الى المعلم الكبير حسقيل قوجمان مع التحية (الجزء الرابع)

382a53db-b747-4ad8-b1e3-5b818095dc3b

الجزء الثالث والاخير من رد الراحل الكبير حسقيل قوجمان على مقالتي المعنونة (الى المعلم الكبير حسقيل قوجمان مع التحية ) وقد نشر الراحل الكبير مقالاته تحت عنوان (نقاش مع عبد الحسن حسين يوسف
………………………………………………….

حسقيل قوجمان ..نقاش مع عبد الحسن حسين يوسف (الثالثة والاخيرة ) الحوار المتمدن
العدد 2594|23|3|2009
نتقل الان الى نقاش الاخ عبد الحسن حول معنى السيادة ومطالبته من الرواد “تحليلاً اقتصادياً وسياسياً لأسباب الاحتلال ومشروعاً متكاملاً لبناء عراق علماني اشتراكي يكون مناراً لدول المنطقة لا شعارات لا تجدي نفعاً ومطالب يطلبون منا تحقيقها وهم بعيدون عن ارض الواقع” هل المقاومة عزيزي عبد الحسن هي احد الشعارات التي لا تجدي نفعا واحد المطالب الي نطلب منكم تحقيقها ونحن بعيدون عن ارض الواقع؟ وهل باستطاعة اية قوة وطنية ان تحقق مشروعاً متكاملاً لبناء عراق علماني اشتراكي يكون مناراً لدول المنطقة بوجود الاحتلال؟ اعود ثانية الى موضوع المشروع المتكامل لبناء عراق علماني اشتراكي عند مناقشة موضوع المقاومة ادناه.
انتقل الى موضوع المقاومة اهم موضوع يجابه الشعب العراقي جراء الاحتلال. فقد اكدت في رسالتي ان دعم المقاومة يعني ايواء المقاومين واسنادهم واخفاءهم وتزويدهم بالطعام وبكل الحاجات التي يستطيعون تقديمها للمقاومة وبرفع مثل هذا الشعار تكون لجنة التنسيق مختلفة عن المنظمات القائمة مما يجعل الجمهور يتقدم اليها وليس الى المنظمات الاخرى.
ولكن رأي الاخ عبد الحسن يختلف عن ذلك اذ يقول: “هل يريد منا المعلم قوجمان إن ندعم المقاومة أية مقاومة لا لشيء إلا لأنها تقاتل الاحتلال هل يريد منا المعلم إن ندعم القاعدة التي تقاوم الأمريكان من اجل بناء نظام ظلامي أكثر ظلماً من الاحتلال أو مع بقايا البعث الذي يقاتل من اجل فردوس مفقود ونأويهم في بيوتنا التي لم يحترموها وهم في السلطة”
اولا ان ادخال القاعدة ضمن مقاومة الاحتلال لا اساس له من الصحة لان القاعدة ليست من الشعب العراقي ولم تقاتل الاحتلال وانما الاحتلال هو الذي جاء بالقاعدة التي لم يكن لها وجود في العراق قبل الاحتلال لغرض تمزيق وتقتيل الشعب العراقي وفقا لسياسة فرق تسد. ولكن بقية العبارة والمساءلة مهمة جدا وتحتوي على الكثير من التساؤلات التي ينبغي الاجابة عليها اجابة علمية.
