جيمس جيفري… اكذبوا ثم اكذبوا…لعل «يعلق» الجميع مع الجميع!

 

Muhand Dlekan

 

 

مهند دليقان

«إنّ التنافس الإستراتيجي بين الدول، وليس الإرهاب، هو الآن الشاغل الرئيسي للأمن القومي الأمريكي»… كذلك تقر إستراتيجية الدفاع الوطني الأمريكي (2018) المنشورة منذ أيام على موقع وزارة الدفاع الأمريكية والمذيلة بتوقيع جيم ماتيس.

 جاء في (الإستراتيجية) أيضاً: «يتمثل التحدي الرئيسي أمام ازدهار الولايات المتحدة وأمنها، في عودة ظهور المنافسة الاستراتيجية طويلة الأجل من خلال ما تصنفه استراتيجية الأمن القومي على أنها (قوى تحريفية)؛ قوى تعاود الظهور على ساحة القوة والنفوذ من جديد مثل روسيا والصين».

وإنه لمن المفيد حقاً أن يكون عدوك وقحاً إلى الحد الذي يعرب فيه صراحة عما يوجه ويقود سياساته المختلفة؛ فكذبة «الحرب على الإرهاب» التي كانت شعار الولايات المتحدة في حربها الاستباقية على صعود الصين وروسيا، وعلى التوازن الدولي الجديد الذي كان جنيناً بعد في بداية الألفية، لم تعد تجدي نفعاً، وخاصة مع الدخول الفاعل ذي النتائج الملموسة للروس على خط محاربة الإرهاب، ومع ازدياد مظاهر التمرد الأوروبي والتركي، فقد بات مطلوباً الآن حشد القوى «الحليفة/التابعة» بمختلف الأساليب المتاحة، وعلى رأسها البلطجة العسكرية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية، كما تفسر وتشرح «الإستراتيجية».

في السياق أيضاً، فإنّ الوقاحة الأمريكية في الدفاع المستميت عن «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، خلال عدوان الكيان الصهيوني الأخير على غزة، ربما من شأنها، بالإضافة إلى الإستراتيجية المعلنة المشار إليها آنفاً، أن تجلد الوجوه عديمة الحياء للمطبعين العرب، ولبعض السوريين الذين (يلعبون السياسة)، معتمدين على الأمل بالأمريكي وعلى «عودته القوية» إلى الملف السوري… وإنْ كُنّا لا نقيم وزناً لهؤلاء، ولا نُوجه خطابنا لهم، لقناعتنا أنهم موزعون بين أحمق وعميل، ولكن لا ضير بين الحين والآخر من صفع العملاء على وجوههم أمام الملأ.

في ضوء «الإستراتيجية»، وفي ضوء تقارير مؤسسة «راند»، التي تشكل التطبيق الملموس للإستراتيجية العامة في الحالة السورية، يمكننا فهم النشاط المحموم الذي يمارسه المبعوث الأمريكي الجديد لسورية، جيمس جيفري. ويمكننا بشكل خاص أن نفهم سلسلة الأكاذيب والتناقضات التي ملأت تصريحاته خلال الفترة القصيرة بدءاً من توليه مهمته.

أولاً: حول إدلب

جرى الترويج خلال الفترة الماضية أنّ اتفاق سوتشي حول إدلب يقول بوقف إطلاق النار لمدة سنة، ودون أي أساس لذلك. ولكن مهمة «النصرة» وفقاً لأهداف «راند» لن تتحقق حتى بوقفٍ مدته سنة؛ فالمطلوب هو الحفاظ على النصرة أطول فترة ممكنة، ولذلك فإنّ جيفري ادّعى أول من أمس في لقاء له مع الصحفيين: أنّ من نتائج القمة الرباعية في اسطنبول أن بوتين وافق على «وقف دائم لإطلاق النار في إدلب»، وهو ما نفاه الروس والأتراك مراراً وتكراراً مؤكدين أنّ الاتفاق حول إدلب مؤقت وليس دائماً.

