة العراقية ام كان حزب المثقفين والعمال؟ ان الماركسية نظرية علمية، بل هي اعلى النظريات العلمية الاجتماعية تطورا. ولذلك فان البلوغ الى فهم واعتناق واستيعاب الماركسية اصعب على العمال منه على المثقفين. فالمثقفون اقرب من العمال الى فهم واستيعاب الماركسية عن طريق القراءة والمتابعة وكذلك محاولة تطبيقها تطبيقا صحيحا. وهذا هو السبب الاساسي لانجذاب المثقفين الى الاحزاب الشيوعية وزيادة نسبة وجود المثقفين في الاحزاب الشيوعية. ولكن ما هو موقف المثقف الذي ينتمي الى الحزب الشيوعي؟ ان المثقف الذي ينتمي الى الحزب الشيوعي، او حزب الطبقة العاملة ايا كان اسمه، لا ينتمي اليه بصفته مثقفا بل بصفته مناضلا في صفوف الطبقة العاملة. ان المثقف الذي ينتمي الى حزب الطبقة العاملة يتخلى عن مصالحه الانية كمثقف ويتبنى مصالح الطبقة العاملة كمصلحته الاساسية. انه يتخلى عن مصالحه الانية القريبة كمثقف ويؤمن بمصالحه البعيدة المرتبطة بمصالح الطبقة العاملة والكادحين. ولذلك جاء في النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي:
“ولا تبتغي” (الطبقة العاملة وليس الحزب) “في اهدافها البعيدة تحرير العمال وحدهم من الاستثمار والحرمان والعبودية والتأخر بل تبغي تحرير الفلاحين والحرفيين وذوي الملكية الصغيرة والمثقفين واقسام الشعب كافة من جميع صنوف الاستغلال وتحطيم الاغلال التي تكبل العلم والفن والادب، وتكبت المواهب الشخصية عند الافراد والجماعات وتحرم اكثرية الشعب الساحقة من تذوق نعم الثقافة والصحة وبسطة العيش، فلا عجب ان نرى كثيرا من الفلاحين والحرفيين والكسبة ورجال العلم والفن والادب والنساء يربطون مصيرهم بمصير الطبقة العاملة، يدخلون حزبها ويصبحون منها فيكرسون حياتهم لخدمة قضيتها.
“ان الحزب الشيوعي العراقي يضم في صفوفه، الى جانب العمال، الفلاحين والحرفيين ومثقفي الشعب من رجال العلم والفن والادب والمستخدمين وصغار التجار والكسبة، اولئك الذين ينظرون الى قضية التحرر الوطني والى قضية الطبقة العاملة ويعملون لها باعتبارها قضيتهم بالذات، ان هؤلاء هم طليعة الطبقة العاملة ومفخرة شعبنا النبيل” (مؤلفات فهد ص ۱٤٤).
اذا تتبعنا تاريخ الاحزاب الشيوعية في فترة الاممية الثالثة لا نجد بين الاحزاب المنتمية الى هذه الاممية من يتحدث عن الحزب وعن قوته وعن استيلائه على السلطة وانما كان الحديث يجري دائما عن الطبقة العاملة وقيادتها للحركة الثورية وضرورة قيادتها لسائر الكادحين واعتبار الحزب جزءا منها. كان الحديث يجري عن تحالف الطبقة العاملة والفلاحين على انه القوة الثورية الاساسية القادرة على الاطاحة بالنظام القائم وتحقيق نظام جديد. وكانت اهداف الاحزاب الشيوعية في البلدان الراسمالية الكلاسيكية متشابهة، هدف تحقيق الثورة الاشتراكية، اي الاطاحة بالنظام الراسمالي واستيلاء الطبقة العاملة على سلطة الدولة. وكانت اهداف الاحزاب الشيوعية في المستعمرات واشباه المستعمرات هي الاخرى متشابهة تهدف الى تحقيق المرحلة الاولى من الثورة التي لم تتحقق بعد، مرحلة الثورة البرجوازية، قبل التحول الى مرحلة الثورة الاشتراكية. وكانت كلها تعتبر ان الطبقة البرجوازية الناشئة في احضان المجتمع الاقطاعي او شبه الاقطاعي اصبحت في عصر الامبريالية عاجزة عن تحقيق الثورة الاشتراكية تحقيقا جذريا ولذلك اصبح من مصلحة الطبقة العاملة ان تقود الثورة البرجوازية من اجل تحقيقها تحقيقا جذريا كاملا.
هذه كانت سياسة فهد حول مرحلتي الثورة في العراق. ومن هذا المنطلق حدد شروط الجبهة الوطنية مع الطبقة البرجوازية الوطنية من اجل تحقيق الثورة. ان الجبهة من وجهة نظر فهد لم تكن اتفاقية بين الحزب الشيوعي والاحزاب البرجوازية او البتي برجوازية انما كانت الجبهة تعني لديه في الاساس تحالفا مؤقتا بين الطبقة العاملة وحلفائها وبين الطبقة البرجوازية على تحقيق الثورة البرجوازية. وكانت طبيعة الثورة البرجوازية من وجهة نظر فهد تتحدد بالقوة التي تقود الثورة. اذ ان طبيعة الثورة البرجوازية تختلف باختلاف الطبقة التي تقودها وهذا يختلف جوهريا عن طبيعة الثورة الاشتراكية التي لا يمكن ان تتحقق الا بقيادة الطبقة العاملة. ففي الثورة البرجوازية في المرحلة الامبريالية توجد طبقتان متنافستان ومتصارعتان ولكنهما طبقتان تحتاجان الى التحالف من اجل تحقيق الثورة. فالصراع على القيادة صراع دائم ومرير بين الطبقتين العاملة والبرجوازية طوال فترة الاعداد للثورة البرجوازية. والجبهة الوطنية ضرورة من اجل تحقيق الثورة البرجوازية ولكنها يجب ان لا تتحقق على اساس تنازل الطبقة العاملة عن مبادئها ونضالها ودورها القيادي من اجل تحقيق الجبهة. والجبهة الوطنية جبهة مؤقتة بين طبقتين متناقضتين ومتصارعتين من مصلحتهما ان تتحالفا مؤقتا ضد عدو مشترك في الوقت ذاته ولا يمكن ان تكون جبهة دائمة طويلة الامد. فالجبهة اتفاق على تحقيق هدف معين تنتهي بالانتهاء من تحقيقه. واقصى الاهداف التي يمكن ان تكون للجبهة بين الطبقة العاملة واحلافها وبين البرجوازية هو هدف الثورة البرجوازية. وفي هذه الحالة تنتهي الجبهة لحظة نجاح الثورة.
اريد ان اورد هنا مثلا على جبهة حقيقية تحققت ليوم واحد في عهد الرفيق فهد. فقد قررت الاحزاب البرجوازية والبتي برجوازية القائمة في سنة ۱٩٤٥ القيام باضراب عام ليوم واحد في العراق للمطالبة ببعض الحريات الديمقراطية مثل اجازة الاحزاب والمنظمات الاجتماعية وغيرها من الشعارات التي كانت انية في حينه. وكانت الاحزاب البرجوازية انذاك تستنكف من عقد اتفاقات مع الحزب الشيوعي لانه حسب زعمها حزب غير شرعي. ولكنها شعرت ان دعوتها للاضراب العام لا يمكن تحقيقها بدون اشتراك الطبقة العاملة والطلاب بالدرجة الرئيسية في الاضراب. وهذا اجبر هذه الاحزاب على الاتفاق مع الحزب الشيوعي على المشاركة في الاضراب لان الحزب الشيوعي وحده كان قادرا على تنظيم ودعوة الطبقة العاملة والطلاب الى المشاركة في الاضراب العام. وتكونت الجبهة ليوم واحد مع الحزب الشيوعي ودعا الحزب الشيوعي الطبقة العاملة والطلاب الى المشاركة في الاضراب. وكان من رأي الحزب الشيوعي مساندة الاضراب العام بمظاهرة جماهيرية في بغداد ولكن الاحزاب الاخرى لم تشاركه الرأي. فلم يكن امام الحزب الشيوعي الا ان ينظم المظاهرة مستقلا عن سائر الاحزاب اذ ان الاتفاق على الجبهة لا يقيد الحزب في ممارسة سياسته المنفصلة عن نطاق الجبهة. فكانت المظاهرة التي بدأت على ما اتذكر من كلية الهندسة وسارت الى كلية الحقوق او بالعكس حيث حاصرتها الشرطة داخل الكلية واستمر التظاهر داخل الكلية الى ساعة انتهاء الاضراب العام. وقد ظهرت الصحف البرجوازية في اليوم التالي تهاجم الحزب وتتهمه بتدنيس قدسية الاضراب فسخر منهم الرفيق فهد في مقال فند فيه قدسية الاضراب واعتبار المظاهرة خرقا لهذه القدسية. فالجبهة الوطنية في نظر الرفيق فهد هي اتفاق على سياسة يلتزم بها فريقا الجبهة ولكن كلا من الفريقين يبقى على استقلاليته في القرارات التي تتجاوز حدود الاتفاق. فالجبهة لا يمكن ان تقيد حرية الطبقة العاملة في مواصلة النضال باساليبها كما ان الجبهة لا تقيد حرية البرجوازية في مواصلة النضال باساليبها. ولكن الطبقة البرجوازية وابواقها الاعلامية تحتفظ بهذا الحق لنفسها وتنكره على الطبقة العاملة.
وفي ۱٩٤٧ حلت النكبة الكبرى، نكبة اعتقال فهد وسجنه ثم جلبه من السجن والحكم عليه بالاعدام. فقدت الطبقة العاملة وفقد الكادحون العراقيون وفقدت الحركة الوطنية العراقية عموما اعظم قائد للحركة الثورية العراقية والحركة الوطنية عموما ولم تستعض عنها حتى يومنا هذا. وقد انتعشت الحركة الى حد ما في وثبة كانون ضد معاهدة بورتسموث حيث انتفض العمال والطلاب وبعض العناصر المثقفة ضد المعاهدة ونجحوا في اسقاط حكومة صالح جبر التي وقعت المعاهدة ونشأت فترة من الاندفاع الثوري سنة ۱٩٤٨ نجحت الحكومة في القضاء عليها بحجة قيام دولة اسرائيل واعلان الحرب ضدها فسادت فترة مظلمة في تاريخ العراق السياسي كان اعدام الرفيق فهد وحسين الشبيبي وزكي بسيم من داخل السجن واعدام يهودا صديق من خارج السجن في نفس هذين اليومين الاسودين في تاريخ العراق. كانت تلك الفترة فترة بطولات وتضحيات من قبل الاعضاء الشيوعيين الذين لم تفلح الحكومة في القبض عليهم من اجل اعادة تنظيم الحزب الشيوعي ومواصلة النضال فيه ولكنها تميزت ايضا بجهل هذه القيادات المتساقطة الواحدة بعد الاخرى نظريا وعمليا. قد يمكن تمييز فترتين من هذه الفترات المتعاقبة بعض الشيء. الفترة الاولى هي الفترة القصيرة التي تسلم قيادة الحزب فيها ساسون دلال. فقد كان ساسون متضلعا بعض الشيء في النظرية الماركسية ولكن تطبيقه لها كان تطبيقا متطرفا “يساريا” ادى الى الاضرار بالحزب والحركة بدلا من فائدتها. والفترة الثانية كانت فترة باسم حيث انتعشت الحركة الثورية انتعاشا رائعا ولكن الغرور اصاب قائد الحزب. فبدلا من دراسة الرفيق فهد والاستفادة من نظريته ومن خططه ومن كتاباته ومن تطبيق الميثاق الوطني، ظن نفسه قد فاق الرفيق فهد واثباتا لذلك شطب بجرة قلم برنامج الرفيق فهد الذي اقره مؤتمر حزبي وخط برنامجا جديدا طمس فيه كل معالم سياسة الرفيق فهد الماركسية اللينينية. ولكن الواقع اثبت ان باسم كان اميا فيما يتعلق بالنظرية الماركسية وتطبيقها. ولعل خير القادة الذين ظهروا في هذه الفترة كان حميد عثمان الذي لم يكن اقل جهلا من سائر القادة بالنظرية الماركسية ولكنه كان مخلصا في حبه للحزب ومحاولة رفع مستواه الثقافي والسير به في طريق الرفيق فهد. وقد اثبت ذلك سواء في كيفية قيادة المنظمة السجنية اثناء وجوده في السجن وفي حرصه على ايجاد السبل الى الهرب من السجن من اجل ايصال العناصر القيادية الواعية الى الحزب ورفع مستوى القيادة.