فالاجابة على سؤال الاخ عبد الحسن “هل يريد منا المعلم قوجمان إن ندعم المقاومة أية مقاومة لا لشيء إلا لأنها تقاتل الاحتلال” فجوابي على هذا السؤال ايضا هو نعم. ان مقاومة الاحتلال واجب على الشعب العراقي كله بصرف النظر عن راي المقاومين السياسي والاقتصادي والفكري والاجتماعي. فاذا اراد عضو حزب البعث ان يقاوم الاحتلال مقاومة حقيقية فليس هناك من يستطيع او يحق له ان يمنعه عن ذلك. واذا شعر راسمالي عراقي بان من واجبه مقاومة الاحتلال حتى لان الاحتلال اضر بارباحه فليس هناك من يحق له منعه عن ذلك رغم ان هدفه من مقاومة الاحتلال قد يكون مخالفا لهدفنا منه. واذا كان اي من هؤلاء فعلا يقاوم الاحتلال فعلى كل عراقي مخلص وصادق في حب العراق والعمل على تحريره ان يساند هذا المقاوم لانه يقاوم الاحتلال. ولا يجوز لاحد ان يربط دعم المقاومة بمستقبل السلطة التي تاتي بعد التحرر من الاحتلال. ان عبد الحسن على حق في خشيته من ان تأتي سلطة غير علمانية وغير اشتراكية بعد التحرير. ولكن هذا لا يجب ان يكون عائقا عن مساعدة المقاوم اذا كان يقاوم الاحتلال فعلا. ليست هناك مقاومة شريفة ومقاومة غير شريفة وانما توجد مقاومة ويوجد تخريب وارهاب. كذلك لا يجوز ربط السياسة السابقة للاحتلال بسياسة المقاومة اثناء الاحتلال. ليس هناك من ينكر ان حكومة البعث كانت دكتاتورية مدمرة لكل حركة وطنية ثورية حقيقية وكانت عاملا اساسيا في جلب الاحتلال. ولكن اذا كان انسان من اعضاء حزب البعث سابقا يشعر ان من واجبه مقاومة الاحتلال وتحرير العراق من الاحتلال فلا يمكن معارضته لمجرد انه كان بعثيا او ما زال بعثيا وانما يمكن دعمه وفي الوقت ذاته اقناعه بظلم سياسة حزب البعث سابقا. ان معاملة اعضاء البعث السابقين والحاليين وهم يحصون بمئات الالاف يجب ان تكون قضائية يحاكم فيها كل شخص عن جرائمه اذا كان قد اقترف جرائم بحق الشعب العراقي وهذا يصح ليس على اعضاء حزب البعث وحدهم بل على كل انسان اخر مهما كان انتماؤه الحزبي والديني والطائفي والقومي. فمن اقترف جرائم في حق الشعب العراقي يجب ان ينال جزاءه قضائيا ولكن لا يمكن اعتبار جميع اعضاء حزب البعث مجرمين في حق الشعب العراقي لمجرد انهم كانوا اعضاء في حزب البعث.
ان الاحتلال خلق اصطفافا طبقيا جديدا يختلف عن الاصطفاف الطبقي الذي كان قائما قبل الاحتلال. فقبل الاحتلال كان الاصطفاف الطبقي يعني ان الطبقة العاملة وحلفاءها ينبغي ان يتحدوا من اجل اسقاط نظام الحكم الراسمالي القائم ايا كان بعثيا ام غير بعثي وتحقيق نظام حكم اشتراكي. اما في ظل الاحتلال فان الاصطفاف الطبقي يعني وحدة جميع المناضلين ضد الاحتلال بصرف النظر عن انتمائهم الطبقي. وهذا يعني تاييد واسناد كل مقاوم للاحتلال بصرف النظر عن ماضيه ومستقبله. ان دراسة ماضي كل انسان هي قضية قضائية يعاقب عليها من اقترف جرائم بحق الشعب العراقي وليس اذا كان الشخص عضوا او مازال عضوا في حزب البعث او اي حزب اخر.
ليس بعيدا ان تكون السلطة التي تستولي على الحكم بعد التحرر من الاحتلال سلطة تستغل الشعب العراقي. واذا راجع الاخ عبد الحسن مقالاتي السابقة حول الموضوع يجد انني نبهت الى ذلك كثيرا وفي كل المقالات التي تناولت موضوع الاحتلال والمقاومة. ان القوة التي تنجح في تحرير العراق من الاحتلال هي القوة التي من حقها ان تقرر نوع الحكم الذي تقيمه بعد التحرر. وقد تكون الحكومة الناشئة بعد الاحتلال حكومة راسمالية مستغلة دينية او علمانية لان القوى التي مارست المقاومة كانت تمثلها. في هذه الحالة يتحول دور الماركسيين من مقاومة الاحتلال الى الصراع الطبقي ضد الحكم الراسمالي الناشئ كما هو الحال في اي حكم قائم في العالم والصراع الطبقي هو صراع دائم طالما وجدت طبقات مستغلة في المجتمع.
ان الجواب على هذا واضح ومجرب تاريخيا في جميع نشاطات مقاومة الاحتلال خلال الحرب العالمية الثانية. ان واجب الماركسيين هو ان يقودوا المقاومة لكي يستطيعوا التأثير الحاسم في نوع الحكم الذي ينشأ بعد التحرر من الاحتلال. جميع المقاومات التي حصلت خلال الحرب العالمية الثانية سواء في اوروبا او في اسيا كانت بقيادة الاحزاب الشيوعية. ولذلك كان للاحزاب الشيوعية دورها في تقرير النظام الذي نشأ بعد التحرر من الاحتلال.
