عُجالة قراءة في أطروحة سمير أمين اشتباك فك الارتباط إبَّان التحول من الإمبريالية للعولمة

Adel Sammara

تنشر بوابة الهدف الاخبارية ورقة الدكتور عادل سمارة التي قدمها في مؤتمراً فكرياً بعنوان: “اضاءات في خريف الرأسمالية ” تأبينا للمفكر المصري الراحل سمير أمين، عُقد في مركز دراسات التنمية بالشراكة مع مؤسسة بيسان للبحوث والإنماء يوم السبت 27 تشرين الأول 2018، وتضمن مشاركات واسعة لعدد من المفكرين الفلسطينيين والعرب.

إشتباك فك الارتباط إبَّان التحول من الإمبريالية للعولمة

عُجالة قراءة في أطروحة سمير أمين

د. عادل سمارة

ملاحظة:

ليس هناك من إجماعٍ على تغيُّر حقيقي في النظام الرأسمالي العالمي مما يستدعي تسمية الحقبة الجارية بـ العولمة، وهي الفترة التي بدأت، تقديراً، مع الربع الأخير من القرن العشرين وحتى اليوم كفترة شديدة القِصر تاريخياً. لكن قِصرَها هو تكثيف لأزمة النظام الراسمالي العالمي. أميلُ إلى وصف هذه الفترة القصيرة بالعولمة ولست مع القول بانها طور آخر من الإمبريالية أو أنها كلياً ضمن الإمبريالية[1].

هذه الورقة محصورة قدر المستطاع في فك الارتباط مع تناول القضايا الأكثر تعلقا بها فكريا وميدانياً.

(فك الارتباط هو عدم الخضوع لمنطق النظام الرأسمالي العالمي،

وحتمية التكيف السلبي مع متطلبات التكامل مع النظام العالمي[2]. )

قدَّم سمير أمين مساهمات هامة في النظرية الماركسية مرتكزا ومركِّزا على مكوناتها الثلاثة، بادئاً بتوظيف قوانين الديالكتيك في مختلف تحليلاته توظيف المتمكِّن الذي يُذيب النظرية في التحليل دونما تقعَّر باللغة وتعقيدٍ للنظرية، وموسعا في التحليل المادي التاريخي ليقدم مساهماته في فلسفة الاقتصاد السياسي.

هكذا بدأت ماركسية سمير أمين، أو شيوعيته إن شئت، سواء في بداية حياته في الحزب الشيوعي المصري ومن ثم مرحلة دوره بين مُنظِّري التبعية مدرسةDependency School ، التي أسست لتركيزه على قراءة متواصلة للتشكيلات المحيطية/الطرفية، وصولاً إلى دوره المميَّز في مدرسة النظام العالميThe World System حيث كان أحد الرباعي (سمير أمين، إيمانويل وولرشتين، أندريه جوندر فرانك وجيوفاني أريغي). وهي المدرسة في الماركسية، بل في الاقتصاد السياسي الماركسي، التي تُحلل النظام الرأسمالي العالمي بدءاً من بنية النظام باتساعها وصولا أو نزولاً إلى الجغرافيا موضوع البحث، أي هذا البلد أو ذاك. ذلك لأن هذه المدرسة رأت أن العالم بمعظمه مُهيمَن عليه رأسمالياً ومن هنا وجوب أخذه كوحدة مترابطة، وإن كانت هذه المدرسة، تأخذ المتغيرات والخصوصيات بالاعتبار.

تولدت نظرية التبعية Dependency Theory خلال ستينيات القرن العشرين من مجموعة/ مدرسة مدرسة إكلا United Nations Economic Commission for Latin America and the CaribbeanECLA”. التي أسس لها راؤول بريبتش حيث طورت أفكاره في البنيوية إلى نظرية التبعية التي وصلت إلى أن تطوير المحيط هو تقريباً واجب مستحيل.

ما يهمنا هنا هي أطروحة بريبتش بأن شروط التبادل المتدهورة بين المركز والمحيط تكرِّس تبعية المحيط، وفي هذا يمكن العثور على تأثير هذه الأطروحة على تطوير أمين لنظرية فك الارتباط، واتصالاًبمساهمة جوندر فرانك لا سيما في مسألة التخلف، و”تطوير التخلف- Developing of Underdevelopment” بمعنى وجود طبقات اجتماعية/سياسية حاكمة وذات مصلحة في مواصلة التخلف ومن ثم التبعية[3].

لم يُغيِّب أمين دور التقسيم العالمي للعمل في تكريس تخلّف المحيط، وهو ما دفعه لنقد الحركات القومية التي لم تَرَ تناقضاً بين التقسيم العالمي للعمل وتنمية بلدانها، مما أبقاها في مصيدة المفهوم البرجوازي لرتق الفجوة التاريخية، عبر المساهمة في التقسيم العالمي للعمل وليس عبر نفيه أي بفك الارتباط.[4]

يقود البحث في التخلف بل يعني قراءة عوامل التنمية بالمقابل. من هنا كانت قراءة تنمية المراكز أساسية في تفكير أمين، وهي التي قادته وآخرين لنظرية التنمية المتمحورة على الذات، والاعتماد على الذات إقليمياً إلى أن توصل ورفاقه إلى استحالة تكرار مناخات التنمية التي أنجزتها المراكز الغربية وخاصة دور هذه المراكز في الحيلولة دون تمكين المحيط من اللحاق بالمركز، إنه تناقض مُكوِّنَيْ النظام الراسمالي العالمي أي مركز/محيط. وعليه، كان من الطبيعي البحث عن طريق آخر، وهو الذي كان الاشتباك بفك الارتباط.

واصل أمين متابعته النقدية عبر قراءة وتحليل مادي تاريخي لمجمل النظام العالمي وأزماته بما فيها أزمته الممتدة منذ 2007 وحتى رحيله هذا العام، إلا أن مسألة التخلف بقيت محورية في قلقه وهمومه ومن ثم إنتاجه. ولذا كانت أطروحته الأساسية في “التطور اللامتكافئ” والذي يولد ويحافظ على التخلف ويُرسي التبعية واستمرارها. وهذا ما أغراه بأن يواصل حياته فكراً وعملاً في العالم الثالث ليصبح ضمن مدرسة العالمثالثية Third Worldism والتي تُعتبر الماوية مؤسِّستها.

هذا إلى أن وصل أمين إلى بلورة نظريته في فك الارتباط Delinking كشرط حَدِّيٍّ إذا كان لبلد في المحيط أن يتطور. وهو وصول قطعي تعرَّض بالطبع للتشويه من مفكري البرجوازية بينما انقسمت تيارات الماركسية بين مع وضد أيضا:

  • مؤيدو نظرية “التطور اللارأسمالي- non-capitalist path”، التي كانت من علائم التهالك النظري، ومن ثمَّ الوجودي، لأنظمة الاشتراكية المحققة.
  • ماركسيون في الغرب توهموا أن المحيط قد انتقل إلى تطور رأسمالي كما المركز، نظرية اللحاق، بيل وارين مثالاً: “… على الرغم من مختلف تلك السياسات الخاطئة، أصبح هناك اعتراف واعٍ بأن إنجازات البلدان الأقل تطورا قد تحسنت بشكل عام خلال الستينيات، وهو العقد الذي شهد النمو الأعلى في البلدان الأقل تطورا خلال القرن. وإذا ما أخذنا في الاعتبار أن القوة الشرائية الفعلية لصادراتها قد ارتفعت بنفس نسبة ارتفاع الإنتاج المحلي الإجمالي 5.5% (إلى جانب ثبات في شروط التجارة)، فإن الصادرات قد ازدادت بشكل سريع أكثر من الواردات في الستينيات، …هذه المؤشرات الإيجابية استمرت في السبعينيات[5]“.

كان يجب أن يتأخر الرحيل المبكر لـ بيل وارين ليرى ماذا حل بالعالم الثالث وكيف تمفصل عنه العالم الرابع، ولا سيما النمو المتسارع لاقتصادات المضاربة والريع وتمويل بلدان الريع لإرهاب أنظمة وقوى الدين السياسي.

لم يُغفل أمين الرد على بيل وارين وبتلهايم وفرانك:

“… هل السمة الأساسية لتاريخنا هي توسّع رأس المال عالميا؟ إن بل وارين وجوندر فرانك وتشارلز بتلهايم، كلٌّ بطريقته يعتبرون الثورات الروسية والصينية “رأسمالية” ويرونها فقط كمرحلة، حتى لو محددة، لهذا التوسع″[6]

يبقى السؤال، أيهما الأدق: قناعة أمين بأن روسيا والصين فكّتا الارتباط بما يكفي بحيث أصبحتا منيعتين محصنتين ضد العودة للرأسمالية، أم حماسة بتلهيام ووارين وفرانك بأن الثورتين الروسية والصينية مرحليتان وجزء من التوسع الرأسمالي؟.