اذا تتبعنا ادبيات الحزب ونشاطاته في فترة مجده، فترة قيادة الرفيق فهد، نجد ان الحديث كان يدور حول نشاط الحزب في صفوف الطبقة العاملة والفلاحين. كيف اشترك الحزب في توجيه النقابة الفلانية في الاعداد للاضراب او للمطالبة برفع الاجور او بتحسين الصيانة في المعمل او بالنضال من اجل منع العمل بالقطعة وكيفية اقناع العمال بوجهة نظر الحزب في اعداد لجنة مفاوضات مع ادارة المعمل الفلاني او الدائرة الفلانية في حالة المؤسسات الحكومية او المؤسسات الامبريالية. ان مهام الحزب هي اندماجه واشتراكه الفعلي في النضالات العمالية ومبادراته في دفع العمال الى نضالات جديدة قد تكون لاهداف اقتصادية بسيطة او لاهداف تنظيمية اكثر تعقيدا كتنظيم نقابة او انتخابات قيادة النقابة من بين عمالها. في كل هذه النشاطات تظهر حقيقة الحزب بانه جزء لا يتجزأ من الطبقة العاملة وان حياته هي الطبقة العاملة وسائر الكادحين ولا حياة له في غير ذلك.
واذا قارنا نشاطات الحزب في هذه الفترة العصيبة التي مر بها الحزب بعد اعتقال الرفيق فهد وخصوصا بعد اعدامه نجد ان كل نشاط الحزب كان محصورا في اعادة تنظيمه وتجميع ما تبقى من اعضائه وتحقيق قيادة تصون الحزب رغم الحملات البوليسية الشرسة عليه. انا لا الوم الحزب في هذا الصدد لان الحزب كان في وضع مأساوي ولم يكن يستطيع ان يفعل غير ذلك. وان الاعمال التي قام بها اعضاء الحزب كانت تدل على اخلاصهم وتفانيهم في سبيل الحزب وهي اعمال تطولية حقا. ولكن ما اريد ان اقوله ان السلطات نجحت الى حد كبير في هذه الفترة في فصل الحزب عن مصدر حياته، الطبقة العاملة والفلاحين. فصلت الحزب عن نشاطه في صفوف الطبقة العاملة والكادحين الى درجة كبيرة ان لم نقل كليا. ان اعادة بناء الحزب كانت تتطلب قيادة حكيمة تعيد للحزب حياته، تعيد للحزب ارتباطه في النشاطات العمالية اليومية والنضالات العمالية الاعلى مستوى. وهذا ما عجزت هذه القيادات المتعاقبة عن تحقيقه سواء شعرت بذلك ام لم تشعر. في الحقيقة لا حياة للحزب الذي يزعم انه حزب الطبقة العاملة خارج صفوف الطبقة العاملة والكادحين.

تعريف اليسار عموما واليسار العراقي خصوصا 4

كان الحديث في الفقرات السابقة عن فترة كانت الحركة الشيوعية العالمية فيها في اوج انتصاراتها. خرج الاتحاد السوفييتي في هذه الفترة منتصرا على النازية وانقذ العالم من العبودية الهتلرية. وفي هذه الفترة نجح الاتحاد السوفييتي في اعادة اعمار ما دمرته الحرب بسرعة اذهلت العالم كله بسبب مثابرة شعوب الاتحاد السوفييتي المتآخية في اعادة الاعمار وليس الانهماك في الحروب القومية الانفصالية والانشقاقية. نجحت شعوب اوروبا الشرقية بقيادة طبقتها العاملة في تولي السلطة والسير في التحول الى تحقيق الثورة الاشتراكية من الاعلى من قبل السلطة ومن الادنى من قبل الطبقات الكادحة بالتضامن من اجل القضاء على الطبقات المستغلة السابقة وخصوصا الطبقات التي تعاونت مع المحتل النازي اثناء الحرب. وكانت الثورات الشعبية ضد الامبريالية محتدمة في جميع بلدان اسيا تقريبا ونجحت اكبر واعظم ثورة برجوازية بقيادة الطبقة العاملة في تاريخ البشرية، الثورة الصينية، وتحققت فيها حكومة العمال والفلاحين الثورية. وفي مثل هذه الظروف الثورية السائدة في ارجاء العالم كان من الممكن بقيادة ماركسية حكيمة اعادة الحياة للحزب الشيوعي العراقي، اي اعادة اندماجه بصفوف الطبقة العاملة والفلاحين وسائر الكادحين.
وفي ۱٩٥۳ حلت الكارثة الكبرى بالنسبة لليسار العالمي كله على الاطلاق وخصوصا بالنسبة للحركة الشيوعية العالمية. فبعد وفاة ستالين استولت فئة تحريفية انتهازية على قيادة الحزب الشيوعي السوفييتي وعلى الدولة السوفييتية. فمن حزب الطبقة العاملة تحول الحزب الشيوعي السوفييتي الى حزب معاد للطبقة العاملة والكادحين. من حزب يقود شعوب الاتحاد السوفييتي في السير بالمجتمع الاشتراكي السوفييتي حثيثا الى تحقيق المجتمع الشيوعي الى حزب يقود الشعوب السوفييتية الى استعادة النظام الراسمالي والى استعباد الشعوب السوفييتية مجددا وطمس وتدمير كل الانجازات التي حققتها خلال حكم دكتاتورية البروليتاريا. وكان لتحول النظام السوفييتي من نظام ثوري حقيقي للطبقة العاملة والكادحين الى نظام حكم راسمالي امبريالي مقنع بعبارات ثورية وماركسية وشيوعية زائفة ضربة كبرى على الحركة اليسارية العالمية كلها ظهرت باوضح اشكالها في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي سنة ۱٩٥٦ . ادت نتائج هذا المؤتمر بعد التحولات التي جرت قبله في سائر الاحزاب الاوروبية على الاقل الى تمزيق الحركة الشيوعية العالمية شر ممزق وهو ما لم يزل تأثيره عميقا في ارجاء العالم حتى يومنا هذا.
كان للتحولات في الاتحاد السوفييتي في هذه الفترة تأثيرها المباشر وغير المباشر على الحركة اليسارية العراقية وخصوصا منها على اقصى اليسار اي حركة الطبقة العاملة. فبدلا من العمل على اعادة الحياة للحزب الشيوعي العراقي اي اعادة اندماجه في النضالات العمالية اليومية وتوجيهها ورفع مستواها ازداد انفصال الحزب عن حركة الطبقة العاملة العراقية واصبح نضاله مجرد حديث او كتابة عن الحركة وليس ممارستها والاندماج فيها. حدثت في تلك الفترة عملية ازاحة حميد عثمان عن قيادة الحزب بحجة تطرفه اليساري. لم اطلع على ادبيات الحزب وعلى كتابات حميد عثمان التي اعتبرت انذاك تطرفا يساريا. ولا استبعد ان يتحول حميد عثمان الى التطرف اليساري نظرا الى انه كان جاهلا للماركسية جهلا تاما. ولكن المعروف ان السياسات الماركسية الصحيحة كانت في تلك الفترة وما زالت حتى اليوم تعتبر تطرفا “يساريا”. ولكن لنفترض حقا ان حميد عثمان اصبح متطرفا “يساريا” فهل هذا يبرر الطريقة البوليسية التي ازيح بها عن القيادة وعن الحزب؟ انها لم تكن طريقة شيوعية او ماركسية بتاتا. ألم يكن بالامكان مناقشة حميد عثمان واقناعه بان سياسته متطرفة؟ الم يكن بالامكان حتى ازاحته عن قيادة الحزب وابقاؤه قريبا من القيادة اعترافا بتاريخه النضالي؟ ان طريقة ازاحته لم تكن اقل تطرفا من تطرف حميد عثمان حتى لو ان حميد عثمان كان متطرفا حقا.
في تلك الفترة، فترة تحول النظام السوفييتي تحت قيادة خروشوف التحريفية، وقع الحزب الشيوعي العراقي كما اغلب الاحزاب الشيوعية العالمية تحت تأثير هذا التحول مما ادى الى تحول هذه الاحزاب الى احزاب تحريفية هي الاخرى وابتعادها عن النضال الثوري الحقيقي للطبقة العاملة واصبحت عبارة عن كتل سياسية مستقلة منفصلة عن الطبقة العاملة والكادحين ترى في نفسها قوة ذات اهمية بحد ذاتها وكل نشاطها يقتصر على تقوية الحزب وزيادة امكانياته المالية. وقد ساعدت على ذلك سياسة القيادة الخروشوفية التي عملت على برجزة الاحزاب الموالية لها بتخصيص المبالغ الطائلة لها ومنح قياداتها الامتيازات وظروف الحياة المرفهة في الاتحاد السوفييتي وفي دول ما سمي جزافا المنظومة الاشتراكية بدلا من المفهوم السابق، المعسكر الاشتراكي.
وما يهمنا في هذا البحث هو نموذجنا، الحزب الشيوعي العراقي. تهمنا التحولات التي طرأت على الحزب الشيوعي العراقي وعلى سياساته نتيجة لهذا التأثير المباشر وغير المباشر.
