الهندي الأحمر عاد من زيارة قصيرة! – مروان عبد العال

marwan

عد عشر سنوات اقرأ وصية ينشدها في وجه السيد الأبيض في قصيدته الشهيرة «خطبة الهنديّ الأحمر ـ ما قبل الأخيرة»، مستبشراً بالجرعة الزائدة التي ستقتل صاحبها، يوم أطلق عليها اسم «أيديولوجيا الجنون» وقد نضح بها وعاء العنصرية الموبوء مؤخراً بقانون القومية الجديد، قبل أن يغادر شلومو ساند المكان وفي يديه ثلاثية البراءة من اختراعات الشعب والأرض والأنا اليهودية. لأن الذاكرة معيار للهوية، ولأنها ذاكرة ملفقة ومفبركة، فهي زائلة لا محالة. هكذا قال في كتابه «اختراع الشعب اليهودي» مؤرخ يكسر القاعدة مسبقاً حين يعتبر «أن القومية اليهودية هي ميثولوجيا جرت فبركتها قبل مئة عام، من أجل تبرير إقامة «دولة اليهود». فقط لا غير!
لم يتوقف البحث عن هذا الهندي الأحمر المختبئ داخلنا. عاد إلى المكان لأنه يدرك بقلبه وذاكرته وأحلامه، أن السيد الأبيض لَنْ يَفْهَمَ الْكلماتِ الْعَتِيقَةْ، وأن استيطانه الحديث لم يبق لنا في جسد الجنون إلاّ منطقة عازلة! والعالم يعتبر من «حقّ كولومبوس الْحُرّ أن يَجدَ الهنْد»، وأن يؤسس دولة «الغيتو» الحصرية في هذه الشرق، فلماذا كل هذا الشعر؟
لا أعرف سر توقيت عودته بعد عقد من الرحيل، ربما ليتناظر درويش الفلسطيني مع امبيرتو آكابال الغواتيمالي. وأي هندي أحمر دبّر وخطط للقاء؟ ليستدعيه فراغ المكان المظلل بالغياب! أو هي مطاردة لظل معلّق على الحائط، أو اقتفاء صوت نشيد الإنشاد يئن بين محطات للأسفار الرمادية. فكل لحظة وداع يسكنها دائماً حضور ملائكي يشق الغبار ويشتت أسراباً من العناكب والضجر.

