اوراق في المقامرة الكبرى القادمة – عارف معروف

Areef Marof

لم تعد حقيقة علاقة النظام السعودي او بالأحرى تحالفه مع اسرائيل ضربا من التكهن ولا الاتهامات او الشتائم السياسية التي يبغي مطلقوها التحريض على النظام بل اصبحت وبصوره متعاظمة ويوميه امرا واقعا وملموسا. لكنها، ايضا، ليست انعطافا سياسيا كما يرى البعض ولا تحالفا املته تطورات الوضع في المنطقة وصعود مخاطر ” التهديد الايراني “لكل من النظام السعودي واسرائيل كما يقول آخرون، بل هي تحالف ستراتيجي قديم، وكّل ما في الامر ان اطرافه وبالذات السعودية ودول الخليج، باتت تحتاج الى إشهاره وتسويغه والتسليم به كأمر واقع او حتى كضرورة، تمليها اعتبارات العمل المشترك القادم والذي كانت ولاتزال ارضيته او مسرحه تهيئ منذ اعوام. لقد اعلنت عدة شخصيات إسرائيلية رسميه ومهمة، في معرض توقعات التطبيع مع السعودية، ان العلاقات الإسرائيلية ببعض البلدان العربية قديمة وفاعله لكن انظمة تلك البلدان هي التي كانت تحبذ السرية وتصّر عليها. وبالفعل، فثمة مؤشرات تاريخية موثقه على ان هذه العلاقة او التحالف يعود الى نهاية عقد الاربعينات من القرن الماضي، اي منذ تأسيس الكيان الاسرائيلي!

لقد عمل النظام السعودي ومعه محميات الخليج منذ الخمسينات سياسيا ودعائيا، ومؤامراتي كذلك، ضد القوى والأنظمة المعادية لإسرائيل لكن قدرتها على المواجهة كانت محدودة بفعل طغيان المدّ المعادي للإمبريالية والصهيونية في المنطقة والتعاطف الشعبي الشديد والواسع الذي اكتسبته تلك الأنظمة وشعاراتها وبرامجها، وخصوصا النظام الناصري، ودعم واسناد الشعوب العربية للحق الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية حتى ان النظام السعودي ومعه انظمة الخليج لم تجد بدّا من مسايرة تلك الشعارات وإظهار التناغم مع تلك الروح. لكن التراجع بدأ منذ هزيمة حزيران 1967واندحار الأنظمة القومية والوطنية ومجيء البدائل الثورية الزائفة في اعقاب هزيمة حزيران وتقديمها، نماذج شديدة السلبية والفشل   انتهت بالجماهير، خلال عقود من حكمها، الى ان تتحول لديها آمال ومفردات: الثورة والقومية والوطنية والوحدة والبناء الاشتراكي بل وحتى الاستقلال والسيادة وفلسطين الى مفاهيم مثيرة للشكوك وربما السخرية!

في مثل هذه الاجواء بدأ السادات رحلة التطبيع مع اسرائيل مفتتحا طريقا وعرا لم تكن تجرؤ عليه الانظمة العربية، في الظاهر والعلن على الأقل (حتى في تلك الأيام اشارت مصادر عالميه وعربيه الى وجود شخصيات سعودية ضمن طاقم الزيارة! الامر الذي نفته المملكة)، فبدأ البحث، منذ ذلك الحين عما يُمكّن من توسيع الجادة وتحويل التطبيع الى حقيقة واقعيه ملموسه والانتهاء من المسألة الفلسطينية وما تثيره من وجع للرأس والقبول بالدولة الإسرائيلية ليس كواقع محايد فقط بل وكحليف اساسي ومهم في وجه اية تهديدات داخليه. هنا جاء تحدي الثورة الإيرانية 1979 ليس بالخوف فقط وأنماء بالنجدة ايضا فقد اشار الى ُسّلم هروب خلفي محتمل وساقية تحويل للعداء ممكنه  فتم تحويل الثورة الإيرانية الى بعبع مُهدِد ” للأمن والاستقرار العربي ” وُشرِع َفي تحويل ايران الى العدو القومي رقم واحد وفتحت خزائن البترودولار الهائلة امام دعم وتسليح وتجهيز النظام الصدامي في حربه او حرب الجميع على ” الفرس المجوس ” كما وضعت امكانات النظام العربي كافة في خدمته وبضمنها امكاناته الإعلامية وحجم تأثيره في المواطن العربي لأعاده صياغة وعيه ومفاهيمه بالاتجاه العنصري والطائفي وروح العداء ” للفرس الذين هم اشد نفاقا من اليهود ” و الذين يتربصون به منذ قرون الاسلام الاولى ويناصبون العروبة العداء بل ويتحالفون سرا مع الصهاينة لتنفيذ مخطط شرير يستهدف الامة العربية !