  • أطروحة نقل التكنولوجيا إلى المحيط على شكل “رأس المال العامل الإنتاجي”، لكن دون التورط في الاعتقاد برسملة وتصنيع ولحاق المحيط بالمركز، تاماس سنتش: “… فمقارنة مع معظم البلدان المتقدمة، فهي، أي البلدان المصنعة حديثا، ما تزال في برزخ إنتاج وتصدير المنتجات الأولية. لقد وصلت هذه البلدان المصنعة حديثا موقعا أفضل في الاقتصاد العالمي. ولكن رغم أن النمو الصناعي قد حصل ، لكن لم يرافقه تأسيسٌ لقاعدة صناعية وطنية متقدمة إلى جانب كفاءات البحث والتطوير. فحلقات الإنتاج عبر مجمل الاقتصاد الوطني لم تحصل. وبدلا من ذلك فإن أعشاشها الصناعية البسيطة لم تؤكد أو تضمن فوائد أفضل ومستويات معيشة أفضل للأكثرية. فهي ربما تحولت لتكون مجرد إعادة إنتاج التخلف[7]“.
  • دُعاة وجوب تغلغل الاستعمار في المحيط بشكل أعمق لأن تغلغله لم يكن كما يجب أو لم يكن كافياً (جيفري كاي[8])
  • وأخيراً وليس آخراً المدرسة القديمة الجديدة الواسعة في “الاستعمار الإيجابي”، بل إيجابية الاستعمار في الفكر الاقتصادي السياسي البرجوازي والتي وصلت مع المحافظين الجدد، بمن فيهم قيادات تروتسكية انضمت لهذا التيار الديني السياسي، إلى احتلال بلدان لـ “دمقرطتها”، حال العراق، ليبيا…الخ .

فك الارتباط:

“في هذا الوضع كان لا بد من تطوير قوى الإنتاج بعيدا عن الرأسمالية”

تلخِّص هذه الجملة رؤية أمين لفك الارتباط بمعنى أن تطور بلدان المحيط يضعها أمام أحد خيارين:

  • إما مغادرة النظام الرأسمالي كلياً ارتكازاً على تطوير قوى الإنتاج، وتجاوز معايير العلاقات الاقتصادية الاجتماعية الثقافية المترتبة على الإضطرار لعلاقة ما بالسوق العالمية، وهذا خيار في مصلحة الأكثرية الشعبية.
  • أو الدوران في حلقة التخلف والتبعية المفرغة، وهو خيار في مصلحة أقل الفئات الاجتماعية عدداً وأكثرها ثروة وتخارُجاً وأقلها انتماءً للبلد حيث وطنها هو رقم حسابها المصرفي.
  • ماذا تُردُّ مسألة الأقلية والأكثرية إن لم تُرد إلى المسألة الطبقية وانحياز كامل مشروع أمين إلى الطبقات الشعبية.

إن قوى الإنتاج/مستوى تطورها هي محورية في التطور، بل هي محوره الأساس بما أن الإنتاج هو الحلقة المركزية في أي اقتصاد وعليها تقوم الحلقات الأخرى، التوزيع والاستهلاك والادخار وإعادة الاستثمار والتبذير والإسراف…الخ. ويعني هذا، في هذه الحقبة تحديداً وفيما يخص الوضع العربي ولا سيما بلدان النفط، بأن الرّيْع كانتفاخ سيولة مالية ليس مدخلاً للتطور بل للتبعية. وفي حالتي التنمية والتبعية، فإن علاقات الإنتاج تلعب الدور الجدلي مع قوى الإنتاج، وهو ما يختلف فيه فقهاء الماركسية أيّها المقرِّر.

“…لا يتم فك الارتباط دون إخضاع العلاقات الخارجية وبلا كفاءة سياسية لإنجاز إصلاح إجتماعي عميق في اتجاه مساواتي. إضافة إلى استيعاب تكنولوجي والإبداع[9]“.

هذه الكفاءة السياسية هي التي نسميها “القرار السياسي” من السلطة الحاكمة، أي القرار الطبقي من الطبقة الحاكمة التي في كل تشكيلة اجتماعية إقتصادية تتموضع طبقاً لمصالحها وليس طبقاً لقوميتها أو جغرافيتها أو تاريخها…الخ.

الفائض، التراكم، وفك الإرتباط كبديل:

“… وفي حقيقة أن برجوازية العالم الثالث ليست قادرة حتى الآن على التجاوز. ولكن بوسع المرء القول بأن هناك بديلا للبرجوازية، البديل الآخر (التحالفات الاجتماعية الشعبية) هو الذي بوسعه القيام بذلك؟. هذه أطروحتنا. ولكن الأشكال اللازمة للقيام بذلك تتضمن ما نسميه فك الارتباط وهو جزء من الإشكالية حيث لم يعد هناك مجال لتوسع رأسمالي، وعليه فالممكن- وهو بالأحرى نقيض- الانتقال باتجاه مجتمع آخر (الاشتراكي)”[10].

يركز أمين في عمله هذا على التراكم مشيرا إلى أن هناك خلطاً بين التمحور على الذات وبين التصنيع بالبدائل (إحلال الواردات) بزعم أنها عكس الاستراتيجية الموجهة للتصدير (أخذ التصدير كقوة دافعة للنمو) وتجد توسعها في توسيع السوق المحلية. وهذا يطرح السؤال عن كون البدائل هادفة التحكم بالتراكم أو أنها تقبل بدرجة من تحكم رأس المال الاجنبي سواء ماليا وتكنولوجيا وتبعية …الخ. أي هل يفلت التراكم من يد الدولة[11].

طبعا، هو هنا يتجاوز وينقض نظريات اللحاق والتكيف والإقلاع…الخ بما هي مداخل برجوازية لبرالية للنمو لا أبعد.

ولكن، هل كان على أمين البدء أو العودة بنا إلى ما قبل التراكم، إلى أساس ومولِّد التراكم؟ أي علاقات الإنتاج الراسمالية الطبقية التي تقوم على وباء الملكية الخاصة[12] ومن ثم الاستغلال وسلخ القيمة الزائدة أي بزل الفائض والتحكم به؟ باعتبار الفائض هو ثمرة الإنتاج الذي تنتجه قوة العمل بما يعتوره بالطبع من الاستغلال والتغريب/الاغتراب. بالطبع كان يجب ذلك، لكنه ربما افترض أن الأمر تحصيل حاصل. فالفائض أساسه العمل ولذا هو أساس التراكم.

لم يكن أمين بعيداً، بل كان من أبرز أعضاء مدرسة مونثلي ريفيو[13] (بول باران وبول سويزي وهاري ماجدوف وآيلين ماكيمس وود وجون بولاني فوستر…الخ) ولا سيما عمل باران عن الفائض في كتابه الهام Political Economy of Growth ، 1957.

من أهم نظريات ماركس في الاقتصاد ، نظرية فائض القيمة أو القيمة الزائدة التي تنتجها قوة العمل البشرية وحدها ولا يبقى لها من جهدها المبذول في الإنتاج المتحول إلى سلع سوى ما يحقق لها حدا أدنى من البقاء أو الكفاف لها ولمن تُعيل؛ أما النسبة الأعم بما يقارب الإطلاق فتذهب للذي يملك ولا يعمل كي يُنفق ويدخر ثم يستثمر مجددا أي يستغل قوة العمل مجددا…وهكذا. وكلما تطورت التقنية يحقق الرأسمالي فائض قيمة حيث يتحول هذا الفائض إلى ربح.

اهتمّ الاقتصاديون كثيراً بمسألة فائض القيمة، وخاصة اقتصاديو التنمية، حيث ربطوا الأمر بنمو ومن ثم تنمية هذا البلد أو ذاك؛ بمعنى أن النمو والتنمية كي يتحقق أحدهما هنا والآخر هناك لا بد للبلد أن يحتفظ بالفائض المتحصل على صعيد وطني/قومي، وبأن أسباب التخلف تنكشف حينما لا يتحكم بلد بالفائض المتحصل فيه، أي بمجموع القيمة الفائضة/فائض القيمة للبلد ككل.

هذه المسألة شغلت الاقتصادي الأمريكي بول باران، ولا سيما في قرائته لتخلف بلدان محيط النظام العالمي، فطوّر نظرية في الفائض أطلق عليها الفائض الاقتصادي بما هو على مستوى الوحدة الدولانية أي البلد القومي. ورأى أن الفائض هو الفارق بين المُخرج الكلي والاستهلاك الكلي للبلد. وتقدم ليرى أن هناك ثلاثة متغيرات محددة لمفهوم الفائض الاقتصادي هي: 1. الفائض الاقتصادي الفعلي، وهو الفارق بين المخرج الجاري للمجتمع والاستهلاك الجاري لنفس المجتمع، وهذا هو الفائض أو المدخرات التي تتعامل معها النظرية الاقتصادية. كما لاحظ أن بلدان المحيط تحقق فائضا ضئيلا وبأن هذا أساس تخلفها، أي نقص رأس المال.(طبعاً لاحقا لم يعد توفر المال هو الأساس في التنمية بقدر ما هو الإنسان والسياسة الاقتصادية)؛ 2. الفائض الاقتصادي المحتمل وهو الفارق بين المخرج الممكن إنتاجه في شرط أو بيئة طبيعية و تكنولوجية بمساعدة استخدام موارد إنتاجية وما سيعتبر استهلاكاً أساسياً؛ 3. مفهوم الفائض الاقتصادي المخطط المرتبط بنظام اشتراكي. وهو الفارق بين المخرج المتحقق “الأمثل” في بيئة طبيعية وتقنية تاريخية في ظل شروط تخطيط أمثل في الاستفادة من قوى الإنتاج المتوفرة واختيار مستوى استهلاكي أمثل. وأهمية المخطط أنه قائم على سياسة ترشيد علمية تحافظ على الموارد البشرية والطبيعية. هذا المخطط المتماسك لباران، والمهتم أساساً بقراءة مسببات التخلف، لم يركز كما يجب على السلطة الطبقية في المحيط والتي غالباً ما تحوّل دورها إلى آلية تسهيل نزيف الفائض. وهو الأمر الذي يتم تلافيه في النظام الاشتراكي.