هندي أحمر من بقاياه القادمة، استباق ينتظره مع عقارب الرحيل، عسى أن تتعثر به يوماً خطوة من حنين وتلتقي بأحلامه البديهية المعشعشة في خلاياه الأزلية وفي زاوية منسية هناك. أحلامه التي خبأها لزمن يعج بألوان الصخب، إن لم يكن الدواء الواقي من عدوى الاستلاب، والتماهي بالآخر، والمقوي الحيوي للمناعة الذاتية وحفظ الهوية من تهديد الآخر. فتكون الدرويشية بمثابة الرد الروحي في صراع موضوعي ثابت بين الرفض والإقصاء، بين النسيان والذاكرة، بين المقاومة والاستسلام، وبين المقاطعة والتطبيع.
بعد عشر سنوات على غياب درويش، ماذا نفعل بهذا الأسطورة؟ كما قال يوماً ببلد «خطفته الأساطير» كأنما تشكيل الوطنية الفلسطينية تكتبه الأسطورة وليس الهوية، طالما أنها هوية متشكلة ومركبة بعلاقتها الصعبة مع الزمان، وطالما أنّ هشاشة الذاكرة تفضي إلى هشاشة الهوية.
في وصيته ما قبل الأخيرة، يقرع جرس الإنذار مدركاً بحسه الإنساني العميق أنّ الاختراق الثقافي هو اغتيال رمزي، هو قتل معنوي له، يتربص بالشخصية ويطال مسألة استلاب الإرادة وكذلك احتلال العقل وطمس ذاكرة وطن، بل قتل حقيقة وحق فلسطين في الوعي العام.
حين ندرك أسطورته في الغياب أكثر، لا كي يتحول إلى أيقونة أو علاقة «نوستالجيا» مرضية وتمسّك عبثي بالذاكرة، «ليس الشعر من أجل الشعر» بل من أجل الذاكرة الوطنية، لأن طبيعة الصراع الإقصائي قائم على نفي النفي مع آخر لا يلزمه وجود آخر، فهو العنصر الإلهي الذي وقع عليه الاختيار. هنا تصبح أحد أوجه المقاومة وأقدسها ضرورة حفظ الشخصية الوطنية من التبديد والتشويه.
ولا ينقصها جغرافيا الروح وإدراكها لقساوة الأمكنة المتروكة بين يدي «وَحشٌ يُؤسِّسُ مَملكةً»، فيسحرنا الفتى إمبرتو أكابال الهندي الأحمر المعاصر حينما باح بالقول: «لقد ضاق الدرب كثيراً، ضاق. ضاق، والآن يكاد لا يكفي لمرور تنهيدة».
في عام 1992، التأم الشمل في مؤتمر مدريد للسلام وفي معلقته الشهيرة الـ «أحد عشر كوكباً»، أطلق محمود درويش وصيته للمؤتمرين قائلاً: «لا تطلُبُوا معاهَدةً للسّلام من الميّتين». هذا إنذار الشاعر واستشرافه البعيد ونبوءته لكل الذين تركوا توقيعهم فوق الغيم ولم يبْقَ منهُمْ أحدْ، أو يذوب المكان بسطوة الواقع ويتحول الوطن إلى لقمة سائغة تمضغها اللغة الملعونة أو فريسة الغموض الذي يصل إلى حد الضياع، فأتت قصيدة أكابال:
«العدالة لا تتحدث لغة الهنود الحمر/ العدالة لا تهبط حيث يسكن الفقراء/ العدالة لا تنتعل الأحذية التي ننتعلها نحن الهنود الحمر/ ولا تمشي حافية القدمين على دروب هذه الأرض…».
هل كان يبشر بوعد ولادة جديد؟ أم يسير في جنازة الذاهبين إلى السقوط الجماعي على مذبح الهزيمة؟! حين صرّح باللازمة عن الكَمَنجاتُ التي تَبْكى مَعَ الغَجَرِ الذَّاهِبِينَ إلى الأنْدَلسْ والعَرَبِ الْخَارِجِينَ مِنَ الأنْدلُسْ: «الكَمَنجاتُ تَبْكى على زَمَنٍ ضائعٍ لا يَعودْ، الكَمَنجاتُ تَبْكى على وَطَنٍ ضائعٍ قَدْ يَعودْ».
تعج الذاكرة السوداء، بألبومات من صور النكبة، الذاكرة الممنوعة بقانون صهيوني، ليتمأسس فيها الوجع فيعيد إنتاج الضحية. فنراه يؤكد «إن الهوية بنتُ الولادة، لكنها- في النهاية إبداعُ صاحبها، لا- وراثة ماضٍ. أنا المتعدّد. في- داخلي خارجي المتجدّدُ… لكنني- أنتمي لسؤال الضحيّة».
ومن يقرأ التّجربة الشعرية الدرويشيّة، يلحظ الشّحنات الدّاخليّة للنص التي تتوهّج من خلال دلالات وطقوس ورموز تتراكم في السّياق بشكلٍ عام والتّرابط الموسيقي الداخلي والخارجي، حين يعلن عن نفسه في بوحٍ جميلٍ وبحسٍ مرهف وذوق جماليّ، ابتداءً من المستوى الصّوتي متجاوزاً المستوى الصّرفي، وصولاً إلى المستوى التركيبيّ الدّلاليّ.
محمود درويش وبعد زيارة قصيرة من غياب امتد عشر سنوات، عاد مثل فراشة تراقص الضوء وتتباهى بذاتية شاعرية أنها سر نضارة الورد. كما يفعل هو مع أثر النص وأثر الفراشة الذي لا يزول، لأنه أقوى من عطر الحب وخسارة العشق.
ويمضي بصحبة متخيّلة مع كاهن الكلمة لتحضير نص جديد مع الشاعر الهندي يقبع في أعماق ذاكرة شعب الكيتشي مايا، الهنود الحمر: «أعتقد أن العالم قد وُهب لكي يكتشف، وهنا يكمن دور الشاعر: إعطاء شكل محكيّ أو مكتوب لتلك التجلّيات التي هي في أغلب الأحيان خفيّة، لكنها تتحدّث بصوت كصوت الرّعد».
لم تنشغل النخلة بنفسها وتبدع سعافها لمن يستظل في فيئها. ولا ظن بيكاسو يوماً بما ستحدثه تعكيبيته الصنمية في نفس المتلقي، كما أطلق سلفادور دالي هوسه في خطوط سرياليته ومضى.
ويمضي الفلسطيني درويش ليصل الغواتيمالي اكابال في حالة من الاندهاش، ليأتي صوته مزدوجاً: «حقاً إن الشاعر كاهن للّغة». بلسان عربي فصيح وصريح، يأبى أن يستوطن الاحتلال ألسنتنا وبلغة المستعمر، ويسابق مارد الكلمات في درب الجلجلة، يريد أن يفوز مبارزة بين الشمس شروقها، والذي يصر أن يكون الناجي الوحيد من مجزرة الأحلام.
عاد مقاتلاً مبتهجاً بأصابع طفل تقطر بالأحرف الأولى للغة الأم ، يوم أمر الاشكنازي الغريب بالأبجدية العربية، فصاح: «سجل أنا عربي».
عاد الصوت الهارب من قساوة مجزرة أو إبادة ذاكرة أو ثقافة يبصقها النسيان. وحدها تنبض في الأعماق، القصيدة المنفلتة من ثنايا الذاكرة الطرية، تفرض حصارها الطوعي حسب توقيت الشوق كحمى تشعل الحواس، تعبر الأوقات الضائعة في سريان يتغلغل تحت جلدي، تكون اللحظة أجمل حينما يلامسني الصوت أكثر ويصير المنفى أقل.
وهناك الهندي الأحمر يسمح للصورة المتاحة في اختلاس ممنوع، من بوح الضحكة العفوية التي تتدحرج من القلب بفجائية تشبه زخة المطر. فيقول شاعر المايا «أتكلّم/ كي أغلق فم/ الصمت».
في مؤتمر مدريد للسلام، أطلق وصيته: «لا تطلُبُوا معاهَدةً للسّلام من الميّتين»