ان من اهم صفات الحزب اللينيني، وحزب فهد كان حزبا لينينيا بكل معنى الكلمة، تطهير الحزب من الانتهازيين والمتخاذلين والكسلة. ولكن سياسة الحزب الشيوعي العراقي في هذه الفترة كانت في الظاهر القضاء على الانتهازية. ولكنها في الحقيقة كانت سياسة احتواء الانتهازية، سياسة ادخال الانتهازية الى الحزب والى قيادة الحزب، بدلا من تطهير الحزب من الانتهازية. وقد تمثلت هذه السياسة بضم المنظمات الانتهازية المعروفة التي يعترف الحزب بانتهازيتها الى صفوف الحزب تحت شعار توحيد الحركة الشيوعية. فقد ضمت راية الشغيلة الى الحزب. وراية الشغيلة كانت في الواقع جزءا من الحزب وانشقت عليه واعتبرت منظمة انتهازية وقد يكون في ادخالها الى الحزب بعض المنطق تحت شعار توحيد الحركة الشيوعية، ولو ان ذلك مردود نهائيا من الناحية المبدئية، وفي حالة اعتراف المنظمة بانتهازيتها وحل نفسها يمكن انضمام بعض اعضائها كل على انفراد ووضعهم تحت فترة مراقبة لسلوكهم، اي فترة ترشيح، قبل قبولهم اعضاء في الحزب وليس ادخال قياداتهم الى المنظمات القيادية للحزب مباشرة كما حصل.
وكانت المنظمة الثانية التي ضمت الى الحزب، منظمة عزيز شريف التي كانت تسمى على ما اتذكر وحدة النضال او ما شابه ذلك، ولا اهمية في هذا لاسمها. في الاصل كانت هذه المنظمة حزبا برجوازيا او بتي برجوازيا هو حزب الشعب الذي كان يقوده عزيز شريف. وبعد حل الحزب ومنعه من قبل السلطات تحول الى منظمة سرية. كانت هذه المنظمة منذ يوم تأسيسها منظمة معادية للحزب وللرفيق فهد بالذات، ومعادية لسياسة الحزب الشيوعي العراقي معاداة تامة. وكان ادخالها للحزب الشيوعي تحت شعار توحيد الحركة الشيوعية ادعاء باطلا من الناحية المبدئية ومن الناحية التاريخية. فلم تكن لهذه المنظمة اية علاقة مبدئية او سياسية او فكرية او نظرية بالحركة الشيوعية. ان ما سمي في هذه السنوات “القضاء على الانتهازية” او “توحيد الحركة الشيوعية” لم يكن في الواقع سوى تحويل الحزب الى حزب انتهازي كليا بدلا من اعادته الى طريق النضال الثوري العمالي الحقيقي. وقد دل على ذلك الغاء اسم جريدة الحزب واتخاذ اسم اخر “اتحاد الشعب او طريق الشعب او غير ذلك من الاسماء.
لدى انفصال الحزب الشيوعي عن كيانه، عن كونه جزءا واعيا من الطبقة العاملة، عن كونه طليعة الطبقة العاملة في نضالها اليومي لتحقيق اهدافها الانية وطليعتها في النضال المثابر في طريق تحقيق اهدافها البعيدة، اصبح صفرا الى اليسار في الحركة اليسارية. اصبح منظمة منفصلة مستقلة لا حول لها ولا قوة في النضال الحقيقي للطبقة العاملة. ولهذا احتاج الحزب الشيوعي الى الاستعانة بقوى سياسية اخرى غير الطبقة العاملة من اجل بقائه. ومنذ تلك السنوات اصبح شعار الجبهة الوطنية الشعار السياسي الرئيسي في حياة ونضال الحزب الشيوعي العراقي. والجبهة الوطنية كما نعلم هي تحالف مع طبقات غير الطبقة العاملة وخصوصا الطبقة البرجوازية واحزابها. لم يعد شعار الجبهة الوطنية وسيلة لتقوية الحركة الثورية ورفع مستواها النضالي وانما اصبح شعارا مصيريا بالنسبة للحزب الشيوعي. اصبحت الجبهة الوطنية في هذه الحال عاملا يساعد الحزب على البقاء حيا. واستمرار الحزب على التبجح بالرفيق فهد وبامجاد الحزب في فترة قيادة الرفيق فهد اصبح عبارة عن سلعة يراد بها خدع الطبقة العاملة وسائر الكادحين. ان حزب الرفيق فهد يعني فهم سياسته القريبة والبعيدة، يعني استيعاب افكاره النظرية والفكرية، يعني التمسك بالاهداف القريبة والبعيدة التي كان الرفيق فهد والحزب تحت قيادته يتمسك بها، يعني الاندماج الفعلي في نضال الطبقة العاملة والكادحين اليومي والبعيد المدى. وخلاف ذلك لا يعني تمجيد الحزب وتسمية الحزب بحزب فهد سوى ذر الرماد في عيون الطبقة العاملة وسائر الكادحين.
في هذه الفترة اصبح شعار الجبهة الوطنية، بدلا من كونه شعارا يساند الحركة العمالية الاساسية بصورة مؤقتة، الى شعار بديل عن الحركة الثورية الحقيقية للطبقة العاملة. فكانت المفاوضات جارية بين الحزب وبين الاحزاب القائمة انذاك وعلى رأسها الحزب الوطني الديمقراطي بقيادة كامل الجادرجي. وكان هذا الحزب حزبا برجوازيا بكل معنى الكلمة وكان قائده، كامل الجادرجي، حكيم البرجوازية الوطنية العراقية. كانت المفاوضات مع كامل الجادرجي في عهد الرفيق فهد مفاوضات صعبة لان الجادرجي كان يصر على اقناع الحزب الشيوعي بالتخلي عن سياسته الشيوعية الحقيقية، سياسة قيادة وتثقيف وتنظيم الطبقة العاملة في نضالها المباشر، مما عجز الجادرجي عن تحقيقه مع الرفيق فهد. وكانت المفاوضات في هذه السنوات على ما يبدو تجري من قبل عامر عبدالله كممثل للحزب. فكانت مطاليب كامل الجادرجي المعروفة والمبينة في العديد من الوثائق التاريخية. التخلي عن موضوع القيادة، التخلي عن موضوع المراحل التاريخية، الموافقة على ادخال حزب الاستقلال اليميني في الجبهة كمقابل لقبول الحزب الشيوعي فيها وغير ذلك. كانت هذه الشروط تعني ابعاد الحزب الشيوعي عن كل ما تبقى من ثوريته وتمثيله لحركة الطبقة العاملة.
وانعقد الكونفرنس الثاني للحزب سنة ۱٩٥٦، وقد اعتبر الحزب قبل الكونفرنس او خلاله ان الميثاق الوطني الاول، ميثاق فهد، والميثاق الوطني الثاني، ميثاق باسم، اصبحا غير ملائمين كبرنامج للحزب واصبحت قرارات الكونفرنس البرنامج المعترف به للحزب. وقد كتب عامر عبدالله في مؤلفاته عن انه هو الذي كتب برنامج الحزب للكونفرنس سواء اكان ذلك حقيقة ام من قبيل التبجح. واعترف انه كتب البرنامج استنادا الى مقررات المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي. في هذا البرنامج نفذ الحزب جميع مطالب كامل الجادرجي. فلم يعد في البرنامج وجود لقيادة الطبقة العاملة وحلفائها للحركة الثورية في العراق، ولم يعد هناك ذكر لمرحلتي الثورة، المرحلة الاولى، مرحلة الثورة البرجوازية، والمرحلة الثانية، مرحلة الثورة الاشتراكية. ولم يعد هناك ذكر للاهداف البعيدة للطبقة العاملة. وزد على ذلك كله تخلى الحزب حتى عن مفهوم النضال الثوري وضرورة الثورة واعلن ان الطابع الغالب للحركة في ظل نظام الحكم الملكي القائم اصبح طابعا سلميا. ولو ان عبارة “طابع سلمي” استبدلت فيما بعد العدوان الاسرائيلي وانتفاضة الحي الى عبارة “طابع ثوري” وكان البرنامج كله يمكن ان يتغير بتغيير هذه العبارة. واعلن الحزب انه يريد حكومة وطنية “تسمح” للطبقة العاملة بحرية السير قدما نحو الاشتراكية وانه سيساند اية حكومة وطنية حقيقية حتى بدون الاشتراك فيها. وغير ذلك الكثير. كان هذا البرنامج جواز السفر للحزب الى الجبهة الوطنية.
ان قوة حزب الطبقة العاملة هي كونه جزءا منها ومناضلا في صفوفها ومنظما لها ويضم الطليعة الواعية منها. وكلما ابتعد الحزب عن الطبقة العاملة وانفصل عن النضال الفعلي اليومي في صفوفها وعن توجيه نضالاتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية تهاوت قوته وتضاءل تأثيره الى ان يصبح صفرا الى اليسار من حيث النضال الثوري للطبقة العاملة. وهذا يدفع الحزب حتما الى التسلق الى اعلى، الى الاستعانة بالطبقات العليا غير الطبقة العاملة. فكان هذا الاتجاه في هذه الفترة من تاريخ الحزب هو التنازل عن مبادئ ومصالح الطبقة العاملة من اجل الدخول في الجبهة المنتظرة. وتحقق له ما اراد.
تكونت الجبهة الوطنية سنة ۱٩٥٧، وكان الحزب عضوا فيها وادخل حزب الاستقلال كما اراد كامل الجادرجي لتوازن اليسار واليمين كما اشترط في حينه على مندوب الحزب. ولكن الحزب دخل هذه الجبهة لا لان البرجوازية لا تستطيع ان تنجز المهام المقررة للجبهة بدون جماهير الطبقة العاملة والكادحين التي يقودها الحزب الشيوعي بل لان الاحزاب البرجوازية والبتي برجوازية تفضلت وتكرمت وتنازلت فقبلت الحزب الشيوعي في الجبهة رغم انه حزب غير شرعي حسب ادعائها. وشمر الحزب عن ساعديه ووضع كل نشاطه وكل ادبياته في خدمة الجبهة وفي خدمة الجبهة وحدها ولم يكن اي شيء يذكر انذاك باهداف ونضالات الحزب خارج نطاق الجبهة وخصوصا في اي نضال تشنه الطبقة العاملة ضد الطبقة البرجوازية او ضد المشاريع الاجنبية او ضد اي حزب من احزاب الجبهة للحصول على بعض مطالبها الاقتصادية كزيادة الاجور مثلا او تقليص يوم العمل او عدم استخدام الاطفال او الترفيه عن المرأة العاملة او غير ذلك. ومع ذلك كان لهذه الجبهة ما يبررها نظرا الى ان الاحزاب المكونة لها كانت لها مصالح في تغيير النظام القائم ولو تغييرا جزئيا مما يخدم مصالح البرجوازية. ففي مرحلة الثورة البرجوازية توجد للبرجوازية صفة اليسارية. وما زلنا الى اليوم نسمع عن عظم هذه الجبهة وعن الانجازات الهائلة التي حققتها ومنها تحقيق ثورة تموز او التأثير عليها. وقد تكون هناك حقا صلة ما بين الجبهة وبين الضباط الاحرار الذين نفذوا الانقلاب العسكري في ثورة تموز.