بدوره، قام الراحل أنور عبد الملك بتوسيع نظرية الفائض. فإذا كان ماركس قد ناقشها وأسس لها على نطاق المشروع الواحد، علاقات الإنتاج والاستغلال الطبقي، ولامس المستوى القومي/الوطني، وقام باران بتوسيع مفهوم الفائض ليتعدى القيمة الزائدة فائض القيمة في المركز وفي المحيط أي في النظام الرأسمالي العالمي في فترة معطاة؛ فإن عبد الملك طور المفهوم ليعطي الفائض مستوى تاريخياً غير ساكن ولا محدد بفترة زمنية محددة أو بلد محدد، وإن ركز على، أو بدأ من، القرن الخامس عشر، وهو مدخل يتقاطع في الحقيقة مع قراءة ماركس لمفهوم القيمة عموما، بمعنى أن قيمة السلعة هي مقدار العمل الإنساني/الإجتماعي المبذول فيها، أي العمل بتنوعاته، الحي والميت والمجرد …الخ. إنه العمل المتراكم تاريخيا.

ويضيف، إن جذور العنف، جذور الحرب المعولمة، الطريق إلى السلاح، قابعة/متأصلة في البنية التاريخية للنظام العالمي، وهي في التشكيلة التاريخية للهيمنة الغربية المتجذرة في فائض القيمة التاريخي منذ القرن الخامس عشر وما تلاه. إن الشيء الأساسي في التحليل البنيوي للهيمنة الغربية، ليس محصوراً على أية حال في بُعد الميل الحربي. فبالأحرى، يجب تسليط البحث وتركيزه على تشكيلة فائض القيمة التاريخي”[14]؟

لا أحد من اليمين ولا اليسار، أهمل مساهمة ماركس أو مساهمة بول باران في مسألة الفائض، لكن، قلما أشار أحد إلى مساهمة أنور عبد الملك! هل هي مركزانية الثقافة الغربية وتبعية غير الغربيين؟ هل هي لا سامية في الاقتصاد السياسي؟

لا شك أن امين قد اطلع واستفاد من أطروحة عبد الملك لا سيما أنهما من نفس الخلفية من جهة، وعاشا أيضاً في شبه هجرة عن مصر، ومن هنا أنهى أمين مساهمته في بلورة فائض القيمة المعولم..

فك الارتباط والمسألة القومية:

تقع المسألة الطبقية في مركز أطروحات أمين، وخاصة فك الارتباط، لأن تبني فك الارتباط يعني تحدي قوة اجتماعية سياسية، طبقة، هي الطبقة المتخارجة سواء الرأسمالية الكمبرادورية أو الطفيلية أو الريعية أو المضارباتية على صعيد وطني، وطبعا الثورة المضادة على صعيد معولم. صحيح أن القرار السياسي السيادي بفك الارتباط في بلد معين هو طبقاً لجغرافية البلد، ولكن، إذا انطلقنا من معطيين مركزيين هما:

1-أن أمين ورفاقه يرون جغرافيا العالم مغطاة برأس المال بمعنى أن أي تطور، والأصح تغير أو حدث كبير في بلد لا ينحصر في البلد نفسه.

2-وبأن الثورة المضادة لا تترك لبلد قراره الحر أبداً.

فهذا يعني أن قرار فك الارتباط، بل حتى أية درجة من الفك، له تبعاته عالمياً، إنه اشتباك معولم. ولكن أمين لم يتورط في خطاب التزييف الذي يقول بأن العالم قرية واحدة أو صغيرة. هو قرية صغيرة بمفهوم تطور تكنولوجيا السفر ونقل المعلومة، ولكن العالم (اجتماعياً)حافظ على، بل وكرَّس، الفوارق الطبقية، عالم الفقراء وعالم الأغنياء فبقيت القرية منقسمة بوضوح بين Chanty Town and Down Town. إنه الاستقطاب.

في مستواه الأول، يقول أمين، يفتح فك الارتباط باب الصراع مع الاتجاهات القومية الاندماجية:

“…فك الارتباط يفتح الصراع بين الاشتراكيين وبين الدولانيين والميول الرأسمالية القومية”[15]

لكن هذا المشروع، بما هو للأكثرية الشعبية، فهو مشروع تحالفي يحمل هموم التحالف التقدمي في البلد نفسه، وبهذا المعنى هو قومي أيضاً أي بمضمون قومية الطبقات الشعبية[16]:

“…فك الارتباط يهدف استعادة استقلال الدولة القومية .. ومراجعة علاقات شمال-جنوب بهدف تقوية الاستقلال القومي للشركاء وتوسيع منظور الحركة الشعبية كأساس للأممية الجديدة” [17]

إلى أن يصل أمين إلى المآل الضروري والنهائي لفك الارتباط:

“…إذا كان تشكيل دولة برجوازية قومية وانشاء اقتصاد رأسمالي ذاتي التمحور مستحيلا في المحيط ، فإن طريقا مختلفا للتطور لا بد منه. .. انها مسالة فك الارتباط والاشتراكية.[18]

وحيث يقول أن: “التمحور على الذات أساسي في فك الارتباط لأنه يعني التحكم القومي بالتراكم”، فهو لا يعني القومي بالمعنى البرجوازي الكلاسيكي بل مصلحة الشعب في البلد المعني.

يرتكز أمين في اهتمامه بقوة الدولة القومية، رغم منظوره الماركسي، على البيان الشيوعي الذي يؤكد بأن الدولة القومية القوية هي القاعدة الأنسب أو المقدمة الموضوعية للانتقال إلى الاشتراكية.

“…وعليه، ليس في الجوهر بل حتى في الشكل، فإن نضال البروليتاريا مع البرجوازية هو أولاً نضال قومي. فبروليتاريا أي بلد، يجب بالطبع، قبل كل شيء أن تحل أو تسوي القضايا مع برجوازيتها[19].

“..فالشيوعيون أيضاً متهمون بأنهم يرغبون في إلغاء البلدان والقومية. إن العمال لا وطن لهم. فليس بوسعنا أن نأخذ منهم ما لم يملكوه. وحيث أن على العمال الحصول أولاً أو إنجاز التفوق السياسي، فعليهم أن يبرزوا كطبقة قائدة للأمة، وأن يمأسسوا أنفسهم في الأمة، وهي، بهذا المعنى قومية، ولكن ليس بالمعنى البرجوازي للكلمة[20]“.

وهذا ما توصلت إليه في قراءة العلاقة بين الماركسية والمسألة القومية بأن هناك:

* الفهم والموقف البرجوازي للقومية، القومية الحاكمة.

* وهناك فهم وموقف الطبقات الشعبية للقومية، القومية الكامنة.

الأول طبقي برجوازي يبحث عن الانخراط في النظام الرأسمالي العالمي، والثاني له مضمون قومي وطني وحدوي اشتراكي[21].

كما كتب ماركس في تحليله كميونة باريس:” ..لم تكن وحدة الأمة تحت أي نوع من التهديد، بل كانت سيتم تضبيطها بدستور الكميونة، ففي جميع نداءاتها لسكان مناطق فرنسا، دعت الكميونة مختلف الكميونات الفرنسية إلى تشكيل اتحاد فدرالي مع كميونة باريس، من أجل ترتيب قومي على يد الأمة الفرنسية نفسها، وللمرة الأولى في تاريخها[22]“.

ما نحلص إليه هنا، أن أخذ المسألة القومية في الاعتبار وخاصة في بعدها التقدمي لم يأخذ أمين إلى إضاعة المستوى الطبقي. لكنه في الحالة العربية بقي مُراوحا بين العروبة وبين قوميات للأقطار المكتملة، مصر مثلا، بل لم يستفد من أطروحة كميونة باريس في دعوتها لفدرالية للأمة الفرنسية. هذا رغم أنه اقترب من المسألة العروبية حينما حلَّل المزاعم الكردية في وجود قومية كردية موحدة[23]. على أية حال، لهذا حديث آخر.

اختلاف عن السوفييت والتروتسك:

يصر أمين على اختلاف تجربة الصين في التنمية عن تجربة الاتحاد السوفييتي معتبراً التجربة الصينية هي الأقرب إلى فك الارتباط. وفي هذا يُخالف، كما قال، تعميمات بيل وارين وتشارلز بتلهايم والتروتسك.

يقول، تم في تجربة الصين:”… 1- خلق منظمة مستقلة ذاتيا تزعم أنها ماركسية، 2- إخلاء المدن كمراكز مؤيدة للقوة البرجوازية الإمبريالية والانسحاب إلى الريف، 3- شن ومواصلة صراع طبقي في الريف مرتكز على طموحات الفلاحين الفقراء والمعدمين من الأرض وعزل ملاك الأرض، 4- تبني حماية هذا الصراع بالشكل المنظم لجيش الغوار 5- توازي هذا مع دبلوماسية بهدف تجنيد أوسع دعمٍ قومي ومثقفين، والبرجوازية الصغيرة وحتى البرجوازية التي من حيث المبدأ ضد العدو الإمبريالي (اليابان مثلا) وحلفائه حيث تم دعم هذا من أكثرية الشعب بعكس ثورة البلاشفة”. ص 129.

يُفيد هذا النص في أن التحالف الاجتماعي الطبقي الموسع أساسيٌّ في التنمية الاشتراكية، هذا مع العلم بأن فك الارتباط لدى أمين هو للانتقال إلى الاشتراكية.

