رحيل عادل مراد المناضل اليساري العراقي الكردي بين اللقاء الأول والأخير سفر كفاحي لم تهزه رياح القومية الشوفينية والعنصرية..بل صمدت رايته الحمراء الأممية – صباح زيارة الموسوي

adelsabah1

الصورة الأولى

تؤرخ الصورة الأولى لرفيقي وصديقي جمال سفر ورفيقنا وصديقنا المشترك الراحل عادل مراد، للفترة الشامية أوائل الثمانينات، إذ كان جمال ليس مسؤولاً للعلاقات في ( منظمة سلام عادل في الحزب الشيوعي العراقي) فحسب، بل ووجهها المثقف الودود المحبوب، المتعدد المواهب، العصامي، المحب لمن يحيط به.*

في مقهى الروضة الشهير بين بضعة مقاهي شامية قديمة، تميز عنها بين ميزات أخرى، بالحضور المتواصل المتتابع لأجيال المعارضين العراقيين .
تم فيه تعارفا يساريا عراقيا، بين المناضلين عدنان المفتي وعادل مراد، وكانا حينها في قيادة الحزب الإشتراكي الكردستاني الموحد، وبيننا جمال سفر وانا وكنا ننشط علنا باسم (منظمة سلام عادل في الحزب الشيوعي العراقي).

وقد عُزز هذا التعارف حينما فاجأنا الرفيقان عدنان وعادل بأن منظمة سلام عادل < وبعملية معقدة > كانت خلف إحباط قرار مبيت لتجميد عضوية الحزب الشيوعي العراقي والحزب الاشتراكي الكردستاني الموحد في الجبهة الوطنية والقومية الديمقراطية (جوقد) التي تأسست في 12 تشرين الثاني 1980.. احباطا مفاجئا مهما، ولو كان مؤقتا.

لكنه فعل فعله في معادلة جبهتي جوقد وجود**، وتصدى بشكل مبدئي ومعرفي لنهج الاقصاء والتسلط في العلاقة بين أطراف المعارضة العراقية العلمانية تحديدا.

وهو موقف واع متحرر من ظاهرة انعدام الديمقراطية في بنية الأحزاب الداخلية، وفي علاقتها فيما بينها، ولا تزال مذكرة الثمان النقاط المقدمة من قبل منظمة سلام عادل في الحزب الشيوعي العراقي إلى أحزاب جوقد تبرهن على صوابها، سواء في وقوع ما حذرت منه من اقتتال بين هذه الأحزاب في الثمانينيات والتسعينيات، أو تورطها بالارتماء في احضان الغزاة في 9 نيسان 2003 وطبيعة العلاقة فيما بينها وهي في ” السلطة” التي أفضت إلى تدمير البلاد ونهب الثروات وإذلال الشعب.

وقدم مثالا رياديا في عدم تغليب الصراع الثنائي بين قيادة الحزب الشيوعي العراقي اليمينية ومنظمة سلام عادل قي الحزب الشيوعي العراقي اليسارية، على الصراع مع الأحزاب والقوى الطبقية البرجوازية الطفيلية القومية العربية والكردية.

فتعززت مكانتنا لديهما وتوطدت العلاقة السياسية والشخصية، خصوصا بعد تدخل عدنان المفتي لحمايتنا إذ كنا لا نقيم اية علاقة مع مكتب شؤون العراق وحزب البعث العراقي جناح سوريا.

فقد اقترح عقد لقاء ولو شكلي بين منظمة سلام عادل في الحزب الشيوعي ومكتب شؤون العراق ممثلا بأحمد الموسوي، لكي يكون وجودنا في دمشق رسميا ولا نتعرض لمفاجأت أمنية لا تحمد عقباها، وهذا ما تم فعلا في إجتماع لم يخلُ من المشادات حول مسائل عديدة، ابرزها موقفنا من البعث العراقي/ جناح سوريا.

لم أكن شخصيا اشك وفي لحظة تعرضت فيها لمخاطر جدية بأن من سيقف معي هما الرفيقان عدنان المفتي وعادل مراد ، أو يتوقع الرفيق جمال سفر عونا ليتمكن من مغادرة سوريا من سواهما.

وهذا ما حدث فعلا فقد وفر الرفيق عدنان المفتي جواز سفر لي مكنني من مغادرة سوريا والتوجه لطلب اللجوء في أوروبا، وحدث الأمر ذاته مع صديقي ورفيقي جمال.

الصورة الثانية

تؤرخ الصورة الثانية لآخر اللقاءات مع رفيقنا الراحل عادل مراد وبضيافته في القصر الرئاسي وكذلك في منزله في السليمانية.

لقاءات تناولنا فيها واقعنا العراقي المرير وشريط الذكريات والأحلام والآمال الثورية ، ومآلها راهنا.

قال عادل لشخصية قادمة توا من اجتماع الرئاسات الثلاثة في معرض تقديمي له هذا هو صاحب الرسالة العلنية التي وجهها لي عام 2006 واحترنا انت وانا كيف يمكن عرضها على مام جلال ؟

وبعد التعارف والحديث قلت لرفيقي وصديقي الراحل عادل مراد ( ارجو ان لا تتوقع بأنني حين أزورك الأن ، قد غيرت موقفي المثبت في الرسالة التي تتحدث عنها، بدليل كتابي المهدى إليك والموجود امامك الصادر في 31 أذار 2014 والذي يتضمن الرسالة ذاتها ) ..