تعريف اليسار عموما واليسار العراقي خصوصا 5
وجاءت ثورة تموز. حدثت الثورة في ليلة نادرة. فمن المعروف ان من النادر ان كان يجتمع عمالقة الحكم الثلاثة، الملك ونوري السعيد وعبد الاله سوية في بغداد بل كان من المألوف او المقرر ان يكون واحد منهم على الاقل خارج العراق للطوارئ. ففي الصباح كان من المفروض ان يسافر الملك ونوري السعيد لحضور مؤتمر حلف بغداد في انقرة ويبقى عبد الاله مشرفا على امور الدولة. لست مؤرخا وليس لي اطلاع واسع على حركة الضباط الاحرار وعلى نشاطهم وكيفية ادارة امورهم ولكن ما حدث في الثورة يدل على انها نظمت تنظيما دقيقا لم يمنح السلطة فرصة الهجوم المضاد الواسع النطاق من اجل احباط الثورة. والمهم ان الثورة نجحت نجاحا منقطع النظير وربما انجزت ما يتعدى الاهداف التي حددها الضباط الاحرار مقدما بعد قتل الملك. اذ ربما لم يكن بين اهداف الضباط الاحرار الغاء الملكية وتحقيق الجمهورية وكان موت الملك حافزا لتحقيق ذلك. واول منجزات الثورة بالنسبة للحزب الشيوعي كان نبذه من حكومة الثورة. فقد ضمت حكومة الثورة عناصر من جميع الاحزاب المؤلفة للجبهة عدا الحزب الشيوعي العراقي. وكان ذلك برهانا على ان وجود الحزب الشيوعي في الجبهة لم يكن سوى وجود شكلي تفضلت عليه به الاحزاب البرجوازية مكافأة له على تخليه عن مبادئ قاعدته ومصدر قوته وقلبه النابض، الطبقة العاملة.
وجد الحزب الشيوعي في ثورة تموز نفسه امام مشكلة عويصة. كيف يمكن او يعقل ان تقوم ثورة عظيمة كثورة تموز بدون ان يقودها او يشترك هذا الحزب ذو الامجاد التاريخية على الاقل في قيادتها؟ كان لابد من ايجاد وسيلة للبرهنة على ان الحزب ساهم في قيادة الثورة ان لم يكن قائدها الاساسي. ونشطت ادمغة المنظرين والمثقفين في العمل على ايجاد الوسائل التي تؤدي الى ذلك. في سبيل ذلك شوهوا نظرية القيادة عموما، شوهوا مبادئ القيادة، شوهوا مفهوم القيادة، شوهوا متطلبات القيادة، شوهوا كل ما يتعلق بالقيادة لكي يتوصلوا الى ان الحزب ساهم في قيادة ثورة تموز. لابد هنا من الاشارة الى بعض المفاهيم والاحداث التي ارادوا البرهنة بواسطتها على مساهمة الحزب في قيادة ثورة تموز. المثل الاول هو قضية “جندي الثورة المجهول”. فقد وجد بعض المنظرين ان ضابطا منحوه القاب البطولة قد زار مقر الحزب في ۱۲ تموز اي حوالى ست وثلاثين ساعة قبل الثورة واخبر قادة الحزب او نوه لهم عن احتمالات الثورة او ربما حتى تحديد موعدها ولو اني اشك في ذلك. لا اريد هنا ان اناقش التفاصيل التي ادلى بها هذا الضابط لقيادة الحزب اولا لاني لا اعرفها وثانيا لانها لا تشكل اهمية بالنسبة لموضوعنا. فقد اتخذ بعض منظري الحزب زيارة هذا الضابط برهانا على مساهمة الحزب في قيادة ثورة تموز. فاذا عرف قادة الحزب شيئا عن احتمال الثورة او عن موعدها او عن اي من تفاصيلها وحتى ان قام قادة الحزب بتوجيه النصائح او الارشادات الى هذا الضابط فان ذلك في عرف منظري الحزب برهان على ان الحزب ساهم في قيادة الثورة. والمثل الثاني هو البيان التحذيري الذي حررته قيادة الحزب لجماهير الحزب بعد ذهاب الضابط المذكور. وقد ورد نص هذا البيان او النداء او سمه ما شئت في ادبيات كثيرة وحتى في عدة اجتماعات هنا في لندن في السنوات الاخيرة قبل احتلال العراق. فقد كان بعض قادة الحزب اثناء الاحتفالات بذكرى الثورة او بذكرى ثورات تموز المجيدة يوردون هذا البيان من اجل البرهنة على ان الحزب ساهم في قيادة الثورة. ولكن تحرير البيان وطبعه قبل اقل من يومين من الثورة لا يمنح الحزب فرصة توزيعه على اعضاء الحزب في ارجاء العراق خلال اربع وعشرين ساعة في تلك الظروف السرية السائدة قبل الثورة. وحتى لو فرضنا ان الحزب استطاع بقدرة قادر ان يوزع هذا البيان في ارجاء العراق خلال يوم واحد فان محتويات هذا البيان لم يكن فيها ما يفيد الثورة او يفيد اعضاء الحزب في القيام بدور في هذه الثورة. وقد حذر البيان من التطرف “اليساري” في حالة قيام الحركة (اذ لم يطلق عليها اسم الثورة في البيان) ومن جملة مطاليب البيان الاساسية تحويل الاتحاد الهاشمي الى اتحاد وطني حقيقي. ولذلك فان الثورة قامت بالذات بما حذر البيان منه اذ الغت الاتحاد الهاشمي والملكية واقامت الجمهورية. ولذلك لو ان الحزب وزع البيان على الجماهير يوم الثورة لقابلته بالاستهجان. لذا لم يتجرأ الحزب على نشر البيان بعد الثورة. ولكن مع ذلك اعتبر منظرو الحزب هذا البيان بالذات برهانا على مساهمة الحزب في قيادة الثورة. والمثل الثالث هو وجود بعض اعضاء الحزب بين الضباط الاحرار. وقد يكون في ذلك شيء من مساهمة الحزب في قيادة الثورة بمقدار دور هؤلاء الاعضاء الشيوعيين من الضباط الاحرار في قيادة الثورة او الاعداد لها. واعتبر بغضهم ان خروج الجماهير الشعبية بعد اعلان بيان الثورة وقيادة الحزب الشيوعي لها برهانا اخر على مساهمة الحزب في قيادة الثورة. وكل الامر في الواقع هو ان الحزب عاجز عن قول الحقيقة وهي ان الثورة كانت ثورة برجوازية وبقيادة برجوازية ولم يكسب الحزب الشيوعي منها ولو باشراك وزير واحد من الحزب في حكومة الثورة اعترافا بوجوده في الجبهة الوطنية. ان قيام الثورة بقيادة البرجوازية ليس اهانة للحزب الشيوعي او للطبقة العاملة. فليس من المعيب ان لا تستطيع الطبقة العاملة قيادة الثورة وتوجيهها نحو تحقيق حكومة العمال والفلاحين الثورية. فهذه مهمة صعبة للغاية ويتطلب تحقيقها نضالا سلميا ومسلحا وثورة مسلحة جماهيرية تقودها الطبقة العاملة كما حدث في الصين وفييتنام مثلا. وقد فشلت ثورات اخرى في اسيا في تحقيق مثل هذه الثورة كما حدث في بورما وسيام وغيرها. انما تقاعس الحزب في تنظيم الطبقة العاملة والكادحين في اتجاه قيادة الثورة البرجوازية بقيادة الطبقة العاملة هو ما عجز عنه الحزب او لم يعمل الحزب في اتجاهه اصلا قبل الثورة.
وعلى اي حال قامت الثورة واعترف الشعب كله بكل طبقاته ومراتبه وبكل طوائفه ومذاهبه وقومياته بان هذا الانقلاب العسكري كان ثورة بخلاف الانقلابات العسكرية التي سبقته. وعبر الشعب بعماله وفلاحيه ومثقفيه وكل فئاته عن ذلك بخروج الملايين الى الشارع فور سماعهم بيان حكومة الثورة الاول. ولم يبدأ النقاش عما اذا كان هذا الانقلاب العسكري مجرد انقلاب عسكري ام ثورة الا بعد سنوات حين بدأ المؤرخون يكتبون ويحللون الثورة على ضوء ما حدث بعدها وعلى نتائجها. فبعد البيان الاول للثورة وتشكيل حكومتها خرج الشعب العراقي عن بكرة ابيه في المدن والارياف وبصورة عفوية غير منظمة احتفاء بهذا الحدث العظيم. وخرج معها بنفس العفوية قادة واعضاء الحزب الشيوعي واندمجوا بالجماهير الهادرة كامواج البحر الهائج. ولم يكن الحزب على استعداد او فهم مسبق لكيفية التصرف في ظروف كهذه لان الثورة فاجأته كما فاجأت هذه الجماهير. اخذ الشيوعيون قادة واعضاء في مشاركة الجماهير في مظاهراتهم وفي استنباط الشعارات التي تعبر عن حماسهم وانفعالاتهم وانبهارهم ولكنها ليست شعارات مدروسة وفقا لمتطلبات الوضع الذي نشأ في الشارع وفي الريف نتيجة للثورة. ليس في هذا المقال مجال لبحث هذه الامور بالتفصيل وقد بحثتها ببعض التفصيل في كتابي عن ثورة تموز.
اضافة الى الجماهير البسيطة وبينها جماهير الحزب ادركت جميع مكونات الجبهة هي الاخرى حقيقة الثورة ونتائجها السياسية الواسعة عدا الحزب الشيوعي وخصوصا قيادته. فرغم اعتراف الحزب الشيوعي بانها كانت ثورة الا انه عاملها من الناحية النظرية والتطبيقية وكأنها مجرد انقلاب عسكري. فقد اصابه الاسى لان عناصر الجبهة تنكرت للجبهة ولم تعد تلتزم بها ودعاها الى مواصلة الجبهة التي انجزت المعجزات. فالحزب لم يفهم عند قيام الجبهة انها تحالف من اجل تحقيق هدف معين تنتهي الجبهة عند بتحقيقه. بل اعتبر الجبهة امرا ابديا كان يجب ان يستمر بعد تحقيق هدفها بتحقيق الثورة واعتبر اطراف الجبهة الاخرين مقصرين في تخليهم عن الجبهة. ورغم ان محمد حديد قائد البرجوازية الابرز في حكومة الثورة اعلن صراحة ان الجبهة قد حققت اهدافها وانتهت، لم يفهم قادة الحزب ذلك وظلوا يجترون شعارات الجبهة. واهم ما دل على جهل الحزب بمعنى الثورة هو انه لم يدرك التحول في التركيب الطبقي للمجتمع العراقي نتيجة للثورة. لم يدرك الحزب ان البرجوازية من طبقة واقعة تحت الاستغلال تحولت الى طبقة حاكمة هي التي تمارس استغلال الطبقة العاملة والكادحين. لم يدرك ان الطبقة البرجوازية التي كانت تشكل جزءا من اليسار العراقي اصبحت هي اليمين الذي لا مصلحة له في تغير النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي القائم. لم يدرك ان تغيير النظام الان اصبح يتطلب الاطاحة بهذه الطبقة التي كانت قبل الثورة طبقة واقعة تحت الاستغلال. لم يفهم الحزب الفرق بين الانقلاب العسكري الذي لا يغير النظام بل يغير اوجهه او ممثليه وبين الثورة التي تغير النظام الذي كان قائما قبل الثورة الى نظام اصبح قائما بعد الثورة. وطبيعي كان على الحزب الشيوعي الحقيقي ان يكون اول من يدرك كل هذا وان يحدد شعاره الاستراتيجي وسياساته التكتيكية طبقا لذلك لان من المفروض انه هو الذي يحتوي برنامجه على وجود المرحلتين والتحول من المرحلة الاولى الى المرحلة الثانية. ولم يكن هذا شيئا غريبا او غير معروف في سياسة الرفيق فهد وفي الميثاق الذي اقر في مؤتمر حزبي. ولم يكن ذلك غريبا خصوصا على القادة الذين كانوا في السجن لان التثقيف السجني كان يؤكد على موضوع المرحلتين وطبيعة الثورة البرجوازية وموضوع التحول الى المرحلة الثانية بعد الثورة. ولكن الحزب الشيوعي القائم، لانه ليس الحزب الشيوعي الحقيقي، لانه لم يعد حزب الطبقة العاملة، لانه لم يعد حزب فهد، لم يدرك ولم يفهم هذا التحول الجوهري، لم يفهم هذا الفرق بين الانقلاب العسكري وبين الثورة وبذلك وأد ثورة تموز صباح ثورة تموز وما زال هذا الحزب الذي يحلو للبعض ان يسميه حزب فهد على جهله لهذا التحول حتى يومنا هذا.