وبما أن نظرية فك الاتباط هي أساسا لبلدان المحيط لتجاوز التخلف الذي نتج عن إخضاعها للمركز الرأسمالي ومقتضيات مصالحه، فإن للفلاحين دوراً أساسياً في نظرية أمين. ولا شك أنه تأثر بتمسك الماوية بالدور الثوري للفلاحين يشاركه في هذا فرانز فانون بمعزل عن حدود اطلاع فانون على الماوية أم لا. وفي المقابل، تمسك ماركوزة بالمشردين كبديل للعمال وهو ما رفضته الماوية.

ورغم تقاطع أمين مع التجربة الصينية، إلا أنه لم يُغفل حقيقة أن التجربة السوفييتية كانت التجربة الأولى والأولية في فك الارتباط. فهو يرى بأن ” …النظام الإنتاجي السوفييتي كان فك ارتباط فعلي فعال عن هيمنة النظام الراسمالي العالمي. أي أن الذين في السلطة (الاستثمار والتسعير) ليست مشتقة من انخراط “مفتوح” في العولمة. تم هذا بسرعة بعيدا عن النظام العالمي”.

والسؤال هو: هل كان قرار فك الارتباط بالنظام العالمي من جانب السوفييت فقط؟ أم أن الإمبريالية نفسها قررت ذلك عبر مقاطعة الاتحاد السوفييتي وشن الحرب عليه في ما أسماه السوفييت بـ “الشيوعية الحربية”. ما أقصده هنا أن المقاطعة ليست موقفاً من جانب الشعوب والقوى الثورية وحسب، بل أيضاً من جانب الإمبريالية[24] في عدوانها على الشعوب.

أما في نقده لمآلات التجربة السوفييتية يقول أمين: “…ولأن القطيعة غير ممكنة فليس صحيحا أن هناك أوتاركية، فالاتحاد السوفييتي كان بمثابة محيط في تصدير المواد الخام وذلك من خلال انخراطه في النظام العالمي”.

لا يمكن واقعياً حصول أوتاركية تامة مع النظام الرأسمالي العالمي. وهنا يكون فك الارتباط هو الخروج من علاقات الارتباط بهذا النظام أو بمقدار الخروج منها وتصميم السياسات التنموية طبقا لمقتضيات تطور الاقتصاد المحلي. وهذا يعني أن فك الارتباط ليس قطعياً وليس قطعاً مفاجئا وبقرار سياسي بقدر ما هو آلية تطبيقية تصل في نهاية الأمر إلى الاشتراكية التي هي مشروع أممي.

تغير تقييم أمين للتجربة السوفييتية في بدايتها عن مآلاتها، لا سيما منذ فترة خروتشف وصولا إلى جروباتشوف، وتحديداً في الدور المحيطي للنظام السوفييتي عبر تصدير المواد الخام وقيام الثورة المضادة الإمبريالية وخدمة الحكم السعودي لها في توجيه ضربة قاصمة لأسعار النفط بتخفيض سعر برميل النفط في منتصف ثمانينيات القرن العشرين مما كان له الدور الأساس في تفكك هذا البلد[25].

بدورها تختلف التروتسكية مع الماوية بشأن دور الفلاحين والمسألة القومية، وهو اختلاف ينسحب على موقفهم كذلك من سمير أمين. فقد اعتمدت الثورة الصينية على الفلاحين وليس على العمال فقط. كما اختلفت التروتسكية مع السوفييت والماوية بشأن الثورة في بلد واحد ومع الثورة في بلد غير متطور صناعياً حيث يغيب الوجود الفعلي للبروليتاريا.

ربما تفيد الإشارة إلى تناقض قيادات كثيرة من التروتسكية مع فك الارتباط في المستويين القومي والأممي: فعلى الصعيد العربي وقفت معظم الحركات التروتسكية ضد القومية العربية واعترفت بالكيان الصهيوني، ودعمت العدوان الثلاثيني على العراق واحتلاله، ودعمت ما يسمى بالربيع العربي، وهذا تعميق للتبعية وتناقض تام مع فك الارتباط. أما على الصعيد العالمي فقد انخرطت قيادات تروتسكية في تيار المحافظين الجدد وكان لها دور أساسي في القرار الإمبريالي الأمريكي ضد العراق ولاحقا ضد سوريا و ليبيا اليمن…الخ. بمعنى أنها انخرطت في الاستعمار، وهو المدى الأبعد عن فك الارتباط.

فك إرتباط ما قبل فك الارتباط:

هل له مقدمات تاريخية ؟

تقف نظرية فك الارتباط كنقيض مؤكد لمختلف نظريات الاقتصاد التقليدي المبتذل التي تتمحور حول السوق وحرية التبادل وغيرها، بدءاً من “دعه يعمل دعه يمر” وصولاً إلى “تحرير التجارة الدولية” وليس انتهاء بمعزوفات المؤسسات المالية الثلاث “المصرف والصندوق ومنظمة التجارة العالمية” إثر أزمة 2007 التي لم تتعب في أمر بلدان المحيط بعدم تبني سياسات حمائية كي لا يُعاق سيل التصدير من المركز إلى المحيط ولا سيل نزيف الفائض من المحيط إلى المركز. ويتم تسهيل إدارة المركز للأزمة لا حلها أي الإبقاء بصرامة على إخضاع المحيط لمقتضيات تطور وحتى علاج أزمة المركز أو كلفة إدارة تلك الأزمة وهذا ما حصل حقاً!. ورغم أن إدارة ترامب أتت بمثابة “جهيزة التي قطعت قول كل خطيب”، حيث تُدير سياسة حمائية بشكل فج وحربا تجارية معولمة، لكن أنظمة/طبقات حاكمة في المحيط سوف تواصل فتح فخذيها للريح. هذا مع أنه لم يكن من الصعوبة بمكان على طالب اقتصاد في سنوات الكلية الأولى أن يدرك أن مختلف السياسات الاقتصادية للبلدان الرأسمالية الغربية كانت، ومازالت، سياسات حمائية رغم الرطانة الهائلة عن حرية السوق.

للوصول إلى أية درجة من النمو، لا بد من إقامتها على درجة من الحماية. هذا ما يمكن فهمه من قانون المنافسة الرأسمالي، سواء في المشروع الفرد أو في الاقتصاد المحلي لأي بلد. فالمنافسة تقتضي الحماية وتنتهي إلى الاحتكار والمنافسة بين الاحتكاريين أنفسهم أي تزاوج المنافسة والاحتكار حتى انتهاء النظام الرأسمالي.

لم تسمح التشكيلات الرأسمالية الأوروبية الغربية لغيرها بالتطور لأن مقتضيات النظام العالمي بتوسعه الاستعماري تُحتم هكذا سياسات وتطبيق لتلك السياسات. ولم تكن المستوطنات الرأسمالية العنصرية البيضاء شذوذا عن هذه القاعدة أبداً، ذلك لأنها امتداد للتوسع الاستعماري الغربي الذي كان ينهب من المحيط ويستثمر في تلكم المستعمرات الاستيطانية. مثلا، النهب من الهند والاستثمار في أمريكا الشمالية والنهب بل التقشيط من الفلاحين الفلسطينيين والاستثمار في اقتصاد الاستيطان الصهيوني قبيل اغتصاب فلسطين 1948.

يرى أمين أن أوروبا تمكنت من مواجهة تزايد السكان بدفع الفائض البشري إلى الأمريكيتين وإلى مناطق أخرى مما أبقى على سكانها الحاليين بمعدل ثلث ما كانوا سيكونون عليه لو لم يهاجروا. بينما في أفريقيا (حسب رأيه)، فإنه لا مجال للهجرة مما يجعل الحل ذاتيا. أي إن أوروبا حلت مشكلة الفرنجة في العالم الجديد. في حالة أفريقيا والوطن العربي اليوم، فإن الهجرة إلى أوروبا مستحيلة لأنها لا تحتاجها بل هي بيئة طاردة. كما أن الوطن العربي لا يمكنه إعادة التوازن بين الخليج ومصر مثلا. وهذا يجعل خيار الهجرة مغامرة انتحار. لاحظ الانتقاء الألماني للمهاجرين السوريين. وعليه، ففي غياب قرار دولاني سيادي بفك الإرتباط بل وجود قرار بالتبعية للخارج والقمع في الداخل، نشأت ظاهرة الهجرات القاتلة.

أجمع الأربعة، أمين وفريقه، على حصول التطور بين تشكيلات المركز في القرن 19 وبشكل متوازٍ وعلى كذلك تطور النظام العالمي[26].

يرى أمين أيضاً أن المراكز الجديدة في أوروبا دخلت النظام العالمي حتى نهاية القرن التاسع عشر دون فك ارتباط لأنها كانت متحكمة بعلاقاتها الداخلية؟ ولكن، كيف تمكنت من التحكم بعلاقاتها الداخلية؟ بالفائض المتراكم؟

يعود هذا إلى 1- توفر القرار القومي السيادي السياسي 2- توفر مستوى من التطور الصناعي 3- وجود فرص التوسع الرأسمالي في نطاق البلد الواحد 4- عدم وجود مركز مهيمن كليا في أوروبا بحيث يحول دون فك ارتباط هذا البلد أو ذاك، ولذا، لم تكن تلك البلدان بحاجة لفك الارتباط لحماية نفسها، بل ربما كان من مصلحتها عدم فك الارتباط البَيْني طالما أن مستوى التطور متقارب في غرب وشمال أوروبا. أي أن هنالك مصلحة مشتركة ما في الارتباط البّيْني. (انظر لاحقاً)

ولكن، كيف كان لليابان أن تترسمل؟ بينما بقيت مختلف بلدان المحيط غارقة في التخلف أو على حواف التطور. كان دخول اليابان تحت حكم آل ميجي[27] إلى الرأسمالية بعيدا أو بأقل إعاقة من الغرب الرأسمالي ربما كان المحاولة الأولى/المبكرة في “الاعتماد على الذات” التي طورتها مدرسة التبعيةDependency School وطورها أمين إلى “فك الارتباط” De-linking[28]. بينما زعم اقتصاديو البرجوازية أن فك الارتباط هو القطيعة Utarkism.