ما سقط عمداً من قراءة جيفري لبيان الرباعية الختامي، وما جاء فيه حول وقف شامل لإطلاق النار، هو التالي: «تحقيق وقف إطلاق نار شامل في سورية، ومواصلة العمل المشترك ضد الإرهاب حتى القضاء التام على تنظيمي (داعش) و(جبهة النصرة) والأفراد والجماعات والتنظيمات التي لها صلة بـ (القاعدة) أو (داعش) وغيرها التي يصنفها مجلس الأمن الدولي إرهابية»…

بكلام آخر، فإنّ وقف إطلاق النار الذي يسعى إليه جيفري، وفي حالة إدلب، هو بالضبط وقف إطلاق نار دائم ومديد صوب النصرة…

 

ثانياً: حول اللجنة الدستورية

يكذب جيفري أيضاً حين يدّعي أن الروس قد وافقوا في القمة الرباعية على تشكيل اللجنة الدستورية قبل نهاية العام، وأنهم وافقوا أيضاً على تعيين دي مستورا للثلث الثالث؛ أما الكذبة الأولى فتكذيبها هو ما جاء في البند المتعلق بتشكيل اللجنة الدستورية ضمن البيان الختامي للرباعية، والذي شاء جيفري أن يسقط منه عبارة «considering the circumstances» والتي يمكن ترجمتها «وفقاً للظروف» أو «إنْ أمكن»، وذلك حول تشكيل اللجنة الدستورية قبل نهاية العام. يضاف إلى ذلك تصريحات عدة مسؤولين روس بأنه «لا أساس لوضع مواعيد مفتعلة لتشكيل اللجنة الدستورية»، وهي التصريحات التي تكررت بهذه الصياغة أو ما يشابهها على لسان نيبيريزيا وبوغدانوف ولافروف عدة مرات؛ «لا نرى أي أسباب لتسريع هذه العملية وتحديد مواعيد مختلقة لبدء هذا العمل، وأهم شيء هنا هو النوعية، وألّا تحاول الأمم المتحدة مثلما هو في أغلبية النزاعات الأخرى، تسريع الأحداث بشكل مصطنع، فتؤدي مثل هذه المحاولات عادة إلى الفشل في تحقيق الأهداف المرجوة» (لافروف 10/10/2018).

أما الكذبة الثانية، حول موافقة روسيا على حق دي مستورا في تعيين الثلث الثالث، فهي الأخرى ساقطة في تصريحات بوتين ضمن المؤتمر الصحفي التالي للقمة الرباعية، وكذلك في عدة تصريحات للافروف أكدا فيها: أن اختيار أعضاء الثلث الثالث، ينبغي أن يتم بشكل «مقبول لدى كل الأطراف السورية».

رغم ذلك، يذهب جيفري لما هو أبعد من ذلك؛ فبالإضافة إلى الثناء على دي مستورا وعمله، والادعاء أن لهذا الأخير سلطة دعوة اللجنة الدستورية للاجتماع قبل نهاية العام، والقول: بأن الولايات المتحدة ودولاً أخرى شجعته على القيام بذلك: أي إعلان تشكيل اللجنة الدستورية من طرف واحد هو المجموعة المصغرة، وعبر الأمم المتحدة، ودون موافقة ترويكا أستانا، يذهب جيفري في تصعيده، و«بلطجته»، حد القول: بأن بلاده ستحاسب روسيا على التأخر في إطلاق اللجنة الدستورية! وكأن الولايات المتحدة هي من عقدت مؤتمر سوتشي، وكأنها هي من دفعت باتجاه تشكيل اللجنة الدستورية…

بكل الأحوال، فإنّ تصريحاً مهماً في هذا الإطار قد صدر عن نائب وزير الخارجية الروسية، ميخائيل بوغدانوف قبل بضعة أيام نشرته ria novosti، دعا فيه غير بيدرسون إلى زيارة روسيا بأقرب وقت ممكن: «بإمكانه زيارتنا الآن حتى، لسنا شكليين، وكلما زارنا أسرع كلما تعرف في وقت أبكر على مقاربتنا للمسألة السورية»… «السؤال هو متى سيسلم دي مستورا القضية. يقولون الآن إنه من الممكن أن يجري ذلك بعد بضعة أيام من بداية ديسمبر، وبيدرسون سيتولى منصبه فقط في نهاية ديسمبر، ولذا فإنه من بداية ديسمبر وحتى نهايته هنالك فترة انتقالية سيجري خلالها تسليم الملفات». ما لا يقوله هذا التصريح بشكل مباشر، ولكن يمكن فهمه بوضوح بين السطور، هو باعتقادنا التالي: «نحن مستعدون للتعامل مع بيدرسون منذ الآن، لأنّ دور دي مستورا قد انتهى، وإن جرى التمديد له شهراً إضافياً حتى نهاية العام فإنّ ذلك مسألة إجرائية بحتة لنقل الملفات للمبعوث الجديد، أما دي مستورا فقد انتهت مهمته ولم يعد مقبولاً منه أي تصرف جديد، بما في ذلك، وخصوصاً، ما يتعلق باللجنة الدستورية».