لم يلاحظ الحزب تغيرا في الثورة اكبر من تحول الملكية الى جمهورية فرفع شعار صيانة الجمهورية وكأنه الشعار الاستراتيجي له في فترة ما بعد الثورة. وشعار صيانة الجمهورية ليس له اية علاقة بالشعار الاستراتيجي وان شعار صيانة الجمهورية يجب ان يجيب على السؤال الاساسي: لمن تصان الجمهورية؟ وقد برهن التاريخ ان الجمهورية ليست علاجا اجتماعيا وسياسيا اساسيا اذ ما زالت الجمهورية قائمة حتى اليوم وقد بقيت الجمهورية لم تتحول الى ملكية لا في عهد عبد الكريم قاسم ولا في عهد حكومات العارفين ولا في عهد صدام. فطبيعة النظام تتحدد بالفئة او الطبقة الحاكمة التي تسيطر عليه وتديره وليس بشكل الحكم الذي تتخذه. واننا نجد ان انظمة الحكم الجمهورية في التاريخ ليست اقل امبريالية من انظمة الحكم الملكية. فحتى نظام هتلر وموسوليني وقرانكو لم تكن ملكية بل كانت جمهورية. ونرى اليوم افظع اشكال الانظمة الفاشية في التاريخ، نظام الولايات المتحدة الاميركية التي تشن حربا عالمية هدفها الاستيلاء على العالم كله اقتصاديا وسياسيا وعسكريا هي الاخرى نظام جمهوري وليس نظاما ملكيا. كان هذا الجهل لطبيعة ثورة تموز وما يزال السبب الاساسي في تخبط الحزب الشيوعي وعدم توصله الى الاهداف الحقيقية التي كان يجب رفعها والسير بموجبها بعد ثورة تموز وحتى يومنا هذا.
ابتدع منظرو الحزب الشيوعي بعد الثورة مفهوما جديدا للقيادة. فابتكروا نوعين من القيادة اسمياها قيادة الدولة وقيادة الشارع ومنحوا الحزب الشيوعي مهمة قيادة الشارع. وقيادة الشارع تعني في الحقيقة قيادة اليسار، قيادة جماهير الطبقة العاملة واحلافها من اجل تغيير النظام القائم ولا معنى لقيادة الشارع غير ذلك. ولكن الحزب الشيوعي في الواقع قاد الجماهير المنفعلة المتحمسة نتيجة للثورة لمساندة النظام القائم لا لتغييره. فقد كان الشعار هو صيانة الجمهورية، جمهورية الطبقة الراسمالية، والهتافات باسم الزعيم الاوحد عبد الكريم قاسم وما رافق ذلك من شعارات كان الحزب يضعها صباح كل يوم حسب الظروف بالضبط كما يخرج التاجر والكاسب والحرفي على باب الله لكسب رزق ذلك اليوم.
من المعروف ان اهم مهام الثورة البرجوازية هو الاصلاح الزراعي. ونعرف وفقا لما علمنا معلما الطبقة العاملة لينين وستالين ان الطبقات البرجوازية في المستعمرات واشباه المستعمرات لم تعد قادرة على تحقيق مهام الثورة البرجوازية تحقيقا جذريا في عصر الامبريالية ومنها الاصلاح الزراعي. ولم يدرك الحزب ان عليه ان يدفع الجماهير الفلاحية المستعدة للنضال بعد الثورة الى الضغط على حكومة الثورة من الاسفل من اجل تحقيق الاصلاح الزراعي لمصلحة الفلاحين الحقيقية اذا لم تستطع تحقيق الاصلاح الزراعي من الاسفل من قبل الفلاحين انفسهم وانما اكتفى بالتحمس لقانون الاصلاح الزراعي الذي وضعته الطبقة الراسمالية الحاكمة الجديدة وفقا لمصالحها ووفقا لما تتطلبه مصالحها من تثبيت البرجوازية الريفية وابقاء شيء من الاقطاع وعدم انهائه واسناده والاستعانة به لابقاء النظام. وقام الحزب بتوجيه جميع اعضائه في الريف للعمل بدلا من الحكومة على تنفيذ الاصلاح الزراعي اي حول اعضاءه الى موظفين متطوعين لدى الحكومة بدلا من ان يقف الى جانب الفلاحين في المطالبة بتحقيق الاصلاح الزراعي بصورة افضل وصورة اسرع وقيادة جماهير الفلاحين بتوسيع وتعجيل تطبيق الاصلاح الزراعي ومنح المزيد من الاراضي للفلاحين. كان من نتيجة انشغال اعضاء الحزب في الريف في تطبيق الاصلاح الزراعي وجمع الاقساط التي كان على الفلاح ان يدفعها للدولة لقاء الارض التي منحت له ان اخذ الفلاح ينظر الى اعضاء الحزب وكأنهم ممثلو الحكومة وليسوا اعضاء الحزب الذي من المفروض ان يقف الى جانبهم في نضالاتهم القادمة. سكتت الحكومة عن سلوك الحزب بهذه الطريقة لفترة ما ثم هجمت على هؤلاء الذين قاموا بخدمتها طيلة تلك الفترة واتهمتهم بالتصرف باموال الحكومة وقد التقيت بعدد من هؤلاء في سجن العمارة اعتقلتهم الحكومة بتهمة سرقة اموال الدولة.
اهتم الحزب قبل كل شيء بالمظاهر التي تدل على انه يقوم بقيادة الشارع. وقد تجلى ذلك في جميع المجالات. في الجمعيات الفلاحية والنقابات العمالية والمقاومة الشعبية وفي نفوذ الحزب في الجيش. وقد افسحت الحكومة الجديدة في البداية للحزب مجالا واسعا في مجال المناصب الحكومية وخصوصا الاعلام، اي الاذاعة والتلفيزيون. لانها كانت بحاجة الى خدمات الحزب ولم تكن تخشاه لان الحزب لم يعلن عن شعارات تشكل خطرا او ازعاجا للنظام القائم. فكان شعار الحزب انه يجب ان لا يسلم القيادة، اي قيادة الشارع، وكأن القيادة هي ملكية ورثها عن اجداده وعليه ان يحافظ عليها كما يحافظ الاغنياء على الثروات التي يرثونها من ابائهم. فتولى قيادة الجمعيات الفلاحية. وعين كاظم فرهود رئيسا لهذه الجمعيات وعين عضوا من اعضائه رئيسا لكل جمعية فلاحية. لم يكن كاظم فرهود فلاحا بل كان قبل سجنه مضمدا في مستشفى الديوانية. وكان في السجن حتى ثورة تموز حيث اطلق سراحه نتيجة للثورة. وكان من المظاهر الهامة للحزب ان يظهر كاظم فرهود بمظهر متميز لانه رئيس الجمعيات الفلاحية فالبسوه افخر زي اقطاعي. لماذا يجب ان يلبس رئيس الفلاحين الكادحين الزي الاقطاعي؟ لا شك ان هذا الزي كان عبئا ثقيلا على كاظم فرهود نفسه. فالجمعيات الفلاحية نشأت من الاعلى وليس من صفوف الفلاحين كما ينبغي ان تنشأ. وعين كاظم فرهود رئيسا للجمعيات الفلاحية لا لان الفلاحين عرفوه واعتبروه جزءا منهم وقائدا لهم بل لان الحزب عينه رئيسا للجمعيات الفلاحية وفتح له مقرا في بغداد لا علاقة حقيقية له بالفلاحين وفي نضالهم ونشاطهم اليومي.
وكان على الحزب ان لا يسلم قيادة النقابات فقام بتعيين عضو من اعضائه رئيسا لكل نقابة بحيث اصبحت النقابات واتحادها كلها شكليا ومن حيث المظهر بقيادة الحزب الشيوعي. وهذا جعل المناضل العمالي ارا خاجادور الذي احبه واحترمه خصوصا لموقفه الحالي من الاحتلال يتفاخر في احدى مقالاته بانه هو الذي اسس نقابة عمال النفط. فلماذا يقوم ارا خاجادور، الذي لم يكن عاملا في النقابة بتأسيس نقابة عمال النفط؟ هل تؤسس النقابات من قبل العمال ام من قبل شخص ينصبه الحزب رئيسا للنقابة؟ وما معنى ان يقوم ارا خاجادور بتأسيس نقابة عمال النفط؟ يعني انه يؤجر مكتبا ويضع عليه لافتة يكتب عليها نقابة عمال النفط. ولكن عمال النفط في العراق يبلغون عشرات الالوف ومنتشرون في جميع انحاء العراق فكيف يستطيع ارا ان يؤسس لهم نقابة في بغداد؟ هل تتأسس النقابات من الاعلى ام من الاسفل؟ هل يقوم العمال بتأسيس نقاباتهم والنضال في سبيل تطويرها وتوسيعها لتشمل عمليا كل عمال النفط وانتخاب قياداتهم من بين اعضائهم النشطين والمخلصين الذين يثبتون تفانيهم وتضحياتهم في سبيل النقابة ام يقوم الحزب بتعيين شخص لا علاقة له بالعمال ولا بمشاكلهم ومصالحهم وقضاياهم ليكون رئيسا للنقابة؟ وهل تتحقق القيادة عن طريق النضال المثابر ام عن طريق التعيين من الاعلى؟ ان تعيين اتحاد النقابات من قبل الحزب بحجة عدم تسليم القيادة جعل النقابات نقابات حزبية وليست نقابات عمالية حقيقية. فالنقابة التي يقوم شخص مثل ارا خاجادور بتأسيسها لا تكون سوى نقابة واقفة على راسها. فآرا يستطيع ان يفتح مكتبا في بغداد ويكتب عليه لافتة “نقابة عمال النفط”. ولكن هذه النقابة لا تكون نقابة حقيقية لعمال النفط. فالنقابة هي نقابة عمال يقوم العمال بانشائها والعمل فيها وتطويرها واختيار قياداتها. فمن هو ارا بالنسبة لالاف عمال النفط المنتشرين في ارجاء العراق؟ وقد تجلى ذلك باوضح اشكاله حين نال الحزب السبعة او الثمانية والتسعين بالمائة من اصوات العمال في الاتخابات التي جرت بنفس طريقة انتخابات صدام ومبارك والقذافي والاسد ولكن بعد بضعة ايام حلت الحكومة اتحاد النقابات وصادرت ممتلكاته والقت القبض على جميع اعضائه فلم يحرك العمال ساكنا من اجل الاحتجاج على حل الاتحاد والنضال من اجل اعادته واطلاق سراح القادة الذين انتخبوهم بهذا الاجماع. ان النقابات التي يقوم بتأسيسها شخص مهما كانت قدراته النضالية وتاريخه العمالي لا تكون الا نقابة مكتوبة على الورق وليست نقابة عمال حقيقية.