يقول بأن فك الارتباط ليس هو القطيعة بل هو إخضاع/إلحاق العلاقات الخارجية لصالح منطق التنمية المحلية…رفض الخضوع لقانون القيمة المعولم [29].

كانت تجربة محمد علي شبيهة بالتجربة اليابانية، إلا أن تحالف الاستعمار العثماني مع الاستعمار الأوروبي (البريطاني والفرنسي) قصم ظهر تلك المحاولة وهو ما ولَّد المقولة الشهيرة “لا يابان بعد اليابان” بمعنى أن اليابان كانت قد ترسملت في غفلة من الزمن، أو لأن مركزا إمبرياليا كُلِّي الهيمنة لم يكن قد وضع من بين أولوياته اليابان مع أنه حاول ذلك، ولكن ربما لم يكن بمقدوره قطع تطورها.

من المفارقة أن أوروبا الغربية نفسها، بل شمالها كذلك، تطورت بشكل متساوٍ نسبيا، وإن تفاوت زمنيا إلى حدٍّ ما رغم تواكب فترة التطور المشترك مع حروب قومية مروِّعة بين بلدان أوروبا الغربية وخاصة بريطانيا، فرنسا ألمانيا، إيطاليا! فهل يمكننا تمطيط مقولة “لا يابان بعد اليابان” بـ “لا أوروبا بعد أوروبا”.

هنا يتوجب الربط بين هاتين المقولتين وبين رسوخ قناعة سمير أمين بأن فك الارتباط هو الطريق الأوحد الممكن لتطور المحيط.

الاندماج مجددا:

يشكل انتصار رأس المال على العمل تحدياً لفرص فك الارتباط. وهو الانتصار الذي بدأ بتفكك المحيط الأبعد للاتحاد السوفييتي أي دول عدم الانحياز ذات التوجهات الاشتراكية إندونيسيا، مصر، سوريا، العراق، الجزائر وغيرها، حيث ذهبت باتجاه تبادل أوسع مع السوق العالمية، ثم تفكك المحيط الأقرب للاتحاد السوفييتي أي دول أوروبا الشرقية. والتحول الرأسمالي، وإن التدريجي للصين إثر رحيل ماوتسي تونغ واعتقال “عصابة[30]” الأربعة، وأخيرا تفكك الاتحاد السوفييتي نفسه. بقول آخر، فإن الثلث الأخير من القرن العشرين قد شهد تصفية لتجارب فك الارتباط، باستثناء واحات محدودة، كوبا، وكوريا الشمالية. في هذا الصدد، لم يكن توقع أمين دقيقاً، وبالطبع لا نطلب التنبؤ هنا.

فرغم نقده للتجربة السوفييتية قبيل انهيارها، كتب أمين أن الإتحاد السوفييتي لن يقبل إعادة الاندماج في النظام الرأسمالي العالمي حيث يهدد نظامه السياسي الداخلي. هذا رغم أنه أشار إلى دوره المحيطي عبر تصدير المواد الخام إلى المركز وكعلاقة بالمركز، كما أشرنا أعلاه.

لقد أوضح تفكك الاتحاد السوفييتي ومختلف البلدان الأخرى في الكتلة الشرقية أن من قرر لم تكن السلطة السياسية بل الشارع الذي لم يكسبه النظام.

ليس المهم اليوم إن كانت روسيا والصين أقل انخراطا في النظام الرأسمالي العالمي، أو ليستا تابعتين، ولكن النظم هناك هي رأسمالية رغم وجود دور دولاني في الاقتصاد. لكن ما يهمنا أنهما غادرتا فك الارتباط من جهة، وبأن البريكس لا تشكل خروجا من النظام الرأسمالي العالمي بل تشكل حالة منافسة على قيادته، أي محاولة انخراط من موقع قيادي. ولعل ما يدعم زعمنا هذا حفاظ الصين على علاقاتها الاقتصادية بالولايات المتحدة ودفاعها عن “حرية التجارة” مقابل الهجمة الحمائية الأمريكية.

في ما يخص الصين رأى أمين، وتقريباً بقي على توقعه، أن “الصين لن تندمج في النظام الرأسمالي العالمي مما يهدد نقاء تطورها المستقل”. والحقيقة هذا هو الملعب الذي تلعب فيه الصين، أي بين مقتضيات تطورها بأسسه الماوية وبين التوجهات الاندماجية التي أسسها دينغ هيساو بينغ.

أما عن أوروبا الشرقية، فقد طرح أمين، “… وبالمقابل، فإن بلدان اوروبا الشرقية ربما، إن سمحت الظروف “أن تعبر إلى الغرب”. لكن الخطر يمكن تقليله إلى مستوى ما بحيث أن هامشا من الاستقلال الذاتي (هنغاريا ويوغسلافيا) سيسمح لها بشكل متواشج متزامن مع قبول تغيرات اجتماعية داخلية”[31].

لم يكن تفاؤل أمين في محله تجاه هذه الدول. فقد ذهبت المجر، بل والبقية، إلى أبعد من تفاؤله. والمفارقة أن آخر من صمد كانت يوغسلافيا التي كانت مرشحة منه ومن كثيرين بأنها أول من تلتحق حيث استلزم إنجاز إلحاقها حرب حلف الأطلسي ضدها 1998[32].

ما بعد الكتاب:

أقصد هنا ما بعد صدور كتاب أمين “فك الارتباط”.

كتب عزام محجوب، 1990:

“…أعلنت عشرون من بين خمسين دولة أفريقية في وقت ما نيتها بدرجة أو بأخرى من الراديكالية، القطع مع الماضي الاستعماري والاستعماري الجديد وأن تتبنى مدخلا جذريا لتنمية اشتراكية مستقلة… في معظم، إن لم نقل جميع، هذه الحالات لعب الجيش دورا مهما في التبدل السياسي قيد النقاش… لكن لا هدف التحرر الاقتصادي من التبعية للنظام الرأسمالي العالمي قد أكمل التحرر السياسي ولا بناء مجتمع جديد في تضاد حاد مع العالم الرأسمالي يبدو قد تقدم بما يكفي للوصول إلى نقطة اللاعودة. … وعليه، فإن تطور المحيط تورط في إعادة هيكلة متواصلة، لصالح متطلبات وقيود رأس المال المهيمن. لقد أعيدت بنية المراكز restructured وتمت هيكلة adjustedالمحيط بناء على إعادة بنية المراكز. ولم يحصل العكس … الذين استسهلوا الهيكلة انتهوا إما بالوقوع في شرك المديونية بناء على وصفات البنك والصندوق، وهي حالة الأمم المصنعة حديثا، أو تحولوا بقصد أو بلا قصد إلى عالم رابع فك الارتباط حيث أُخرجوا من النظام… وهذا جعل إعادة الكمبردرة هي النظام السائد اليوم”[33].

يتقاطع هذا مع جزء من تحليل وولرشتين بوجود أو تبلور بلدان شبه مركزية شبه محيطية، ومع التحليل القائل بعالم رابع، خارج التاريخ.

ويندرج هذا الطرح في خانة انتصار رأس المال على العمل مع تأكيده بأن أشباه المراكز لم تنتقل إلى مراكز. ربما يؤكد هذا أزمة 1997 في كوريا الجنوبية حيث قامت مصارف المركز بـ “تكويش/نهب” ثروتها. وهذا ما جعل مهمة فك الارتباط أشد صعوبة مع اتساع الارتباط/الاندماج جغرافياً. وإذا كان الاندماج الذي أشار إليه محجوب هو إعادة اندماج أفريقيا، فإن إعادة اندماج أوروبا الشرقية هو الأكثر مفارقة وغرابة لأن المجموعة الثانية كانت قد عاشت درجة عالية من فك الارتباط، والتي لم تعشها المجموعة الأولى. والمُفزع أن إعادة الاندماج أخذت طابع الإذلال بتحويل معظم تلك البلدان إلى مخلب قط للإمبريالية أو مراكز تدريب لـ “الثورات” البرتقالية أو مستودعات تصدير لفراشات الليل وقوة العمل الرخيصة، ناهيك عن تحولها إلى سوق لمنتجات الغرب الرأسمالي.

يقول محجوب، أن فك الارتباط ليس هو القطيعة بل هو إخضاع/إلحاق العلاقات الخارجية لصالح منطق التنمية المحلية…إنه رفض الخضوع لقانون القيمة المعولم. (محجوب). إن توزيع الدخل هو أقل مساواة في المحيط منه في المركز وهذا يجعل المركز أكثر استقراراً[34].

وهذا القول الصحيح يفتح على تساؤلات هامة بمعنى أن التناقض الطبقي أشد في المحيط ومع ذلك الوعي الطبقي أعمق في المركز! فهل التناقض بحد ذاته لا يخلق وعياً طبقياً سياسياً؟ وبالتالي لا يخلق حالة ثورية؟ أم يخلق وعيا طبقياً انتهازيا مصلحيا في الغرب على مستوى مختلف الطبقات، اللهم إلا من رحمه وعيه الجذري.