لم تستطع هذه البروبغندا العدائية الاستمرار بذات الزخم، خصوصا بعد ان تحول النظام العراقي من “حامل لواء الدفاع عن البوابة الشرقية للأمه ” الى عدو مبين، لكنها استؤنفت بزخم اشدّ بعد هزيمة النظام على يد الغزاة الامريكان وتحولَ النظام العربي بقيادته السعودية والخليجية الى العداء المستحكم مع الشعب العراقي الذي استُهدف هذه المرة باسم الحرب ضد الغزاة والمحتلين الامريكان وعملاءهم بجهد تخريبي، حربي ودعائي معاد، استثنائي، وكأنه كان المعني بالتدمير والعقاب!

في اعقاب حرب تموز 2006 والتي توجت بنصر غير ملتبس للمقاومة بقيادة حزب الله وهزيمة منكرة للعدو الاسرائيلي وتأثير ذلك في الشارع العربي باتجاه رفع المعنويات وبعث الامل باستعادة زمام المبادرة ، شعر النظام السعودي ومعه اتباعه في محميات الخليج وانظمة الكدية العربية الفاسدة  بتهديد جدي ولذلك فقد استنفر كل طاقاته وبادر الى الهجوم  ومغادرة مواقع الدفاع التي لن تعني له بعد اليوم الاّ التآكل  والخسران فاستثمر ورقة الربيع العربي سوّية مع الامبريالية والصهيونية في تقويض كل ما بقي صامدا من بنى مقاومة واستقلال على صعيد الدولة والمجتمع في العراق وسوريا واليمن وليبيا وحشد لذلك جيشا عرمرما من قوى الارهاب والعمى التي اعدت فكريا وعسكريا ودعمت ماليا ولوجستيا بمعرفته وتوليه الدور الاكبر .

ان الفشل الواضح لهذا الهجوم في العراق وسوريا والحصاد المّر الذي يحسه النظام السعودي ومعه منظومته الاقليمية المرتبطة به مصلحة ووجودا ومن ورائهم معسكر الشّر العالمي الذي يستهدف تغيير واقع المنطقة الى مزرعة ومنجم له وسوق عبيد لأتباعه جعله يستحث الخطى الى هجوم ستراتيجي شامل يحسب انه سيكون الحاسم والأخير!

ان غيوما سوداء  مدلهمة تتجمع في سماء المنطقة وحلقات تبدو غير ذات صله ولا يمكن جمعها في سلسلة واحده تطفو ملامح منها على سطح الواقع ،  تنتظم في خيط واحد بالفعل وتتجه الى مركز تفجير وادارة عمليات واحد  : ان تهديدات الحرب ضد ايران وحزب الله واثارة المشاكل في وجه لبنان ومؤتمر ” مكافحة الإرهاب الأسلمي  ” والتحركات الكردية في شمالي العراق وسوريا، والتسوية الفلسطينية والوعد بحلها امريكيا واسرائيليا وعربيا ، والأشارات المتناثرة الى مشروع القرن بصدد سيناء واسكان الفلسطينيين فيها بل والارهاب غير المسبوق ضد سكانها الآمنين والأبرياء وقبل ذلك  بيع جزر حلايب وصنافير وحتى حملة ” مكافحة الفساد ” بقيادة الأمير العادل محمد بن سلمان و الكلام عن مشروع  ” نيم ” المستقبلي السعودي الملياري والذي  لا يعدم صلة بوطن بديل للفلسطينيين في سيناء ،كلها اوراق لعب  تُعّدُ لتترتب في لعبة ” روليت ” كبيرة مقبله!