وشوه مفهوم المقاومة الشعبية. فالمقاومة الشعبية هي شعبية وليست حكومية. ولكن المقاومة التي سميت مقاومة شعبية كانت تدريبا حكوميا يقوم نائب عريف من الجيش العراقي بتدريبهم بعد ان تسلم لهم بنادق لهذا الغرض يعيدونها الى المشاجب الحكومية بعد انتهاء التدريب. وانتهت هذه المقاومة الشعبية بمجرد رفض الحكومة مواصلة تدريبها. واذا استطعنا ان نسمي هذا التنظيم مقاومة شعبية فان تدريب الفتوة الذي كان سائدا في المدارس الثانوية قبل حركة رشيد عالي هو ايضا مقاومة شعبية.
وشوه مفهوم نفوذ الحزب في الجيش. فقد اقتصر هذا النفوذ على وجود ضباط شيوعيين او قريبين من الحزب في الجيش وليس خلق النفوذ بين الجنود البسطاء الذين يكونون الجيش واغلبهم من الفلاحين الفقراء. وقد برهن على ذلك ما سمي اسبوع الجيش في حينه حين كان اعضاء من الحزب الشيوعي يلقون المحاضرات على قطعات من الجيش تحت انظار ضباطه ليعلموا الجيش ويثقفوه بواجب صيانة الجمهورية وتمجيد الزعيم الاوحد.
باختصار فان انعزال الحزب الشيوعي عن ارضه الحقيقية، عن الطبقة العاملة والفلاحين، كان لابد ان يدفعه الى الاعلى. وكان لهذا الاندفاع الى الاعلى ما يبرره كما ذكرنا في جبهة ما قبل تموز. ولكن هذا الاندفاع الى الاعلى لم يعد له ما يبرره فيما بعد ثورة تموز لان هذا الاندفاع اصبح تعاونا مع الطبقة الحاكمة، تعاونا مع البرجوازية التي اصبحت تمثل اليمين وليست جزءا من اليسار كما كانت قبل الثورة. اصبح هم الحزب كسب ود الزعيم عبد الكريم ونظام الحكم الجديد والاعتماد على مساعدته عن طريق مساندته بدون قيد او شرط. اصبح خدع وتضليل الطبقة العاملة وحرفها عن نضالها الحقيقي، النضال اليساري، النضال من اجل تغيير النظام القائم، اي النضال من اجل الشعار الاستراتيجي الجديد الذي حتمه انتصار ثورة تموز، شعار الثورة الاشتراكية والاطاحة بنظام الحكم البرجوازي. لم يكن هذا الاندفاع الى الاعلى واضحا وجليا في فترة حكم عبد الكريم قاسم لان هذه الحكومة انجزت العديد من المهام التي تتطلبها مصلحتها في تثبيت حكمها الجديد وهي مهام لها صفات وطنية وبعضها مناهض للامبريالية ولسيطرتها. ولكنها كانت اكثر وضوحا في الفترات التالية لحكومة عبد الكريم قاسم.
هنا لابد من الاشارة الى ما سمي بالمد الاحمر خصوصا في منتصف سنة ۱٩٥٩ بعد القضاء على انقلاب الشواف. يكتب الكثير من المعلقين عن هذه الفترة بان الحزب الشيوعي كان قادرا على الاستيلاء على السلطة وينتقدونه لانه لم يفعل. فهل كان حقا قادرا على الاستيلاء على السلطة في هذه الفترة؟ لا يستطيع اي حزب ان يستولي على السلطة عن طريق اسقاطها وحده او بقواه الخاصة. ان القوى التي تستطيع الاستيلاء على السلطة في اي مجتمع راسمالي كالمجتمع العراقي في هذه الفترة هي قوى اليسار وخصوصا منها اقصى قوى اليسار الطبقة العاملة وحلفاؤها. ولكي يستولي حزب على السلطة عليه ان ينظم ويقود ويدفع هذه القوى في طريق الاستيلاء على السلطة ولم يكن للحزب اي اتجاه من هذا القبيل لا في برنامجه ولا في سياسته. ولكي تستولي طبقة على السلطة يتحتم ان تكون هذه السلطة في اسوأ اوضاعها السياسية اذ لا يمكن اسقاط سلطة لها تأييد جماهيري واسع مثل حكومة عبد الكريم قاسم في تلك الفترة. ويبني اكثر المعلقين والمؤرخين رأيهم على اساس الشعار الذي انتشر ليلة اول ايار في ذلك المهرجان المليوني الذي دام من المساء الى الصباح. فقد انتشر شعار “عاش زعيمي، عبد الكريمي، حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي”. وهذا الشعار نفسه ينفي كون الحزب يريد ان يستولي على السلطة. فالشعار يطالب بالاشتراك في الحكم مع الزعيم عبد الكريم وليس بدونه. ان الشعار يستجدي من الزعيم عبد الكريم اشراك الحزب الشيوعي معه في السلطة. وللتاريخ اذكر قصة وقعت لي تلك الليلة. كنت طبعا من المتفرجين على هذا المهرجان الكبير على الرصيف وكان معي صديق شاب لا علاقة له بالشيوعية ولكنه يعطف على الحركة وهو اليوم تاجر كبير هنا في لندن. التقيت في هذه الاثناء مع احد رفاقنا في السجن وهو قريب جدا من القيادة فصافحني منتشيا بهذا المهرجان الكبير. وسألني ما رأيك في هذا الشعار؟ اننا سنجبره على الاستجابة لنا والا سنسقطه. فقلت له “سلملي على الجماعة وقل لهم الينطح راسه بصخرة غرونة تطير”. فغضب طبعا وهرب وقد اندهش صديقي من هذا القول ومن الجرأة على قوله. ان الحديث عن الاستيلاء على السلطة بدون السيطرة على قيادة اليسار وخصوصا اقصى اليسار، الطبقة العاملة وحلفائها، وهم وحديث لا معنى له. وسنتحدث ادناه عن فكرة الاستيلاء على السلطة التي كانت اكثر بروزا في السنوات التالية. ولكن من الجدير بالذكر هنا ان الاحزاب الشيوعية او الماركسية التي تهدف حقا الى الاستيلاء على السلطة لا ترفع شعار استيلاء الحزب على السلطة وانما ترفع شعار استيلاء الطبقة العاملة وحلفائها على السلطة. اذ ان الطبقة العاملة هي التي تستولي على السلطة وهي التي تختار الحزب الذي يقودها في هذا الاستيلاء ممثلا لها في هذه السلطة.

تعريف اليسار عموما واليسار العراقي خصوصا 6
وجاء الانقلاب البعثي فدمر حكومة عبد الكريم قاسم ووقعت الاف الضحايا شملت عددا كبيرا من قادة واعضاء الحزب الشيوعي العراقي. ولكن الحزب اذ سلك اتجاه التسلق الى الاعلى لا يستطيع التوقف عن ذلك. فبعد مدة وجيزة وجد الحزب في حزب عبد الرحمن عارف صفة الوطنية وقرر بتشجيع ودفع الخروشوفيين وفي اجتماع للجنة المركزية للحزب عقد في براغ حل الحزب والانضمام الى حزب عارف الوطني. ولم يتحقق ذلك ربما لان عارف لم يستجب لطلب الحزب او ربما بسبب المعارضة التي جابهها القرار من قواعد الحزب داخل العراق او للسببين معا. ولكن انفصال الحزب عن ارضه، عن الطبقة العاملة، ازداد وضوحا واصبح نضال الحزب مقصورا تقريبا على النصائح والارشادات المنشورة في طريق الشعب والثقافة الجديدة الصادرين خارج العراق، اي النضال بالمراسلة ان صح التعبير.
في هذه السنوات بقيت في الداخل بعض قيادة الحزب الشيوعي وكان بين القيادة من كان يهدف الى الاستيلاء على السلطة. واستنادا الى كتاب الاخ شوكت خزندار كان ارا خاجادور العنصر الفعال في هذا المضمار. وسميت هذه الحركة في حينه “العمل الحاسم”. فما الذي كان يعني الاستيلاء على السلطة في تلك الفترة؟ لم تكن فكرة الاستيلاء على السلطة قيادة وتنظيم الطبقة العاملة لاسقاط السلطة القائمة، السلطة البرجوازية، واقامة نظام حكم عمالي كما تعني فكرة الاستيلاء على السلطة من وجهة النظر الماركسية، اي استيلاء الطبقة العاملة على السلطة. وانما كان الاستيلاء على السلطة يعني محاولة الحزب بقدراته الخاصة وربما بالتعاون مع بعض العناصر العسكرية في الجيش العراقي بالاستيلاء على الاذاعة وبعض المرافق الاخرى واعلان السيطرة على الدولة. وهي افكار خيالية لا تستند الى واقع حقيقي. انها ما يشبه الانقلاب العسكري ولكن بدون منظمة حقيقية للضباط الاحرار وسيطرة تامة على تحركات الوحدات العسكرية كما كان الحال في ثورة تموز. ان ثورة تموز نجحت كانقلاب عسكري لانها كانت ثورة برجوازية تقوم باسقاط سلطة ملها الشعب العراقي. ولكن استيلاء الحزب الشيوعي في هذه الحالة من المفروض انه يراد منه اقامة حكم عمالي وهذا غير ممكن نظريا بانقلاب عسكري حتى لو كانت هناك منظمة للضباط الاحرار كما كان الحال في ثورة تموز. فالثورة العمالية تهدف في الواقع الى تحطيم الدولة البرجوازية القائمة بما في ذلك جيشها وخلق دولة جديدة على اساس جديد وخلق جيش عمالي وفلاحي جديد مهمته القضاء على السلطة البرجوازية سياسيا واقتصاديا وثقافيا وفكريا. وهذا لا يمكن تحقيقه اعتمادا على الجيش القائم. وماذا كان سيحدث لو فرضنا ان الحزب نجح فعلا بالاستيلاء على السلطة ولو بصورة مؤقتة في مثل هذه الظروف؟ لا اريد الدخول في نقاش من هذا النوع ولكني اقول ان ما كان سيحدث هو صورة مكبرة الاف الاضعاف لما حصل في الموصل بعد القضاء على انقلاب الشواف.