لكن أمين يرى أيضاً أن الطبقات الشعبية في المحيط متناقضة مع رأس المال، إلا أن تَفتُّت مصالحها كطبقات شعبية لا يجعل مهمة التصدي سهلة. ويرى أن ما يرتق الفجوة ليس البرجوازية الصغيرة كطبقة مشوشة، ولا الحزب الواحد الذي تولد عبر التحرير؛ بل هو وجود المثقفين الثوريين العضويين كتعبير عن مختلف الطبقات الاجتماعية. ولكن، لمزيد من المفارقة، فإن الطبقة العاملة في المركز مفككة أيضاً[35].

يقع أمين هنا في برزخ التناقض في الدور بين السلطة السياسية للحزب والقوة الثقافية للمثقف الثوري العضوي، وحتى المثقف المشتبك[36] ويفتح على ماهية القوة الثورية المطلوبة لفك الارتباط بل وللإشتراكية (انظر لاحقاً). هل هي الحزب القاعدي، القشرة الثقافية؟. فالمثقف المشتبك هو ميداني طبعاً، ولكنه ليس القوة الشعبية للتغيير. فكيف حين تتم مواجهته عبر الدور الإجهاضي الذي يقوم به الطابور السادس الثقافي؟.

دور الدولة:

في مرحلة ما، يكون فك الارتباط مشروعاً قومياً، وهذا مقبول في مرحلة بناء أمة (nation-Building) بارتكازه على:1- إعطاء أولوية للتصنيع وإنتاج الأساسيات وتوزيع الموارد، 2- جعل الدولة المحرك الأساس للحياة الاقتصادية. لكن، رغم دور الدولة وامتلاكها القطاع العام إلا أنها إذا 1- بقيت منخرطة في تكنولوجيا أجنبية 2- وتطبق سياسة أسعار ومداخيل تعمل ضد نمو كفاءة القطاع الزراعي وتقلل من قيمة العمل في الارض و 3- تعتمد سياسة تمويل التصنيع بالاعتماد على الاقتراض الأجنبي، فهي لن تنجز فك الارتباط بل التكيُّف وتبني الحل اللبرالي بتحرير التجارة، أي تدفق رأس المال والسلع وحراكهما المرن وليس حرية حراك العمل، أي حماية المركز وانفتاح المحيط، ورغم ذلك الحلم باللحاق بدل اعتماد سياسة خدمة مقتضيات الاقتصاد المحلي وهذا في الحالة الرسمية منوط بالدولة.

لقد رافق مفهوم فك الارتباط كثير من الخلط منذ التجربة السوفييتية وخاصة الخلط بين التنمية وفك الارتباط. على اعتبار أن التنمية تقود بالضرورة إلى فك الارتباط. فقد رأى المناشفة أن فك الارتباط يغدو مناسباً بحيث يأتي بعد استنزاف المجتمع لمنطق الرأسمالية فالانتقال إلى مرحلة أعلى من الحضارة[37].

والخلط نفسه في الاعتقاد بأن هدف النشاط الاقتصادي هو الاستغلال الكامل للمصادر البشرية والطبيعية، ولذا يعتبرون استخدام المجتمع لهما بمثابة فك ارتباط مع التخلف وعدم التنمية، مع أن هذا درجة أقل من التبعية وبالتالي لا تعني فك الارتباط.

والأمر نفسه في ما يخص الاعتماد على الذات كسياسة تقوم على تحكم البلد بـ 1- المصادر الطبيعية، 2- تحريك واستخدام الفوائض الاقتصادية الناتج عن استغلال المصادر الطبيعية و 3- قاعدة تكنولوجية. بينما فك الارتباط يعني: مصادرة رأس المال الاجنبي، تأميم الصناعات والأنشطة التجارية التي في يد الكمبرادور، وكسر روابط التبعية المالية والنقدية والتجارية.

يبقى السؤال، كما سنرى أدناه هو: هل الدولة/السلطة ناقل موثوق لفك الارتباط والانتقال إلى الاشتراكية؟ هذاما لم يحسمه أمين.

قضايا للنقاش:

يأخذك هذا المصطلح فوراً إلى سؤال حاسم: هل مضمون فك الارتباط مضمون طبقي؟ أم مضمون شعبوي وتحديداً قومي؟ أم هو في “ألما بين”؟

قد يخدم في التوضيح القول أن فك الارتباط جوهريا ليست وجهته فقط ضد السوق الرأسمالية العالمية، بل هو في جوهره ضد الطبقات التابعة للمركز، وإن كان الصراع معها ليس معلنا وليس نقطة البدء. ورغم أن اتخاذ قرار الفك هذا منوط بالسلطة/الدولة، إلا أنه يفترض ويتطلب ويقود إلى صراع طبقي مع الطبقات التي تنخرط مصالحها في النظام الرأسمالي العالمي. ومع ذلك يبقى السؤال مشروعا بمعنى: هل يبدأ فك الارتباط قومياً في مرحلة ما، وإن صح ذلك هل يبقى قوميا أم له تحولاته الطبقية؟

فك الارتباط، السيادة، وحكم الشركات

يبدأ فك الارتباط، حسب أمين، قوميا دولانياً مما يشترط وجود سلطة قومية وتنموية التوجه. وهذا أمر يزداد صعوبة في حقبة العولمة حيث يتم تجاوز السيادة، وخاصة في بلدان المحيط، لصالح “تحرير التجارة الدولية” الذي جوهره حراك رأس المال والمنتجات بحرية مخترقة حدود الدول دون حرية حراك قوة العمل. وحراك رأس المال والسلع يعني حراك الشركات محمية بقرار دولة/دول المركز.

وعليه، فإن تمييع السيادة الوطنية هو ذهاب في الاتجاه المضاد لفك الارتباط لأنه يتضمن وجود سلطات تابعة ومتخارجة مما ينفي نقطة انطلاق هذه الاستراتيجية.

إذا صح أن حقبة العولمة ابتدأت مع الثلث الأخير من القرن العشرين، وهي حقبة أتت مع، أو أتت بِـ تراجع دور الدولة أو اندغام دورها في دور الشركات، ولكن دون أن تفقد الدولة في المركز سيادتها عولمياً، أي أن فقدان السيادة أمر:

  • يتناسب طردياً مع ضعف الدولة
  • تبنّي السياسات الليبرالية الجديدة وخاصة الخصخصة
  • تفكك الكتلة الاشتراكية
  • توسع دوافع الاندماج/الإنخراط في السوق العالمية
  • موجة القومية الثالثة.

نجد أن هذه التطورات قد خلقت مناخاً أشد مجافاة لفك الارتباط، لا سيما وأن الدولة وجيشها أصبحا بشكل خاص أداة رأس المال في سلسلة حروب جديدة ضد دول المحيط، وبأن الحرب الباردة قد تحولت إلى حرب ساخنة وخاصة ضد الجمهوريات العربية[38].

نصل من هذا إلى حالة من التناقض الحاد بين:

  • الضرورة القصوى لبلدانٍ لفك الارتباط في هذه المرحلة يقابلها استشراس المركز في العدوان لتثبيت تغوُّل قوانين السوق لصالح مقتضيات المركز الرأسمالي، بل لصالح الشركات التي ينتشر إنتاج قِطَعها على صعيد معولم مما يجعل فك الارتباط عالي الكلفة وخاصة مع التطور التكنولوجي[39].

فك الارتباط والتراخي والريع

صحيح أن تفكك كتلة الاشتراكية المحققة نقل الحرب الباردة إلى الساخنة ومنح رأس المال فرصة التوسع جفرافياً من جهة وطبقيا اجتماعيا اقتصاديا وإيديولوجيا من جهة ثانية. فقد راجت أقاويل نهاية الإيديولوجيا رغم تسوُّد إيديولوجيا السوق، الشكل الحقيقي للتوتاليتارية. ولكن تبعت ذلك أزمة اقتصادية عميقة وممتدة في المركز ومن ثم في العالم ككل منذ عام 2007. ولعل أهم مفاعيل هذه الأزمة هو تراخي قبضة الإمبريالية، لا سيما عجز الولايات المتحدة عن العدوان المباشر بعد خسائرها الاقتصادية والبشرية والمعنوية في العراق إثر احتلاله عام 2003 [40]، ولجوؤها إلى أشكال جديدة من الحروب:

  • حرب تحالف الثورة المضادة بإنابة إرهاب أنظمة وقوى الدين السياسي عن الإمبريالية والصهيونية.
  • الحرب التجارية في عهد ترامب.

وهذه نتاج تحالف غير متوازٍ بين الرأسماليات الغربية في المركز والرأسماليات الكمبرادورية في المحيط وتحريكهما لقوى الإرهاب المعولم ضد الأمم من جهة، وتصيير العالم بمثابة قطاع رأسمالي عام معولم لصالح هذا التحالف الطبقي.

والمألوف عالمياً، أن غياب مركز مهيمن، يفسح المجال لدرجة من فك الارتباط أو الانطلاق، حال اليابان في عهد آل ميجي، كما قاد تراخي قبضة الإمبريالية ما بين الحربين الإمبرياليتين إلى نمو مقبول في المكسيك، تشيلي، البرازيل والارجنتين. وتمكنت بعض البلدان من البدء بتصنيع وتحقيق درجة أولية من فك الارتباط بسبب علاقتها بالإتحاد السوفييتي كحال مصر الناصرية.

كل هذه التجارب تفتح على مسألةٍ أساس وهي أن التنمية بمعناها العام مشروطة بوجود قرار سياسي سيادي للدولة المعنية. وهو شرط سابق على توفر السيولة المالية من حيث الأهمية.

