الشهيدة سحر أمين منشد نجمة براقة في سماء العراق – خالد حسين سلطان

khalidsultan
قتاديل شيوعية

كان الحزب الشيوعي العراقي وخلال مسيرته النضالية الطويلة يتلقى العديد من الدعوات للمشاركة في المؤتمرات والمهرجانات والاجتماعات والمخيمات الكشفية وغالبيتها من منظومة الدول الاشتراكية السابقة وخصوصاً في مرحلة ما يسمى بالعمل الجبهوي ( 73 ــ 78 ). ومن تلك الدعوات كانت في صيف عام 1976 من جمهورية ألمانيا الديمقراطية للمشاركة في مخيم دولي للطلائع والفتوة يقام في غابة على أطراف مدينة برلين الشرقية، ولكون الحزب ليس لديه منظمة طلائع فعلية وخصوصاً بعد حل أو تجميد منظمات الحزب الجماهيرية بسبب ضغوطات حزب البعث الحاكم، لذلك تقرر اختيار خمسة أفراد من أبناء العوائل الشيوعية لتمثيل الحزب في هذا المخيم بالإضافة الى رفيقة مشرفة على الوفد وكان الاختيار بالشكل التالي :
1ــ منيرة وهي ابنة الفقيد فاضل الساعدي احد العاملين في مقر اللجنة المركزية .
2ــ سحر وهي من عائلة أمين منشد الشيوعية المعروفة في مدينة الناصرية .
3ــ أشجان وهي من مدينة كربلاء واعتقد إنها ابنة المناضل الشهيد علي نور ( وكانت أصغرنا عمراً ) .
4ــ وحيد وهو ابن المناضل الفقيد أسعد خضر أربيلي عضو اللجنة المركزية للحزب .
5ــ خالد ( كاتب هذه السطور ) وهو ابن المناضل الفقيد حسين سلطان صُبّي عضو اللجنة المركزية للحزب .
بالإضافة الى الرفيقة المشــــرفة على الوفد وكانت تدعى سوسن أو ( وسن ) ولم أحفظ اسمها بشكل جيد لكونها كانت تكتب أسماء مختلفة في سجل الزيارات للوفود المشاركة وذلك من باب الصيانة، في حين لم نلتزم نحن الصغار بتلك الوصايا .
المهم في موضوعنا هذا هو استشهاد عضوين من أعضاء هذا الوفد خلال مسيرتهم اللاحقة وهما الشهيدة سحر أمين منشد والتي أعدمت على يد النظام السابق في عام 1985 والثاني هو الشهيد وحيد أسعد خضر ( جبار ) والذي استشهد في كردستان العراق عام 1984 على أيدي رفاق السلاح من الاتحاد الوطني الكردستاني على سفح جبل سفين وبدم بارد إكمالاً لمجزرة بشت آشان الرهيبة .
سوف أكتب بعض ما أتذكرة عن الشهيدة سحر وفاءاً لها ولتلك الرفقة القصيرة وأترك الكتابة عن الشهيد وحيد حتى إشعار آخر لأن الملوك لا يسألون عما يفعلون من أعمال شائنة وكما تعودنا .