وجاء الانقلاب البعثي الثاني سنة ۱٩٦٨ بما رافقه من التضحيات بين اعضاء الحزب الباقين داخل العراق. واستمر الحزب في التسلق الى اعلى. فوجد في حكومة البعث، وفي البكر وصدام، الجانب الوطني وجاءت مباحثات الجبهة بدفع وتشجيع من القيادة التحريفية الخروشوفية التي تكللت بالنجاح سنة ۱٩٧۳ ودخل وزيران او ثلاثة وزراء شيوعيون في الحكومة لاني لا اعرف ان كان عزيز شريف يعتبر وزيرا من الحزب الشيوعي ام من خارج الحزب الشيوعي. وكما الحال في الجبهة السابقة اصبح نضال الحزب يقتصر كله على الجبهة وعلى تمجيد البكر وخصوصا صدام حسين. كان صدام حسين وحزب البعث بحاجة الى الشعبية فكان الحزب اكبر اداة لرفع شعبية صدام حسين. وكانت سياسة الحزب كل شيء في سبيل الجبهة. كان اكبر برهان على ذلك خيانة الحزب على لسان سكرتيره العام من على منبر المؤتمر بتجميد (اي حل) كافة المنظمات التي انتخبته لقيادتها وصيانة وجودها فداء للجبهة التي عبر عنها بانها ليست جبهة مرحلية او مؤقتة وانما هي جبهة دائمة حتى الاشتراكية. وحين انتهى دور الحزب في تثبيت مركز صدام حسين والبعث قام صدام حسين بركل الحزب الشيوعي والسماح للقادة الرئيسيين بمغادرة البلاد علنا بينما القى بقواعده في السجون وتحت التعذيب وحتى القتل. وتحول الحزب مضطرا من خندق صدام الى خندق المعارضة. ولم تعد للحزب في الواقع اية صلة بالطبقة العاملة او بالحركة اليسارية داخل العراق اذ كان قد تخلى عنها رسميا ضمن شروط الجبهة وازداد انعزاله طبعا حين اصبحت القيادة وكل من استطاع الهرب من العراق مشتتين في بقاع الارض.
ولكن مواصلة سير الحزب الشيوعي الى الاعلى حتمية لا سيطرة للحزب نفسه عليها. اصبح هذا الاتجاه في فترة المعارضة اعلى مستوى. فقد اتجه الحزب نحو الرفيق الاسد والرفيق القذافي وخادم الحرمين. وظهر شعار الجبهة العريضة. والجبهة العريضة لم يشترط فيها اي تمييز طبقي. فهي مثل خان جغان في العراق مفتوحة لكل قادم يعلن عن نفسه معارضة. ومع ذلك لم تبلغ الجبهة العريضة العرض الكافي رغم مرور السنوات والعقود على الشعار ورغم تأليف العديد من الجبهات الورقية التي تنتهي يوم الاعلان عن تأسيسها. ولم يكن لدى الحزب اي طريق اخر للخلاص غير الجبهة العريضة. وفي النهاية، وخصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانقطاع النهر المالي المتدفق منه الى الحزب، اخذ التسلق الى الاعلى يرتقي الى مستويات اعلى اذ اصبح الاتجاه نحو الدول الامبريالية الكبرى وخصوصا الولايات المتحدة وبريطانيا المصدر المالي المعوض عن انقطاع المورد السوفييتي. وقد نقل انذاك عن سكرتير الحزب، عزيز محمد، قوله “لماذا لا نتقبل المال من الولايات المتحدة الم نكن نتقبله من الاتحاد السوفييتي؟” (والعهدة على الراوي). وفي المؤتمرات والاجتماعات المتتالية التي عقدتها ما سمي بالمعارضة والزيارات الى الولايات المتحدة التي فسرت في حينه ان السكرتير الجديد، حميد موسى، زار الولايات المتحدة لغرض اطلاع السلطات الاميركية وارشادها او شيء من هذا القبيل. وصرح عزيز محمد في حينه قائلا ان الحزب لا يتلقى الاموال مباشرة من الولايات المتحدة وانما يتناول حصته عن طريق الحزبين الكرديين.
وجاء الاحتلال الاميركي. ودخل حميد موسى مجلس بريمر بصفته شيوعيا بحذف الواو واستقر حميد موسى وشريكه الجزائري كل في احد قصور وزراء صدام في المنطقة الخضراء تحت حراسة الدبابات الاميركية واحتل الحزب احد القصور الكبرى مقرا له لمواصلة النضال نحو الاشتراكية عن طريق استجدائها من بريمر ونيغروبونتي وخليل زاد وربما من رامسفيلد وكوندا وتشيني وبوش. وما زال حميد موسى امينا على التعهد الذي اخذه على عاتقه بعدم ذكر كلمة احتلال او استعمار او امبريالية. ففي احسن الظروف يتحدث عن وجود اجنبي ينبغي انهاؤه. ان الحزب الشيوعي اليوم موجود في اقصى اليمين ولا علاقة له بتاتا في الحركة اليسارية العراقية. ولا يغير من ذلك وجود عناصر ثورية مخلصة متمسكة بالنظرية الماركسية او بحزب فهد او بغير ذلك لان هؤلاء لم يستطيعوا سابقا ولا يستطيعون اليوم ولن يستطيعوا في المستقبل ايضا تقرير سياسة الحزب وانما بقاؤهم في الحزب ليس سوى تأييد واسناد لسياسة الحزب الرجعية الرسمية القائمة مهما بذلوا من جهود.
وخلاصة القول هي ان اي حزب يدعي الشيوعية او الماركسية او تمثيل الطبقة العاملة لا حول له ولا قوة الا اذا اندمج في نضالات الطبقة العاملة اليومية والبعيدة المدى، النضالات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية. لا حول ولا قوة له الا اذا كان جزءا لا يتجزأ من الطبقة العاملة. لا حول ولا قوة له الا اذا التفت الطبقة العاملة وسائر الكادحين حوله ومنحته قيادتها عن قناعة وايمان.
وان اي بحث لليسار العراقي او اي يسار في اي بلد اخر لا واقع له الا اذا اعتبر اليسار هو جماهير الطبقة العاملة والكادحين وسائر الفئات الاجتماعية التي لها مصلحة ورغبة ونشاط في الاطاحة بالنظام القائم واقامة نظام اكثر تقدما منه. ان بحث اليسار العراقي عن طريق بحث تاريخ ونشاط الحزبين الشيوعي وحزب البعث لا ينتج عنه سوى ثرثرة يراد بها الهاء الشعب العراقي والمشاهدين في الفضائيات خلال الساعات المخصصة لهذا البحث.
وان الحديث عن تاريخ الحزب الشيوعي العراقي كأنه مسيرة متواصلة وحيدة الاتجاه منذ تأسيسه وحتى يومنا هذا هراء لا معنى له لان الحزب، واي حزب اخر، يمر في مراحل مختلفة ويتخذ سياسات مختلفة وينبغي دراسة تاريخه بدراسة سياساته في كل مرحلة من هذه المراحل المختلفة وتقديره على هذا الاساس. ان الامجاد التي يمكن تخليدها للحزب الشيوعي العراقي هي فترة قيادة الرفيق فهد للحزب. ففي هذه المرحلة كان الحزب حزبا شيوعيا حقيقيا، حزبا لينينيا، حزبا يشكل جزءا من الطبقة العاملة والكادحين رغم كثرة المثقفين والعلماء والادباء والفنانين والطلاب في صفوفه، حزبا هو حزب الطبقة العاملة الحقيقي. وقد يمكن تسجيل البطولات التي حققتها القيادات القصيرة الامد المتعاقبة بعد اعتقال واغتيال الرفيق فهد كنضال من اجل اعادة تجميع وتنظيم الحزب الشيوعي ولو انها لم تكن نضالا حقيقيا في صفوف الطبقة العاملة. وليس تمجيد الحزب الشيوعي والرفيق فهد فيما عدا تلك الفترات سوى سلعة تجارية يتاجر بها قادة هذا الحزب اخفاءا لافلاسهم السياسي والنظري والفكري والثقافي.
واعتبار الاتحاد السوفييتي سلطة متواصلة وحيدة الاتجاه خلال السبعين عاما من حياته هراء اخر لا يؤدي الا الى تضليل الراي العام العالمي واليسار العالمي بصورة خاصة. فبحث الاتحاد السوفييتي في فترة حرب التدخل غير الاتحاد السوفييتي في فترة السياسة الاقتصادية الجديدة وغير الاتحاد السوفييتي في فترة تحقيق المجتمع الاشتراكي وغير الاتحاد السوفييتي في فترة الحرب ضد النازية وغير الاتحاد السوفييتي في فترة بناء ما دمرته الحرب وخصوصا غير الاتحاد السوفييتي في فترة الحكومات الخروشوفية المتعاقبة التي انتهت بالانهيار التام وتشرذم الاتحاد السوفييتي الى عدد من الدول الراسمالية المتناحرة والى الحروب القومية التي نشاهدها في مختلف بلدان الاتحاد السوفييتي السابقة.
واخيرا لا يمكن بحث اليسار العراقي اليوم الا ببحث الاحتلال الانكلو اميركي للعراق والتدمير الذي لحق بالعراق وبالدولة العراقية وبالجيش العراقي وببناه التحتية وبجرائم فرق الموت الامبريالية والاستخباراتية العالمية ومليشيات الاحزاب القابعة في المنطقة الخضراء. ان اليسار العراقي اليوم هو كافة المجموعات البشرية المعادية للاحتلال سواء منها المعارضة بصورة سلمية او المقاومة بصورة مسلحة. والطبقة العاملة تشكل من الناحية النظرية اقصى هذا اليسار شاءت ام ابت ولكنها تحتاج الى فصيل واع منها قادر على قيادتها في هذا الاتجاه. ان اليسار العراقي هو كل انسان مناهض للاحتلال. واليمين هو كل انسان يتعاون مع الاحتلال او يتساوم معه او يريد بقاءه او يعارض مقاومته. وموقع الحزب الشيوعي العراقي في وضعه السياسي الحالي اليوم هو في اقصى اليمين لانه بلغ “اخر ساف” في مستنقع القاذورات في خدمة الاحتلال.

(ملاحظة: بهذا انتهى في الواقع بحث اليسار في المجتمعات الطبقية المختلفة. وهذا يعني نهاية هذا المقال المخصص لبحث اليسار. ومع ذلك رأيت ان اضيف كلمة حول امكانية تفهم مفهوم اليسار واليمين في المجتمع الاشتراكي سيأتي بحثه في حلقة اخيرة تالية.)

تعريف اليسار عموما واليسار العراقي خصوصا (اخيرة)
في ختام هذه المقالة لابد ان نتطرق الى مفهوم اليسار واليمين في نظام الحكم الاشتراكي وفي المجتمع الاشتراكي. ومثالنا الوحيد في هذا البحث هو روسيا والاتحاد السوفييتي في فترة بناء الاشتراكية التي دامت من ثورة اكتوبر الى وفاة ستالين سنة ۱٩٥۳.