نجد الأمر معكوساً في بلدان الخليج المعتمدة على الريع، بمعنى غياب القرار السياسي السيادي في التنمية فما بالك بفك الارتباط، هذا على الرغم من توفر السيولة المالية/الفائض مما حال دون استثمار لحظة التراخي الإمبريالي هذه والتي ترافق معها صعود قطبيات أخرى قللت من فرص الغزو الإمبريالي بشكل عام.

بل ذهبت هذه الأنظمة إلى انخراط أكثر تبعية في النظام العالمي حيث وضعت مختلف مقدراتها في خدمة مقتضيات العدوان الإمبريالي وليس فقط مقتضيات الوضع الاقتصادي الداخلي لبلدان المركز. بكلام آخر، وضعت كل شيء في خدمة الثورة المضادة التي تعمل على صعيد معولم حيث تم تسخير الريع المتحصل لديها في خدمة منظمات الإرهاب المعولمة (القاعدة، داعش، النصرة ، خراسان، بوكو حرام…إلخ) بينما في السعودية مثلا تصل نسبة الفقر إلى أربعين بالمئة والبطالة 13 بالمئة.

وترافق مع هذا التورط لبلدان الخليج تأثيرها على بلدان العجز العربية مثل مصر والمغرب. فمنذ بداية حكم أنور السادات تبلور توجه النظام في مصر باتجاه الدين السياسي متحالفا مع قوى الدين السياسي ومع الرأسمالية الطفيلية والكمبرادورية، ما قوَّض الاستقلالية الاقتصادية والسياسية لمصر عبر الانفتاح الاقتصادي ووضع أوراق المنطقة في يد الإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني. وامتدت هذه السياسة طوال فترة حكم حسني مبارك. ورغم انقلاب عبد الفتاح السيسي على نظام الدين السياسي لمحمد مرسي، إلا أنه حافظ تماما على مسيرة التبعية والقمع والتطبيع مع الكيان الصهيوني التي مارسها السادات، وراوح في التبعية السياسية بين أنظمة الريع، السعودية، والإمارات باتجاهاتها السلفية الوهابية.

فك الارتباط و الموجة القومية الثالثة

إذا كانت الموجة القومية الأولى في أوروبا القرن التاسع عشر على يد البرجوازية ارتكازاً على الثورة الصناعية، وإن حاولت المركزانية الأوروبية الزعم أن تلك الموجة هي عالمية وليست أوروبية حصراً، والموجة القومية الثانية هي في بلدان المحيط في منتصف القرن العشرين على يد حركات التحرر الوطني، والتي كما أشار محجوب كانت باتجاه فك الارتباط مع النظام الرأسمالي العالمي، فإن موجة القومية الثالثة كتصنيع إمبريالي في حقبة العولمة عبر تحالفها مع تابعتها الرأسمالية الكمبرادورية في المحيط، وبالتالي فهي توسيع جغرافي للتبعية وإضعاف للدولة القومية وتوسع لنظام السوق وخدمة لمقتضيات اقتصاد المراكز على حساب المحيط وبالطبع في تناقض معيق لفك الارتباط.

نلاحظ هنا جملة مفارقات، ففي حين تعجز الإمبريالية الأمريكية عن شن حروب عسكرية جديدة تشن حروبا بالإنابة وأخرى تجارية. وبدل أن تقوم أنظمة الريع بانتهاز فرصة تراجع القدرة العدوانية الأمريكية خاصة، فإنها تذهب باتجاه تقديم صناديقها السيادية لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي ناهيك عن تصدّرها للحرب الإرهابية. وهذا يطرح السؤال الأهم: إن فك الارتباط يقتضي تقويض أنظمة سياسية بأكملها ويؤكد ضرورة الدولة /السلطة الوطنية والقرار السياسي السيادي.

بين النظرية والأداة:

تكمن مشكلة أمين في تردده في تحديد حاسم للأداة الثورية التي تلائم أطروحته الثورية. فالموقف النظري القطعي يقتضي أداة ثورية قطعية وحاسمة للتبلور البنيوي الطبقي والوعي الموقف.

وردت في إحدى أواخر أوراقه في ما يخص فك الارتباط صيغة المشروع السيادي الشعبي[41]:Sovereign Popular Project، إضافة إلى اعتماده الأمة بقوله:

“تبقى الدولة القومية (دولة الأمة) هي فقط إطار التنمية للنضال الحاسم والذي في النهاية يحوِّل العالم”

لذا أنهى ورقته بعدم تحديد أو تسمية الأداة القائدة حيث بقي مكتفياً بـ “المشروع السيادي الشعبي” دونما توضيح للقاعدة الطبقية والأداة الحزبية الطبقية، وهو ما ناقشته في قراءتي لورقة أمين هذه[42]والمرتكزة على ما ورد في كتابي “أبعد من فك الارتباط[43]” وأطروحتي في بردايم التنمية بالحماية الشعبية.

صحيح أن المشروع السيادي الشعبي يحمل سمات اقتراب أمين من الماوية، ولكن تجربة الصين نفسها أثبتت أن التحالف، وهو ضروري عموما وخاصة في مشروع فك الارتباط بما هو تحول مجتمعي شامل، إلا أنه يشترط تجاوز إشكالية الحزب الماوي الذي تحول إلى ملجأ لأصحاب الطريق الرأسمالي “طرائقيو رأس المال (Capitalist Roaders) عبر اندغام الدولة/الحزب مما استدعى الثورة الثقافية داخل البلد والحزب نفسه مثلا شعار ما “استهدِفوا قيادة الحزب” Target the Headquarter. أضف إلى أن أمين لم يتخلص من ترسبات مدرسة التبعية (Dependency School) الدولانية أي دور الدولة/السلطة لتجسيد مشروعه حيث حكم/قيَّد نفسه بمسألة “الدولة القومية” كما أشرنا أعلاه أي لنقل سلطة الدولة، وهو ما أثبتته تجارب بلدان الاشتراكية المحققة التي تحولت فيها السلطة الحزبية إلى جهاز بيروقراطي (نخبة النومنكلاتورا) التي انتهت إلى قشرة معزولة عن الطبقة والمجتمع فكان تغييرها بمثابة عملية كشط سهلة بغض النظر عن مآلاتها كجزء من الانتصار المهزوم للثورة المضادة.

تقتضي قراءة النظرية والواقع توليد شيء ما جديد يشترط الكثير وخاصة:

  • أن تتولد عن هذا التحالف حركة منظمة ميدانية فكرية مقاتلة
  • وتوليدها شعبيا يعني خضوعها دائما للقرار الطبقي الشعبي الذي يحدد إطار عملها العام ويحاسبها ضمن دورات زمنية محددة، ويضيف أو يُسقط عضوية بعضها ضمن انتخابات شاملة كما ابتكرت تجربة كميونة باريس.

أختم بالقول إن مسألة الأداة الثورية، طبيعة هذه الأداة هي مسألة جدال لم يصل إلى بلورة معقولة ولو نسبياً. ولعل من أفضل من حاول حلها أو المساهمة فيها الفيلسوف الفرنسي آلان باديو الذي في كتابه (The Communist Hypothesis) وهو عبارة عن دراسة تناولت كميونة باريس، والثورة الثقافية وثورة 68 الطلابية/العمالية حيث رفض الحزبية على النمط الستاليني وتجاوز كذلك الحزب بمفهومه اللينيني، وحاول اعتماد موقف ما في تجاوز الحزب وضرب قلعة قيادته معتمدا على الشعب بما في المصطلح من عمومية. وبهذا ترك باديو الحصان بدون الفارس.

أكرر مجدداً أهمية الشرطين أعلاه:

  • أن تتولد عن هذا التحالف حركة منظمة ميدانية فكرية مقاتلة
  • وتوليدها شعبيا يعني خضوعها دائما للقرار الطبقي الشعبي الذي يحدد إطار عملها العام ويحاسبها ضمن دورات زمنية محددة، ويضيف أو يُسقط عضوية بعضها ضمن انتخابات شاملة (تجربة الكميونة).

وهو ما حاولته في كلٍّ من أطروحتي “التنمية بالحماية الشعبية” ولاحقا كتابي”Beyond Delinking” وقد أتمكن من المساهمة في هذه المسألة المفتوحة في كتابي القادم “هزائم منتصرة وانتصارات مهزومة”.

هنا نستدعي سمير أمين مجددا. لا بد من فك الارتباط مع السوق العالمية ورفض مقتضياتها لصالح مقتضيات التطور الذاتي لبلدان المحيط، سواء تجاه الغرب أو الشرق وكلتاهما رأسماليات وإن ببعض الاختلافات. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، لا بد من التحول للتبادل مع الكتلة الجديدة المنافسة للغرب الرأسمالي ولكن بحمائية شعبية واضحة من نمط كميوني أو نمط الانتفاضة الفلسطينية لعام 1987 وبدون انخراط تابع. وهنا تحديداً يكون الانتقال من فك الارتباط إلى الاشتراكية هو التأكيد على دور العالم الثالث/ في الثورة في هذه المرحلة حيث تقويض النظام الرأسمالي العالمي من أطرافه وصولا إلى المركز. وهنا أيضاً يمكن للتناقض أن يكون مع روسيا والصين أيضاً سواء تفوقتا على الغرب الرأسمالي أم لا.