في اوروبا الشرقية حازت الاحزاب الشيوعية على قيادة السلطة اذ لم تكن هناك قوة خارجية تعارض ذلك بل كانت السلطة السوفييتية عاملا مساعدا على ذلك فنشأ المعسكر الاشتراكي. ولكن الوضع في فرنسا مثلا اختلف عن ذلك. ان الذين قاوموا الاحتلال النازي في فرنسا كانوا تحت قيادة الحزب الشيوعي. وهذه المقاومة هي التي حررت فرنسا وحررت باريس وليس جيش ديغول الذي دخل فرنسا مع الولايات المتحدة وبريطانيا عند فتح الجبهة الثانية. ولهذا كان في الانتخابات التي جرت في فرنسا بعد التحرر نصف البرلمان من الحزب الشيوعي. وقد شاعت في حينه نكتة لا اعرف مقدار صدقها هي ان جاك دكلو رئيس الكتلة الشيوعية في البرلمان الفرنسي قال ان نصف اعضاء المجلس لصوص. فثارت المعارضة ضده وطلب منه رئيس البرلمان ان يعتذر فاعتذر جاك دكلو قائلا ان نصف البرلمان ليسوا لصوصا. ولكن اصرار الولايات المتحدة على ازاحة الشيوعيين من الحكم قبل تقديم المساعدة بموجب مشروع مارشال جعل حكومة ديغول تزيح الشيوعيين من الحكومة. ان موقف الحزب الشيوعي الفرنسي في مقاومة هذه الازاحة موضوع للنقاش. ولكن الحزب الشيوعي بعد التحرر ونشوء حكومة ديغول الامبريالية تحول من سياسة المقاومة الى سياسة الصراع الطبقي ضد الحكم والعمل على تحقيق هدف الطبقة العاملة في الثورة الاشتراكية وهو ما لم يتحقق في فرنسا حتى اليوم.
وفي الصين ايضا بعد التحرر من الاحتلال الياباني قامت الحكومة الامبريالية الموالية للولايات المتحدة بشن الحرب على المقاومة بقيادة الحزب الشيوعي الصيني ولكن الحزب الشيوعي الصيني والمقاومة التي قادها كانت من القوة بحيث اطاحت بنظام تشاوبتشيك وحققت نظام حكم ثوري يهدف الى بناء نظام اشتراكي.
رايي بهذا الخصوص هو ان الماركسيين الحقيقيين في العراق عليهم ليس فقط ان يدعموا المقاومة بكل ما لديهم من امكانيات وانما عليهم ان يقودوا المقاومة ويضموا كل انسان مستعد لمقاومة الاحتلال مهما كان ماضيه ومهما كان المستقبل الذي يريد تحقيقه. اكرر هنا ان شعار مقاومة الاحتلال هو الشعار الوحيد في ايامنا الذي يمكن ان يكون شعارا موحدا للشعب العراقي. واذا ارادت لجنة التنسيق ان تنجح في تجميع اليساريين سواء في الاحزاب والمنظمات القائمة او من افراد الشعب العراقي بعماله وفلاحيه ومثقفيه وطلابه وعلمائه وفنانيه ان ترفع شعار المقاومة وتعمل بموجبه ولا شعارا اخر. اما النظام الذي تريد المقاومة بقيادة الماركسيين تحقيقه في المستقبل فهو الشعار الاستراتيجي الذي ينبغي ان يكون شعار اي حزب ماركسي في جميع ظروف الصراع الطبقي وهو تحقيق الثورة على النظام الراسمالي القائم وتحقيق نظام اشتراكي في اي بلد راسمالي.
