ماهيات العراق؟**- د. عقيل الناصري

akeel

تواجه الباحث في تاريخ العراق السياسي المعاصر فكرة سائبة وغير صائبة، كما نرى، تكمن في كون العراق “… كيان مصطنع، وهي فرضية ما انفك مخططو السياسية في الغرب، فضلاً عن مخططي السياسة العربية يسوقونها من دون أن تعني في حقيقتها الشيء الكثير, وتلقي هذه الفرضية رواجاً كبيراً هذه الأيام حيث تنطلق من فكرة أن البريطانيين صنعوا العراق في عام 1920 بسرعة ومن دون إتقان ومن ثم شرعوا بحكم فسيفسائه العراقية والطائفية في المواجهة الكاملة مع الشعور الانفصالي والانقسامات في الدين والعرق. وبعد التأسيس، فإن مناصري هذه الفرضية أكدوا أن المجموعات الرئيسية في البلاد التي لا يربط بينها رابط كبير في سياق التاريخ أو الثقافة، استمرت في وجودها المثير للجدل … “.
فهل تصمد هذه الفرضية مع تطابق الواقع الصيرورة التاريخية للعراق؟؟ لنقرأ التاريخ بعيون متفتحة وعلى وفق الحقائق التاريخية، إذ كان “… العراق في الأيام القديمة، يؤلف الولاية العباسية من العراق وجزء من الجزيرة.. وفي القرون الثلاثة الأولى من الحكم التركي اتحدت في ولاية واحدة هي أيالة { ولاية } بغداد وهي واحدة من أعظم ولايات الامبراطورية التركية، التي يحكمها باشا يحمل الراية ذات الأذناب الثلاث **… “. وكان والي بغداد “… يسمى بالعادة وزير العراق … “.
لقد شاعت مفردة العراق في أواخر العهد الساساني، فقد تشعبت وأختلفت أراء الباحثين فيها وبمعناها. لكن “… من الممكن تلخيص هذه الأراء بحصرها باحتمالين أن أسم العراق عربي في أصله. أن لفظة العراق على ما نحتمله يرجع في أصله إلى تراث لغوي عراقي من العصور القديمة… وأن معنى كلمة عراق شاطئ البحر أو الشاطئ والساحل على وجه الاطلاق وإنما سمي عراقا لدنوه من البحر… أما الرأي الثاني فهو بارجاع أصل كلمة عراق إلى التراث اللغوي القديم. هذا الرأي يقول أن لفظة العراق سومرية أو لعله مما قبل العهد السومري وأنها مشتقة من كلمة تعني المستوطن ولفظها أوروك بالسومرية… “.بل الأكثر من ذلك فأن مصطلح العراق ظهر للوجود منذ أقدم عصور التاريخ ولهذا “… تعددت الأسماء التي أطلقت عليه، حتى الإسم الواحد عبر أحياناً عن مضامين مختلفة تبعاً للأغراض السياسية، ولم يكن هناك دائماً، إتفاق لدى المؤرخين على الحدود السياسية للكيانات التي نشأت عليها، إذ كانت هذه الحدود تمتد أو تنكمش تبعاً للقوة التي كانت تمتلكها الدولة القائمة عليها. وقد تباينت هذه التحديدات حتى في العصور الحديثة … “.
وخير دليل على تحرك الحدود ما تمخض عنه في الحرب العالمية الأولى وإنهزام الدولة العثمانية، على وفق معاهدة سايكس- بيكو، حيث قسمت الدول العربية المشرقية بين فرنسا وبريطانيا ونشوء دولها، وأيضاً ما تم بعد أنهيار الاتحاد السوفيتي وإنبثاق عدة دول جديدة، وقبلها في يوغسلافيا سابقا، حيث انبثقت عدة دول على أشلائها، وخير مثال ما تخطط القيام به الولايات المتحدة لتغير الحدود في منطقة المشرق العربي في سوريا والعراق وغيرها من الدول، وهذا يُؤكده كلام جيمس وولسي رئيس الاستخبارات الأمريكية السابق الذي قال بوضوح : ( المنطقة العربية لن تعود كما كانت، وسوف تزول دول وتتغير حدود دول موجودة)، بمعنى، كما توضح تاريخ العلاقات الدولية، بأنه لا توجد حدود ثابتة ودوما متغيرة.
أن العراق الحالي وجد بعد إعادة التوحيد الاداري للولايات الثلاث (بغداد، الموصل والبصرة). إذ لم يكن قط وحدة سياسية منفصلة قبل عام 1879. لقد تم تقسيم ولاية بغداد في زمن مدحت باشا (1869-1871) على وفق قانون الولايات العثماني لسنة 1864 ونظرته الاصلاحية لتطبيق مبدأ اللامركزية.. لذا استقلت الموصل إداريا حسب، عام 1879 والبصرة عام 1884، مع احتفاظ ولاية بغداد، على الدوام بالسيادة والهيمنة عليهما، وقد أُقر ذلك رسمياً عندما عُهد إلى الوالي ناظم باشا عام 1910 بإدارة شؤون الولايات الثلاث. وهكذا مهدت هذه الصيرورة لتوحيد العراق، مع احتفاظ الكرد بحكمهم الخاص على وفق معاهدة سيفر لعام 1920. بعد أن”… أنهت هدنة مودروس (30 تشرين الأول 1918) الحرب بين بريطانيا والدولة العثمانية، وأصبح بعدها العراق كله تحت السيطرة العسكرية البريطانية وبدأت مرحلة جديدة من مراحل الإدارة البريطانية … “.
وللعلم فقد سارت وتيرة التعجيل التكاملي لهذه الولايات الموحدة، بخطى أسرع بعد توحيد واستكمال السوق الوطني العراقي، بفعل الاحتلال البريطاني الأول (1914-1932) وسعيها لخلق قاعدة اجتماعية ذات مصلحة في ديمومة الاحتلال من خلال تأسيس الدولة المركزية العراقية التي جاءت على انقاض المجتمع العشائري المتشظي، بغية التعجيل بتصدير الفائض الاقتصادي وبخاصة ما مستحصل من النفط والموارد الطبيعية الأخرى .
** من كتاب سيصدر للباحث، بعنوان : دور المؤسسة الامنية في اسقاط حكومات عبد الكريم قاسم.