قد يُقال أن الصين وحتى روسيا الحاليتين ذاهبتان باتجاه تجاوز الرأسمالية إلى الاشتراكية، وهناك من يقول أنهما منذ الآن إمبرياليتان. هذا ما يحسمه:

  • الصراع الاجتماعي الطبقي فيهما بمعنى: هل يتم الاكتفاء بالحلول محل المركز القائم، أي هزيمته بالانخراط، أم تتمكن القوى الثورية والطبقات الشعبية من الوصول للسطة ومواصلة فك الارتباط وصولا إلى الاشتراكية.
  • ومدى ثورية تجارب فك الارتباط في المحيط.

[1] See Adel Samara, Beyond De-linking: Development by Popular Protection vs. Development by State, especially Chapter Seven, Beyond Delinking, p.p. 159-171. Published by: Al-Mashriq Al-A’amil for Cultural and development Studies, Ramallah and Palestine Research and Publishing Foundation, Glendale, CA. 2005.

[2] Amin S. Beyond US Hegemony? Assessing the Prospects for a Multipolar World, Zed Books, 2006, p. 27

[3] أنظر عادل سمارة، تطوير اللاتكافؤ في الوطن العربي، مجلة المستقبل العربي، العدد 197، تموز 1995، ص ص 16-27.

[4] Amin Delinking: Towards a Polycentric World, zed books, 1985.p.91

[5] Warren Bill, Imperialism Pioneering of Capitalism, Verso, 1980. P. 178. See also Chapter 8. The Illusion of Underdevelopment: Facts of-Post War Progress, in the same book.

[6] Amin Delinking: Towards a Polycentric World, zed books, 1985.p.75

[7] Tamas Szentes, The Transformation of the World Economy: New Directions and New Interests, Zed Books, 1986. P.74

[8] See, Kay. Jeffry, 1975, Development and Underdevelopment: A Marxist Analysis. London Macmillan, New York: St Martins.

[9] Amin Delinking: Towards a Polycentric World, zed books, 1985, P. 60

[10] Amin Delinking: Towards a Polycentric World, zed books, 1985P.13.

[11] Amin Delinking: Towards a Polycentric World, zed books, 1985.p.18

[12] لا تقوم مشكلة البشرية تاريخيا على الأساس الاستحواذي الاستغلالي الذي كرسته الملكية الخاصة بما هي سلاح طبقي وهزيمة طبقة لأخريات، بل كذلك على المفعول والمحفِّز الننفسي للربجوازي الذي يتعالى بما يملك وبما ليس جوهره كشخص وهذا يدفعه للتمسك بالملكية الخاصة بناء على تغذية متبادلة بين البحث عن الربح اللامحدود وتوظظيف ذلك في رفع مكانته الاجتماعية فالسياسية

[13] هذه المدرسة القريبة من الماوية هي التي اعتبر نفسي قريبا منها واستفدت منها كثيرا، لكنني لست ضمنها

Kana’an – The e-Bulletin [14] ، السنة الثامنة عشر – العدد 4724، 28 آذار (مارس)، 2018.

[15] Amin Delinking: Towards a Polycentric World, zed books, 1985.p.35.

[16] أنظر عادل سماره، دفاعاً عن دولة الوحدة: إفلاس الدولة ال قطر ية. رد على محمد جابر الانصاري.منشوات دار الكنوز الادبية، بيروت 2003. ومركز المشرق/العامل 2004

[17]Amin Delinking: Towards a Polycentric World, zed books, 1985.p.52

[18] Amin Delinking: Towards a Polycentric World, zed books, 1985.p.12

[19] Marx Engels, The Communist Manifestos. Ed. By Samuel J. Beer Appleton-Century-Crofts, Inc. New York. 1955. P. 21.

[20] Ibid. p. 29

[21] أنظر عادل سمارة، دفاعا عن دولة الوحدة، مصدر سبق ذكره

[22] The Communist Manifesto: the First Unforged Edition, ed. by Lafif Lakhdar. Galileo Publications, Jerusalem, 1976, p. 108.

[23]http://monthlyreview.org/2016/10/01/the-kurdish-question-then-and-now/.

[24] من المفارقة بمكان أن الفلسطينيين والعرب غارقون في جدل وجوب أو عدم المقاطعة ورفض التطبيع مع العدو الصهيوني حتى اليوم، بينما قررت الحركة الصهيونية مقاطعة المنتجات الفلسطينية قبل قرن كامل، أنظر كتاب: “The Other Israel”, A Critique of Zionist History and Policy, By the Israeli Socialist Organization (MATZPEN)

[25] See Adel samara, The USSR: From Revolution to Collapse. An Essay on the Soviet ExperienceThis paper has been presented in the International Communist Seminar in Brussels, May 1995, sponsored by the Workers Party of Belgium. In 1998, it was published in a book: The Collapse of the Soviet Union: Causes and Lessons. The book contains 18 articles from communist thinkers and militants from all over the world

[26] Amin Delinking: Towards a Polycentric World, zed books, 1985.p.161

[27] https://www.youtube.com/watch?v=12NOJSWGsWI

[28] أنظر عادل سمارة: Beyond Delinking (ما بعد فك الارتباط)، مصدر سبق ذكره

[29] Samir Amin, Preface in: Azam Mahjoub, Adjustment or Delinking: The African Experience, Studies in African Political Economy, Zed Books, 1990

[30] ومن بينهم زوجته. وللطرافة كانت من إدانات يمين الحزب ضد ماو أنه تزوج مطلَّقة! انظر كتابنا القادم “هزائم منتصرة وانتصارات مهزومة”

[31] Amin Delinking: Towards a Polycentric World, zed books, 1985.p.55

[32] من الطرافة بمكان أن كثيرين من مثقفي الطابور السادس العرب الذين أيدوا العدوان الأمريكي ضد العراق 1991 و 2003 وضد سوريا وليبيا قد باركوا العدوان على يوغسلافيا! لعل هذا التيار معولمٌ.

[33] Samir Amin, Preface in: Azam Mahjoub, Adjustment or Delinking: The African Experience, Studies in African Political Economy, Zed Books, 1990

[34] يرتد هذا الاستقرار إلى حد كبير إلى تحويل الفائض من المحيط إلى المركز، أي رشوة الطبقات الشعبية في المركز، وقبولها تلك الرشوة على حساب الأمم الأخرى، وهذا يفتح على وجوب نقد انتهازية إطراء المجتمع المدني الذي يقبل بأن يقوم أبناؤه بنهب الأمم الأخرى كي يعيش بشكل مرفه!

[35] عادل سمارة، وباء العولمة

[36] المشتبك

[37] ص. 106، من محجوب

[38] أثناء غزو الكويت والعراق، بعد أن حرر العراق الكويت، أرسلت شركات السلاح الأمريكية خبراء ليشهدوا على الأرض على فعالية السلاح الأمريكي. أما من حيث المشاركة في العدوان، فقد شاركت ثلاث وثلاثون دولة بين مشاركة فعلية ورمزية، بينما دفعت اليابان ، التي لا ينص دستورها على إرسال جيشها خارج البلاد، 18 مليار دولار فرضتها عليها الولايات المتحدة لتغطية نفقات العدوان.

[39] في ما يخص تشريك قطع الصناعات وخاصة المتطورة، كتب أركادي سافيتسكي مقالاً في موقع«Strategic-culture» بعنوان: «إنّه الاقتصاد أيها الأحمق يفصل فيه القرارات الأمريكية للضغط على صناعات روسية، تهدف الولايات المتحدة من ذلك إلى إعاقة تطوير صناعة الطائرات الروسية التي باتت تجذب العالم وخاصة «MC-21» الفريدة من نوعها في العالم. فالمواد المنتجة روسياً تجعل من الطائرة أخف وزناً وأرخص ثمناً، ولهذا قد يشكل حظر الألياف الكربونية والأغلفة مشكلة لإنهاء المشروع وتطويره، ووزارة الخارجية الأمريكية تعرف ذلك تماماً ولهذا ضربت هنا.

والمحرّك يشكّل مشكلة هو الآخر، فهو الأوّل الذي يبنى في روسيا 100% منذ انهيار الاتحاد السوفييتي والذي سيستبدل المحرّك الذي تستخدمه طائرات «MC-21» حتّى الآن من إنتاج شركة «Pratt & Whitney» الأمريكية. وتكمن نقطة الضعف الروسية في هذا السياق إلكترونيات الطيران «Avionics»المتخلفة. فرغم أنّ التطوير قائم ولكنّه لا يزال ضعيفاً، ولاتزال روسيا تعتمد هنا على الشركات الأمريكية والبريطانية والفرنسية العملاقة. أما مدينة نيوم السعودية المعولمة فتشكل نموذجاً لتشريكٍ لا يمكن فكه، بغض النظر عن تطورات المشروع بعد أزمة تقطيع أوصال الصحفي السعودي خاشقجي.

[40] يعود بقاء سيطرة الولايات المتحدة على العراق بعد السحب المزعوم لجيشها إلى خيانة ائتلاف الطبقة الطائفية الحاكمة في العراق وليس إلى قدرة الولايات المتحدة على البقاء، كما يعود إلى تصنيعها للإرهاب.

[41] “The Sovereign Popular Project; The Alternative to Liberal Globalization in Labor and Society” Published in the Journal of Labor and Society (Volume 20, Issue 1 March 2017 Pages 7–22, URL: http://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1111/wusa.12276/full

[42] https://kanaanonline.org/en/2017/08/14/amin-bets-on-the-state-for-development-great-goal-but-blunt-tool-by-adel-samara/

[43] Beyond De-linking: Development by Popular Projection vs. Development by State, 2005