التقيت بسحر في يوم السفر في بداية تموز وكانت فرحة كثيراً وكثيرة المزاح وذلك من الصفات الملازمة لها وكما عرفت ذلك في أيام المخيم حيث لا يعرف اليأس والتشاؤم طريقاً الى عقلها وقلبها، وبعد الوصول الى برلين ثم الى المخيم شاركت سحر في كل الفعاليات والنشاطات وبحماس وجدية وفي أوقات الفراغ وعند الحنين الى الأهل وحي الاسكان والناصرية كانت تردد عبارة ( آه يا ريحة هلي ) وتغني لنا ما تحفظ من أغاني الجنوب والذي كانت تجيده وخصوصاً أغنية الفنان قحطان العطار ( لو غيمت دنياي ) وكانت تؤديها بشكل رائع حتى إن السيدة الألمانية المرافقة للوفد حفظت بعض كلمات الأغنية وترددها معنا وبإعجاب وتقول بعد ذلك ( زين سخر ، زين سخر )، وعند النزول الى برلين أو المدن الصغيرة القريبة للنزهة أو التسوق كان همها وشاغلها الأول والأخير هو اختيار هدية مناسبة للوليد القادم للعائلة وهو ابن احد أشقائها أو شقيقاتها وقد أوجعت رؤوسنا حول ذلك وكنا كثيراً ما نستغل هذا الموضوع أنا والشهيد وحيد لمشاكستها فنعرض عليها هدايا غريبة عجيبة ولا تلائم الحالة وكانت ترفض كل العروض ومن الجميع بسبب حبها وتعلقها بالوليد القادم، وأخيراً وقبل العودة بأيام اقتنعت بشراء عدة طبية صغيرة من البلاستك كهدية على أمل أن يصبح الضيف القادم طبيباً في المستقبل ومع هذا لم تتخلص من مشاكسات وحيد الذي كان أقربنا لها عمراً وبالتالي أكثرنا مشاكسةً ومزاحاً معها فكان يطلب منها فحص نبضات قلبه أو درجة حرارته ومستوى ضغط الدم وكانت تتقبل ذلك بروح رياضية وتصف له حالته الصحية وكأنها بأسوأ حال وانه قد لا يصل الى بغداد سالماً ويضحك الجميع بعدها .
بعد العودة الى بغداد ليلا وفي المطار لم يحضر أحد من ذوي سحر لاستقبالها وذلك لعدم علمهم بموعد القدوم فحلت سحر على عائلتنا ضيفة عزيزة مكرمة وقضت ليلتها مع بنات الدار وعلى السطح تتحدث لهم عن ما شاهدته في ألمانيا والفرق بينها وبين الناصرية وعرضت عليهم هديتها للمولود القادم في مزيج من المزاح والفرح وحتى الفجر، وفي الصباح غادرت سحر الدار مع والدي مودعة بالحفاوة الى مقر اللجنة المركزية للحزب حيث حضر احد ذويها واصطحبها الى الناصرية ولم التقي بسحر بعد ذلك اليوم ولكن ظل ذكرها مستمراً في الدار على اثر ليلتها تلك معنا .
لم اعلم باستشهاد سحر على يد أوغاد النظام السابق إلا بعد احتلال العراق وسقوط النظام السابق وذلك من خلال ما كتب عنها عبر الانترنيت، وقد اغرورقت عيناي دمعاً وانأ اقرأ وأشاهد الحلم الذي كتبه عنها شقيقها السيد داود أمين منشد :
أحلمت مرهْ
بسحر تضحكْ
وعلى خدها الحلو
رصعاتْ
كمت اطحن حزنْ
وأسحكْ
وامسحْ بيدي
أثرْ دمعاتْ
لن عيني إلمحتْ
ركبه طويلةْ
وحس حبلْ
يخنكْ
وشبحْ رجلينْ
يتلو لحنْ
ماكو ثباتْ !
وقرأت رسالتها من المعتقل الى عمها حول البحث عن وليدها الذي أودعه الأوغاد في مأوى للأيتام ليطمئن قلبها عليه وهي تستقبل الموت بكل شجاعة فكتبت تقول : ( . . . يجب أن تسرعوا لان الأيام قليلة بالنسبة لي فلذلك أريد إن اطمئن عليه قبل أن تسرع الأيام . . . ) .
اطمئني يا سيدتي فقد كبر وليدك وأصبح أباً، وكثيراً ما غيمت دنيانا في العراق ولكنها بلا مطر حقيقي، ويبدو إن حديثنا ونقاشـــنا مع الوفود المشاركة في المخيم حول النضال ضد الاستعمار والامبريالية كان وهماً أو ضحكاً على الذقون، وجيفارا كان مهووساً آو مجنوناً، وإنجيلا ديفز كانت ساحرة ماكرة، والطفل الفيتنامي الذي استقبلناه بحفاوة وتكريم وتنافسنا على تقبيله والتقاط الصور معه لكونه قد ساعد الثوار الفيتناميين في نقل البريد ومراقبة تحركات القوات الأمريكية كان إرهابياً ودربه شيخ الإرهاب هوشي منه. فقد أصبحت أمريكا وأذنابها رمزاً للعدالة والديمقراطية ومعيناً لتحرير الشعوب رغم إنها ازدادت ….