الإرهاب والدين.. علاقة آثمة – د.عبد الحسين شعبان

shabaan11
شهدت ندوة «الفكر الديني الحاضن للإرهاب»، ضمن فعاليات موسم أصيلة الثقافي الدولي في دورته الأربعين، نقاشاً واسعاً بخصوص علاقة الدين الإسلامي، أو الأديان بشكل عام، بالإرهاب، خصوصاً أن سبل المجابهة لا تزال قاصرة، أو غير فاعلة حتى الآن في تقليص، أو الحد من ظاهرة استخدام الدين وتوظيفه في قضايا الإرهاب.
وقد أثار مفهوم «الإرهاب الإسلامي» جدلاً كبيراً، خصوصاً وقد تم استخدامه لأغراض سياسية استهدفت إملاء الإرادة وفرض الهيمنة على دول المنطقة، وشعوبها التي دُمغت بالإرهاب، في حين إن العديد من المنظمات الإرهابية التي انطلقت من الغرب مثل «بايدر ماينهوف» الألمانية، و»الألوية الحمراء» الإيطالية، وغيرهما، لم تتهم بأنها تمارس إرهاباً مسيحياً، وكل ما كان يقال إنها منظمة إرهابية ألمانية، أو إيطالية، أو يابانية (الجيش الأحمر الياباني)، وكذلك بالنسبة لإيرلندا، والباسك وغيرهما، وكل هذه المنظمات لم تصبغ دينياً، بل نسبت إلى أوطانها .
وإذا كان الدين كمرجعية، مصدراً فكرياً من المصادر الأساسية التي تعتمد عليها الجماعات والديانات السماوية بشكل خاص، فإن هذا ينطبق على المنظمات الإرهابية التي تستخدم «الإسلام» كمرجعية نظرية، مثلما تعتمد منظمات أخرى على اليهودية، أو المسيحية، أو غيرهما. والأساس في كل ذلك هو أن التعصب أصبح متفشياً، والتطرّف مستشرياً، والعنف منتشراً، والإرهاب مستفحلاً، أي إن التشدّد والإلغاء والإقصاء والتهميش هي الظواهر السائدة، ولذلك فإن إلصاق اسم الدين بالإرهاب لا ينبغي أن يقتصر على ما يسمى بالإرهاب الإسلامي، إلّا إذا استخدمنا الإرهاب المسيحي، أو اليهودي، وعكس ذلك فإن إلصاق صفة الإرهاب بالإسلام وإعفاء الآخرين منها ستكون مقصودة ومغرضة، كما أن استخدام كلمة الجهاد والجهاديين على العمليات الإرهابية، هو الآخر أمر مقصود، ومفتعل، لأن للجهاد شروطه، والجهاد من أجل الحق هو غير الإرهاب، وهو جهاد دفاعي هدفه حماية البلاد والعباد من العدوان، والإرهاب، والظلم.
وحتى لو انتسب العديد من الإسلاميين لمنظمات إرهابية، بل وشاركوا في عمليات إرهابية، فلا يمكن دمغ المسلمين جميعاً والإسلام بالإرهاب. صحيح أن تنظيم «القاعدة» وزعيمه أسامة بن لادن، وتنظيم «داعش» وزعيمه أبو بكر البغدادي وغيرهما، نسبوا أنفسهم للإسلام، ونصّبوا أنفسهم أئمة له، واستندوا في أطروحاتهم على المفاهيم الإسلامية المتعصّبة والمتطرّفة التي لا علاقة لها بالحاضر، أو بسمة العصر الراهن، لكن مثل الانتساب بقدر ما ألحق ضرراً بالعالم، فإن ضرره كان أشد ضراوة بالمسلمين، والعالم الإسلامي، والدين الحنيف بشكل خاص، فكيف يمكن تصوّر أن نحو مليار ونصف المليار مسلم هم ينتسبون إلى هذه العقيدة الإرهابية لو اقتنعنا بمثل هذه الأطروحات، وكيف يمكن لدين أن يضم هذا القدر من الإرهابيين؟
الإرهاب ظاهرة كونية، وهو لا دين له، ولا لغة، أو أمة، أو قومية، أو هويّة، أو منطقة جغرافية، إنه موجود في جميع الديانات، واللغات، والأمم، والقوميات، والهويّات، وفي جميع أنحاء العالم، فحيثما يوجد التعصّب الديني يمكن أن يتحوّل بالسلوك إلى تطرّف، وهذا الأخير إلى عنف إذا أصبح فعلاً، والعنف يضرب الضحية باستهدافها لأنه يعرفها، سواء كان دينياً، أوطائفياً، أو غير ذلك، في حين أن الإرهاب يضرب عشوائياً، ويستهدف خلق الرعب والفزع في النفوس، والتأثير في المعنويات، وخلق عدم الثقة بالدولة وأجهزتها، لأهدافه السياسية الخاصة. ولعلّ المسلمين هنا هم أول ضحايا الإرهاب الذي يتم نعته بالإسلامي، حتى إن امتدّ خارج البلدان الإسلامية.
ولعل من الإشكاليات الأساسية التي لا تزال مصاحبة لظاهرة الإرهاب الدولي، هي غياب تعريف واضح للمفهوم، بالرغم من وجود أكثر من 13 اتفاقية وإعلان دولي منذ العام 1963 بخصوص الإرهاب، وقضاياه، ومتفرعاته، لكن لم يتم تحديد تعريف له، ومنذ أحداث 11 سبتمبر/‏ أيلول 2001 الإرهابية صدرت ثلاثة قرارات دولية مهمة، لعل أخطرها القرار 1373 في 28 سبتمبر/‏ أيلول من العام نفسه، لكنها لم تضع تعريفاً للإرهاب، وإن رخّصت بشن حرب وقائية، أو استباقية ضد خطر وشيك الوقوع، أو محتمل للقيام بعمل إرهابي، وفي ذلك عودة للقانون الدولي التقليدي الذي يعطي «الحق في الحرب»، و»الحق في الغزو»، لأسباب تتعلق بمصالح الدولة القومية.
وبعد احتلال «داعش» للموصل صدرت في العام 2014 والعام 2015 أربعة قرارات دولية مستندة إلى القرار 1373، لكنها جميعها لم تعط تعريفاً للإرهاب، علماً بأنها حددت عقوبات لمن لا يتعاون مع المجتمع الدولي في مكافحة الإرهاب، وتجفيف منابعه الفكرية، وموارده الاقتصادية.
لقد أثارت ندوة أصيلة أسئلة حول فك الاشتباك بين الإرهاب والدين، وقدّمت مقاربات تحليلية، بعضها غير تقليدي وجريء بشأن ظاهرة الإرهاب الدولي، والبيئة الحاضنة له، سواء المنتجة والمصدّرة، أو المستقبِلة، وأكّدت على أهمية التربية ودور التعليم في تقديم نموذج معرفي جديد، وكذلك دور العامل الاقتصادي والاجتماعي في تطويق الظاهرة، ودعت إلى فكر ديني جديد يعتمد خطاباً عصرياً يعترف بالآخر، ويقوم على قبول التنوّع والتعددية، بما يتلاءم مع مستجدات العصر.