ثالثاً: حول داعش

لا نعلم من هو على وجه التحديد من صاغ مصطلح «الهزيمة الدائمة» لداعش، أو «enduring defeat»، ولكن المصطلح، والشروحات المستفيضة التي ظهرت له على لسان جيفري وعلى لسان مراكز أبحاث أمريكية عديدة، وكذلك في قراءات محللي واشنطن بوست وغيرها، يعني ببساطة ووضوح ما يلي: «داعش ستولد مرة بعد أخرى، وربما لعشرات السنين اللاحقة، لذلك فإنّ حربنا ضدها ستستمر لعشرات السنين، وإنهاؤها بشكل دائم لا يتطلب وجودنا العسكري فحسب، بل وأيضاً إعادة رسم خارطة المنطقة بأكملها وفقاً لمصالحنا، وباستخدام مختلف الوسائل: الأمنية والعسكرية والدبلوماسية والاقتصادية… وإلخ». وهذا الشرح يمكن فهمه بصورة أعمق في ضوء الهدف الرئيس للإستراتيجية الأمريكية المشار إليها أعلاه: «التنافس الإستراتيجي بين الدول، وليس الإرهاب، هو الآن الشاغل الرئيسي للأمن القومي الأمريكي».

أي أن الولايات المتحدة تدفع الأمور نحو تصعيد كبير جديد، بإعلانها الواضح أنها «باقية وتتمدد»؛ يمكن قول الشعار السابق في داعش أو في الولايات المتحدة، فكلاهما واحد.

وليس مستبعداً أنّ أمام داعش مهمات أقرب مكانياً من دفعها صوب أوروبا؛ ذلك أن جملة التوترات التي تغذيها واشنطن في المنطقة العربية، تشير إلى أن أكثر من دولة عربية يمكن لها أن تكون ساحة قريبة لعمل داعش، بما في ذلك دول تعد تاريخياً حليفة للولايات المتحدة… وبكلام آخر، فإنّ الغرض الأمريكي من إبقاء داعش وأشباهها، وتمددها، هو توطين الأزمة في المنطقة بحيث يستعصي الخروج منها قبل عدة عقود…

رابعاً: الشمال الشرقي

ارتباطاً مع ملف داعش، يتنقل جيفري بين ممثلي «الإدارة الذاتية» طارحاً أمامهم مشروعاً محدداً، وبين تركيا طارحاً مشروعاً آخر، وبين مجموعة هيئة المفاوضات طارحاً كلاماً لا هو الأول ولا الثاني؛ فمن جهة يبذل وعوداً بتمثيل أساسي للإدارة الذاتية ضمن (الحل السياسي)، انطلاقاً من فكرة «الإدارات المحلية» و«اللامركزية الديمقراطية» بمعناها التفتيتي الوارد في تقارير راند وفي لا ورقة تيلرسون وفي لا ورقة بومبيو… وأمام الأتراك يأتي وبيده ورقة الإعلان عن جوائز مالية لمن يقدم معلومات عن ثلاثة من أهم قيادات حزب العمال الكردستاني، وبوعود حول منبج، وإيحاءات بوعود حول الرقة، وأمام هيئة التفاوض يؤكد على أحادية وحصرية تمثيلها للمعارضة السورية في قطع مع كلامه ووعوده للإدارة الذاتية… وهكذا ضمن لعب شبه مكشوف على الأطراف جميعها…