كأنه يذيع كل أسرار الشهوة المختبئة زمناً في تفاصيل الوحشة. وتعلق دمعها في عيني مذ اختلست الصورة قلبي في تراتيل الفراق. في حرب شعواء ضد الصمت الثقيل الذي يهدر داخلنا كدوي يوازي نعيق المستوطنات، وصفه بهدير موْتى وبولدوزرات، وشاشاتُ رادار ترْصُدُ حياتنا وموتنا وحواجز ومعابر وجدارات تتوزع وتجتاح الروح بجحافل من العزلة، سجون متراكمة تطبق على أنفاسنا ككاتم الصوت الاستعماري الصنع لكنه أشد قتلاً من قذيفة.
قد يعثر المارة على دواوين شعرية ووصية أخرى فوق رصيف هارب من حنايا الوقت، زرعته خطواتنا الثملة وهي تنظر السيد الأبيض، يعرض تفاصيل بضاعته الفاسدة، فيصفق له سيد الخيل ويراقب الجنرالات كل الوجوه المحاصرة بالحيرة وتفاصيل الجمهور المبللة بماء الخجل، والأحرف المخفية في خطوط اليد. وتلاحق الكلمات المكتوبة بشغف كرائحة النعناع، سيظل شعر درويش يتسلل في مسامنا ورداً وعطراً حتى نصل معاً إلى زرقة البحر.
هكذا لم يذهب النص بعيداً وكلما نردد قصيدة له، كأنما محمود درويش عاد من زيارة قصيرة، وهو يرتل صلاة الحرية والقضية بكل ما أوتي من حب وقوة ونبض، ينحت في صلصال الكلمات كي تتدفق طليقة من حبر القلب. لم يكن يوماً حسب أوامر الواجب المقر في صحائف العهود الورقية القديمة، ليس نصاً مشرداً يبحث عن خيمة ولا هي كلمات عارية تحتاج إلى من يستر عريها، هو الثوب والخيمة والمخيم لمن يقطنه. والاحتفاء بعبقرية محمود درويش أن نحفظ قضيته في الوجدان وأن لا يتحول ابن الجليل في كل منفى إلى هندي أحمر في ذاكرة الكرامة الإنسانية، وينتظر القصيدة التي تنزل المخيم من على صليب ذهنية الحرمان والظلم والنسيان. يستحق أن يعزف أول كلمات النصر في كرنفال الحرية.
وإذ بعقبريته تعود وتهمس في حضرة صديقه الهندي الأحمر:
«كأني لم أذهب بعيداً. كأني عُدتُ من زيارة قصيرة لوداع صديقٍ مسافر، لأجد نفسي جالسة في انتظاري على مقعد حجري تحت شجرة تُفَّاح».

* كاتب روائي وقيادي في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»