اما ما يطلبه الاخ عبد الحسن من الرواد: “تحليلاً اقتصادياً وسياسياً لأسباب الاحتلال ومشروعاً متكاملاً لبناء عراق علماني اشتراكي يكون مناراً لدول المنطقة. فهذا شيء اخر لا يتعلق بهذا البحث. انه موضوع يخص تاسيس اي حزب ماركسي. فالحزب الماركسي عند تاسيسه يجب ان يضع برنامجا استراتيجيا لنوع النظام الذي يريد انشاءه لدى بلوغه السلطة. لذا ليس من الواجب في بحثنا هذا الاشارة او الدعوة الى مثل هذا البرنامج السياسي الاستراتيجي. فمن المفروض ان كل ماركسي او كل منظمة ماركسية كانت قد وضعت لها مثل هذا البرنامج سواء في عهد النظام شبه الاقطاعي كما كان النظام العراقي في عهد الرفيق فهد ام في النظام الراسمالي كما اصبح النظام بعد ثورة تموز ام في ظل نظام البعث الذي جاء على اثر تدمير ثورة تموز ام في نظام الاحتلال الحالي الذي يعاني منه العراق. ولكن تحقيق مثل هذا الشعار الاستراتيجي يعتمد على ما اذا نجح الماركسيون في قيادة مقاومة الاحتلال وطرده ركلا باقدام الشعب اي بالمقاومة ام لا. فقيادة المقاومة من قبل قوى عدا القوى الماركسية يؤدي حتما الى نظام حكم يختلف عن النظام الذي يريده الماركسيون.
اخيرا انقل سؤال الاخ عبد الحسن الاخير الاتي: “إن الذي يجمع الشعب العراقي هو برنامج طموح يحل مشكلات الشعب الاقتصادية والاجتماعية وليس طرد المحتل فقط هو الهدف الأوحد. وإذا كان كذلك كان الأجدر بنا الدفاع عن نظام صدام حسين الذي في زمنه لم يكن هناك جندي أمريكي واحد ولكني أسأل المعلم حسقيل قوجمان هل كان نظام صدام حسين نظاماً وطنيا عراقيا ذو سيادة.”
الجواب على هذا السؤال المركب كثير التعقيد عزيزي عبد الحسن! ان السيادة الحقيقية لا تتحدد بوجود او عدم وجود احتلال مباشر في بلد معين. والاخلال بسيادة اي بلد يتحدد بمقدار وجود نفوذ اجنبي يفرض سياسته على البلد المعين. وعلى هذا الاساس يمكن الاجابة على السؤال الهام الذي وجهه الاخ عبد الحسن الى حسقيل قوجمان: “هل كان نظام صدام حسين نظاماً وطنيا عراقيا ذو سيادة.” وليس هنا مكان ابداء رايي في نظام صدام لان رايي كان واضحا حتى ايام كان الحزب الشيوعي في جبهة تهدف الى تحقيق الاشتراكية مع صدام وحين اعتنق صدام الاشتراكية العلمية مبدأ له. ولكن حتى اذا اعتبرنا ان العراق كان تحت نظام صدام كامل السيادة ولا تاثير اجنبي عليه باي شكل من الاشكال فهذا لا يعني انه: “كان الأجدر بنا الدفاع عن نظام صدام حسين”. غير ان النضال ضد نظام صدام كان مختلفا عن النضال الذي يحتاجه اليوم الشعب العراقي. كان النضال ضد صدام حسين صراعا طبقيا كالنضال الذي يخوضه او يجب ان يخوضه الشعب الاميركي والشعب البريطاني والشعب الهندي وسائر شعوب العالم الراسمالي. كان نضالا يهدف الى الثورة على النظام الراسمالي، نظام صدام في هذه الحالة، وتحقيق “مشروعاً متكاملاً لبناء عراق علماني اشتراكي يكون مناراً لدول المنطقة”. اما النضال الذي يواجه الشعب العراقي اليوم فهو نضال المقاومة والعمل على طرد الاحتلال ركلا باقدام الشعب.
اما قول الاخ عبد الحسن: “إن الذي يجمع الشعب العراقي هو برنامج طموح يحل مشكلات الشعب الاقتصادية والاجتماعية وليس طرد المحتل فقط هو الهدف الأوحد.” فهذا امر اخر. مثل هذا البرنامج الطموح يجب ان يكون برنامجا دائما لدى اي حزب ماركسي. فهو لا يخص الظروف التي يمر بها العراق اليوم فقط بل هو برنامج الحزب الدائم الذي يهدف في كل الظروف الى النضال من اجل تحقيقه وهو تحقيق مجتمع خال من الاستغلال. وبرنامج الحزب في ايام فهد نموذح على ذلك وكان شعار الحزب الاساسي “وطن حر وشعب سعيد” برهان على ذلك.
واخيرا اشكر الاح عبد الحسن الذي وفر لي فرصة ابداء رايي الصريح في كل هذه القضايا واتمنى للجنة التنسيق النجاح في جمع وتوحيد اليسار الماركسي وحتى اليسار غير الماركسي في المستقبل القريب.