ويأتي ذلك كله بوصفه «تكتيكاً» ضمن إستراتيجية شاملة. مفردة تكتيك، تعني في العرف الأمريكي: الكذب. ومن «التكتيك» أيضاً، أي من الكذب، الحديث عن وجود إستراتيجية أمريكية «جديدة» بما يخص سورية، أو بما يخص إيران، أو بما يخص المنطقة عموماً، بل والعالم بأسره؛ وفي هذه تستعين الفاشية الأمريكية بغوبلز «اكذبوا ثم اكذبوا لعل شيئاً يعلق في أذهان الجماهير»، مع تطوير إضافي هو «لعل الجميع يعلق مع الجميع»، لعل الحروب البينية تستمر إلى ما لا نهاية مستنزفة الخصوم الإستراتيجيين، ومانعة إياهم من كسر الأحادية القطبية إلى غير رجعة، لأن التحدي الرئيس أمام ازدهار الولايات المتحدة وأمنها «يتمثل في عودة ظهور المنافسة الإستراتيجية طويلة الأجل من خلال ما تصنفه إستراتيجية الأمن القومي على أنها (قوى تحريفية)… روسيا والصين» و«ليس الإرهاب».

خامساً: إيران وداعش وإعادة الإعمار

نجد كذلك تصريح جيفري بأن إيران تسعى لخلق داعش جديد؛ وليس أفضل من ذلك مشجباً لتأكيد ضرورة «الهزيمة الدائمة» لداعش، وأحد عناصرها هو إخراج إيران، ولكن «ليس عسكرياً» بل عبر صفقة مع الحكومة السورية يجري تشجيع الحكومة فيها على توجيه الطلب للإيرانيين بالخروج مقابل وعود بإعادة الإعمار، وتسهيل ملف عودة اللاجئين. وإذا أضيفت هذه الصفقة لجملة التصريحات التي أطلقها جيفري حول مصير الأسد، وأن لا مشكلة للولايات المتحدة «مع الأشخاص»، تبدو واضحة محاولة التغرير بالحكومة السورية، بالقول: إن الولايات المتحدة ربما تعترف بشرعية الحكومة السورية، وتتعامل معها وتسهل لها مسائل إعادة الإعمار وعودة اللاجئين، مقابل إخراجها للإيرانيين من سورية…!

المحصلة:

إن مجمل الحركات الأفعوانية لجيفري، وللسياسة الأمريكية، تعيد التأكيد على الأهداف الإستراتيجية، العامة والجزئية، للسياسة الأمريكية في سورية وفي الشرق الأوسط، والتي يمكن قراءتها في تقرير راند، والتي لم تتغير قيد أنملة، وهي باختصار:

إدامة الاشتباك والاستنزاف وصولاً للتفتيت.

خلق وتكريس وضع «الدولة الفاشلة» في سورية، عبر منع إي تغيير في النظام وإبقائه ضمن حدود معينة، واستنزاف الدولة والمجتمع ككل عبر بؤر النصرة وداعش، وعبر تغذية الميول الانفصالية لدى بعض القيادات الكردية.

بالتوازي مع ذلك، ولتحقيقه، محاولة تخريب العلاقة الروسية التركية، عبر ملف إدلب أساساً، وغيره من الملفات، وصولاً لنسف أستانا وسوتشي إنْ أمكن.

نسف أستانا وسوتشي، هو الطريق لنسف 2254، لأن الدخول إلى تنفيذ 2254 في ظل سيطرة المتشددين في الطرفين، وهو ما يناسب الولايات المتحدة بطبيعة الحال، أمر مستحيل، ولذلك ينبغي في ملف اللجنة الدستورية، إما منع تشكيلها نهائياً، وهذا يبدو صعباً، لأن خيار تشكيلها بعيداً عن إملاءات المجموعة المصغرة، لم يعد بعيداً، أو استباق ذلك وتشكيلها مَيّتة سريرياً على شاكلة تركيبة جنيف التي يسيطر عليها المتشددون، وهو ما سيدفع حسب ظنهم لنسف 2254 نهائياً والعودة إلى نقطة الصفر حيث لا مرجعية للحل، مع ما يفتحه ذلك من احتمالات جديدة لتصعيد عسكري جديد وشامل، يترافق مع بث الروح في داعش وأشباهها.