كانت روسيا القيصرية من اكثر البلدان الاوروبية تأخرا وكان الحكم القيصري فيها حكما اقطاعيا ظالما. وفي ظل مثل هذا الحكم نشأ الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي (البلشفي) بقيادة لينين. وقد ميز لينين ظروف الثورة في روسيا فتوصل الى ان الثورة في روسيا في مرحلتها الاولى هي ثورة برجوازية ديمقراطية تهدف الى القضاء على النظام الاقطاعي وتحقيق نظام اقتصادي جديد تعتمد طبيعته على الطبقة التي تقوم بتحقيق الثورة البرجوازية وبقيادتها. ففي حالة قيادة البرجوازية للثورة تتحقق دولة برجوازية. في هذه الحالة يعني استيلاء البرجوازية على الحكم انتقال الثورة الروسية الى المرحلة الثانية، مرحلة الثورة الاشتراكية. وفي حالة نجاح الطبقة العاملة في قيادة وتحقيق الثورة البرجوازية حينئذ تنشأ حكومة العمال والفلاحين الثورية وهي سلطة تقوم بتحقيق الثورة البرجوازية تحقيقا جذريا ثم تحقيق التحول الى الاشتراكية بدون الحاجة الى ثورة اشتراكية نظرا الى وجود الطبقة العاملة في الحكم وعملها على تحقيق مهام الثورة الاشتراكية بالنضال المزدوج من القاعدة، جماهير الطبقة العاملة وفقراء الفلاحين وسائر الكادحين ومن السلطة التي هي سلطة العمال والفلاحين الثورية التي تجد من مصلحتها تحويل المجتمع الى مجتمع اشتراكي.
وتحققت الثورة البرجوازية بقيادة مزدوجة هي قيادة الطبقة الراسمالية وقيادة السوفييتات وعليه نشأت سلطة مزدوجة لفترة قصيرة هي سلطة الطبقة الراسمالية وسلطة السوفييتات. وكان شعار حزب لينين، الحزب البولشفي، كل السلطة للسوفييتات، اي القضاء على سلطة الراسمالية وابقاء السلطة للسوفييتات وحدها. ولكن السوفييتات لم تكن انذاك بقيادة الحزب البلشفي وانحاز قادة السوفييتات، المنشفيك والاشتراكيون الثوريون الى البرجوازية فزالت السلطة المزدوجة واصبح الحكم للطبقة الراسمالية. ولذلك اصبحت مهمة الطبقة العاملة هي الثورة على هذا النظام الراسمالي. وفي منتصف تلك السنة منح العمال والفلاحون في سوفييتات العمال والجنود (اي الفلاحين) قيادتها للحزب البلشفي، اذ نال الحزب الاغلبية في قيادة السوفييتات، فتوصل لينين الى ضرورة القيام بالثورة الاشتراكية وبدأ الاعداد لذلك. فجاءت ثورة اكتوبر وتحققت كل السلطة للسوفييتات وانتخبت السوفييتات في مؤتمرها لينين على راس الحكومة الاشتراكية، حكومة العمال.
في فترة ما قبل ثورة اكتوبر كان موضوع اليسار واليمين شبيها بما جاء في العراق مثلا. ففي المرحلة الاولى من الثورة، مرحلة الثورة البرجوازية، كانت البرجوازية الروسية تشكل جزءا من اليسار لانها كانت تريد تغيير النظام الاقطاعي القائم وانشاء حكم راسمالي يحقق لها السلطة. ولكن هذه الطبقة الراسمالية اصبحت هي اليمين الذي ينبغي الاطاحة به في المرحلة الثانية من الثورة، مرحلة الثورة الاشتراكية.
ولكن بحث اليسار واليمين بعد نجاح الثورة الاشتراكية يختلف نوعا ما عن بحثه في الظروف السابقة لثورة اكتوبر. ففي ثورة اكتوبر نشأ نظام حكم جديد لم يكن له شبيه في تاريخ المجتمع الانساني، هو نظام حكم الطبقة العاملة التي كانت موضع الاستغلال في النظام الراسمالي المطاح به. وبينما كانت السلطة الحاكمة تشكل اليمين في جميع الانظمة السابقة جاءت الى الحكم سلطة جديدة تريد تغيير النظام القائم. وفي هذه الحالة لا ينطبق مفهوم اليمين على الطبقة الحاكمة الجديدة. فمهمة الطبقة العاملة هي تحويل المجتمع الراسمالي الذي استلمته بكل مساوئه ومتناقضاته الى مجتمع اشتراكي ولذلك فهي لاول مرة طبقة حاكمة تريد التغيير بصورة دائمة. فكلما تقدم المجتمع نحو تحقيق المجتمع الاشتراكي تطورت مهام الطبقة الحاكمة الجديدة ونشأت ضرورة المزيد من التغيير بحيث اصبحت مهمة الطبقة العاملة تحقيق المجتمع الشيوعي. نرى من هذا ان مفهوم اليمين لا ينطبق على هذه السلطة الجديدة. ولكن اليمين في هذا المجتمع هو بقايا الطبقات الحاكمة القديمة. فالطبقة الحاكمة القديمة تزول تدريجيا في فترة بناء المجتمع الاشتراكي ولكنها لا تزول نهائيا من الناحية الفكرية الا عند تحقيق المجتمع الشيوعي، اي عند نقض المجتمع الاشتراكي. فطوال مرحلة بناء المجتمع الاشتراكي تبقى في المجتمع فئات تحلم وتناضل في سبيل اعادة النظام الراسمالي. فرغم ان السلطة العمالية تستولي منذ البداية على المصانع والمعامل الكبرى ومرافق الحياة الاقتصادية مثل المالية والسكك والمواصلات والتجارة الخارجية وكافة المرافق الحيوية الا انها لا تستطيع في اوضاع الاتحاد السوفييتي الاولى القضاء على كافة المشاريع الراسمالية. وهذا ما دعا لينين الى اتخاذ السياسة الاقتصادية الجديدة بعد انتهاء حرب التدخل والتي بموجبها منحت بعض الحريات للصناعات الخفيفة والصناعات الحرفية وخصوصا للزراعة البرجوازية والتجارة الداخلية. ولكن اصحاب المرافق التي استولت عليها الدولة ما زالوا احياء يعيشون على ما تبقى من ثرواتهم الخاصة التي لم تصادرها الحكومة. وهؤلاء جميعا يشكلون العناصر التي تريد تغيير النظام القائم ولكنها تريد تغييره الى الوراء، تريد استعادة سلطتها المطاح بها، تريد اعادة الراسمالية واعادة استعباد الطبقة العاملة والكادحين. لذا فان تعريف اليسار بانه كل الفئات الاجتماعية التي من مصلحتها تغيير النظام لا ينطبق انطباقا تاما على ظروف الاتحاد السوفييتي في هذه الفترة. فثمة نوعان من الفئات الاجتماعية التي تريد تغيير النظام. النوع الاول هو الطبقة العاملة الحاكمة وسائر الكادحين التي من مصلحتها تغيير النظام الى الافضل والافضل. والنوع الثاني هو بقايا الطبقات المطاح بها التي من مصلحتها تغيير النظام الى الاسوأ اي الى العودة الى النظام القديم، النظام الراسمالي. وكما كانت السلطات الراسمالية قبل الثورة تستعمل اشد انواع الدكتاتورية تجاه الطبقة العاملة والكادحين لغرض استدامة استعبادهم، تمارس السلطة الجديدة، سلطة الطبقة العاملة، اشد انواع الدكتاتورية لاتمام القضاء على بقايا الطبقات المطاح بها وقمع محاولاتها لاستعادة النظام القديم. وهذا هو المعنى الصحيح لدكتاتورية البروليتاريا. فهي دكتاتورية تمارس اشد انواع الدكتاتورية ضد بقايا الطبقات المطاح بها من اجل تحقيق اقصى انواع الديمقراطية للطبقة العاملة والفلاحين وسائر الكادحين. وقد نجحت دكتاتورية البروليتاريا نجاحا منقطع النظير في تحقيق هذا الهدف في فترة بناء المجتمع الاشتراكي.
ولكن اخطر بقايا النظام الراسمالي في المجتمع الاشتراكي هو وجود العناصر البتي برجوازية في المجتمع. فهذه العناصر كما هو معروف متقلبة بين الطبقة العاملة والراسمالية. والعناصر البتي برجوازية واسعة تشمل الملايين من المجتمع وخاصة منهم الفلاحين والعناصر المثقفة في المدينة. فطالما بقيت هناك فروق بين العمل البدني والعمل الفكري تبقى الميول الشخصية لهذه العناصر المثقفة مغروسة في نفوسهم مما يحمل دائما خطر التحول الى الراسمالية. ان البتي برجوازية تولد الراسمالية. ورغم ان الفلاحين توجهوا بقيادة الطبقة العاملة الى المزارع التعاونية الا ان هذه المزارع رغم كونها نوع من الملكية الاشتراكية بعيدة عن ان تكون ملكية المجتمع الاشتراكي. فبقي موضوع التبادل السلعي بين الصناعة والزراعة قائما وبقي الشعور بالملكية الخاصة لدى فلاحي المزارع التعاونية قائما. وخطورة وجود هذه العناصر البتي برجوازية الواسعة النطاق في المجتمع الاشتراكي هو ان القضاء عليها لا يتحقق عن طريق ممارسة الدكتاتورية. فهؤلاء جزء من المجتمع الاشتراكي وعليه فان القضاء على هذه الميول البتي برجوازية يجب ان يتم عن طريق الاقناع والتثقيف وليس عن طريق القسر والدكتاتورية. وكان القضاء على الفروق بين العمل البدني والعمل الفكري من اهم واجبات الدولة العمالية. كذلك كان موضوع رفع مستوى المزارع التعاونية الى مستوى الاقتصاد الاشتراكي، الى مستوى مزارع الدولة من اهم واجبات الحكومة العمالية ولم يكن التفكير في التحول الى المجتمع الشيوعي ممكنا الا بتحقيق هذا التحول.
في الحرب ضد الغزاة النازيين كان الشيوعيون الواعون في مقدمة المضحين في سبيل انقاذ الوطن الاشتركي من الاحتلال النازي. وقد فقد الحزب البلشفي في هذا الصراع اغلب عناصره الواعية المثقفة ثقافة ماركسية عالية ولذلك ازدادت نسبة العناصر البتي برجوازية في داخل الحزب اثناء وبعد الحرب. وكان ذلك احد الاسباب الهامة في تحول الحزب التحول الذي بلغ الطفرة بعد وفاة ستالين.
نرى من كل ما تقدم ان بحث اليمين واليسار يختلف اختلافا كبيرا بين مرحلة واخرى من مراحل تطور اي مجتمع ولذلك علينا ان ندرس ظروف المجتمع دراسة علمية دقيقة قبل ان نستطيع تحديد اليسار واليمين في ذلك المجتمع. ولا يمكن وضع صيغة واحدة لليمين واليسار واعتبار حزب معين او منظمة معينة تنتمي الى اليسار ثم تحليل سياساتها والتوصل الى صحة او خطأ سياسة ذلك الحزب باعتبار ذلك صحة او خطأ السياسة اليسارية او اليمينية.