اطلع على الصفحة التي أشرت الى رقمها، فعلق بطريقته الذكية موجها الكلام لضيفه ( شفت نحن اليساريين ثابتون على المواقف المبدئية )..

وفي اتصال هاتفي مع رفيقنا وصديقنا المناضل المبدئي الأخلاقي عدنان المفتي من اربيل حين كنت في منزل رفيقنا الراحل عادل مراد مزح معنا قائلا ( انت وعادل من القلائل الذين لا يزالون يتحدثون عن الإمبريالية )…

مثل عادل مراد في صباه وشبابه نموذج المناضل الشاب القيادي وابن الشيوعي، مواصلا الكفاح على جميع المستويات التنظيمية والفكرية والعسكرية وفي المحافل الوطنية والإقليمية والدولية، من أجل حقوق الشعب الكردي في إطار عراق حر ديمقراطي، والتحم مع قضايا نضال الشعوب العربية عامة والشعب الفلسطيني خاصة….

تعرض في آخر سنوات حياته للتضييق والمحاربة من قوى الفساد في إقليم كردستان لموقفه المبدئي من أجل عراق حر موحد واقليم كردستاني ديمقراطي في إطار الدولة المدنية العراقية الديمقراطية التي تحقق العدالة الإجتماعية، ورغم وضعه الصحي المتدهور بقيَ مبتسما صامدا على مبدئيته.

رحيل الرفيق عادل مراد خسارة وطنية.. لنا في مسيرته العزاء والمثل للأجيال.

كان المناضل اليساري الراحل عادل مراد يشاركنا هذه الافكار والقناعات المبدئية ويكافح على جميع الجبهات لتطبيقها، سواء على صعيد بنية الحركة القومية الكردية ومحاولته هو ورفيقه وصديق عمره المناضل عدنان المفتي في تأسيس الحزب الاشتراكي الكردستاني، أو على صعيد الحركة الوطنية العراقية.

تميز الراحل عادل مراد بصفات المناضل الإنساني واليساري الحقيقي ، سواء في علاقاته السياسية أو الإجتماعية، وبتواضعه وروح النكتة، وبثقافته الموسوعية.

ظل عادل مراد حتى اخر ايامه في هذه الدنيا، العراقي الكردي البغدادي المتحرر من أمراض وعقد العشائرية والقومية الانعزالية والمحب لشعبه الكردي الممزوج بنكهة عراقية وطنية ويسارية أممية.

السلام لروحه والعزاء لعائلته ورفاقه وأصدقائه … وتعزية خاصة لرفيق وصديق عمره رفيقنا وصديقنا المبدئي والأخلاقي عدنان المفتي.

وستبقى سيرة عادل مراد نبراسا للاجيال الجديدة ، في طريق الكفاح من أجل الحرية والسلام والتقدم والعدالة الاجتماعية.

الهوامش
* عند اضطرار رفاق (منظمة سلام عادل في الحزب الشيوعي العراقي ) مغادرة بيروت إثر الغزو الصهيوني عام 1982 ولاحقا مغادرتنا دمشق، توزع غالبيتهم على بلدان المنفى واللجوء.
ورغم التواصل فيما بيننا، فقد اختار كل منا طريقه في الحياة والنضال، خصوصا بعد قرار حل منظمة سلام في الحزب الشيوعي العراقي عام 1993.
ومما يسجل لجميع الرفاق ثباتهم على الإنتماء اليساري رغم اختيار العديد منهم تجنب العمل التنظيمي، ورفضهم جميعا لغزو واحتلال العراق في 9 نيسان 2003 رغم معارضتهم للنظام البعثي الفاشي المقبور وتعرض العديد منهم للاعتقال والتعذيب واضطرارهم لمغادرة الوطن بطرق عديدة كالجوازت المزورة والتهريب إلى البلدان المجاورة.

كما حافظ جميع الرفاق على العلاقات الرفاقية والصداقية المبدئية النبيلة فيما بيننا، وهذا ما ينطبق على رفيقي وصديقي جمال سفر ذو العلاقة المباشرة هنا…فاقتضى التنويه منعا لأي التباس.

وبالمناسبة فإنني حريص عند الكتابة على عدم إيراد أسماء رفاق ( منظمة سلام عادل في الحزب الشيوعي العراقي ) خصوصا الرفاق القياديين.

غير أن الرفيق عبد الباقي شنان أبو وفاء مسؤول ( منظمة سلام عادل في الحزب الشيوعي العراقي ) في لبنان حينها، تساءل معلقا على مقال لي خاص بدوره ورفاقه في التصدي للغزو الصهيوني لبيروت الحرية والمقاومة ، تساءل عن سبب عدم ذكر اسمه.

وعليه وجدت من الضروري التشاور مع الرفاق ذوي العلاقة بأحداث ووقائع المقالات للإتفاق على ذكر الأسماء .
** رابط جوقد وجود ومذكرة منظمة سلام عادل في الحزب الشيوعي العراقي
http://www.m.ahewar.org/s.asp?aid=304801&r=0