“فريدريك إنجلز” : 122 عاماً على رحيل روحا أبت الموت إلا خلودا – ايهاب القسطاوى

ehab

«لابد لاسم فريدريك إنجلز أن يظهر في أي قائمة للفلاسفة الذين تركت أفكارهم أكبر الأثر في محاولة تغيير ظروف العالم ، فقد أسست مقولات ونظريات هذا الفيلسوف الألماني في الاجتماع والاقتصاد والفلسفة لبناء الأممية الشيوعية كنظرية تحرر عالمي للطبقة العاملة وكسند فكري لامع للمقهورين والمضطهدين وجلبت له كتاباته النقدية الراديكالية المضايقة من قبل السلطات في كل من ألمانيا وفرنسا دفعته خاصة لكتابة نصه الخالد “البيان الشيوعي” الذي خطّه مع رفيق دربه كارل ماركس عام 1848، في ذكرى وفاته الـ122، استعرض أهم مراحل حياة منظر سياسي وعالم اقتصاد وفيلسوف من الدرجة الثورية الممتازة :

يوافق اليوم 5 اغسطس 2017 الذكري “122” لوفاة معلم البروليتاريا والقائد الثوري فريدريك إنجلز، الملقب بـ”أبو النظرية الماركسية”، والذى أصدر مع ماركس بيانهما المشهور، والمعروف ببيان الحزب الشيوعي ، الذي سمى اختصارًا “البيان الشيوعي” ، وساعد ماركس مادياً لينشر كتابه “راس المال ” ، ولد فريدريك إنجلز في الثامن والعشرون من نوفمبرمن العام 1820، في مدينة “فوبرتال”ألالمانية ، وهي مدينة من إقليم “ريناني” تابع لمملكة بروسيا حينذاك ، كان ابنًا لتاجر اقطان ثرى ، وفي عام 1838 اضطر إنجلز لأسباب عائلية وقبل أن ينهي دراسته الثانوية لان يعمل مستخدما في مؤسسة تجارية في مدينة بريمن ، ولكن الأعمال التجارية لم تمنع “فريدريك” من العمل على تثقيف نفسه علميا وسياسيا ، فمنذ أن كان طالبا بالمدرسة الثانوية اشتعل حقدة على الأوتوقراطية وعلى تعسف البيروقراطية ، وقد دفعته دراساته الفلسفية إلى ابعد من ذلك ، وعمل “فريدريك” ، بالصناعة وعلم الاجتماع ، وكان بارعا في اتقان اللغات الأجنبية ، ليحظي بمحصلة وافرة من المعرفة بالتاريخ والفيزياء والرياضيات ، لكنه اضطر للانقطاع عن الدراسة عام 1837 امتثالا لرغبة والده ، وليعمل معة بالصناعة ، وقد تأثّر”فريدريك” في سنّ مبكّرة بالهيغلية اليسارية ، وأضحى من اشد المتاثرين بها وخصوصا في مناهضتها للاهوت، وكتب عام 1841 مقالين للرد على شيلنغ الذي انتقد مذهب هيجل ، وإثر انتهاء خدمته العسكرية أقام في إنجلترا فى الفترة من عامى 1842 و1844، واستطاع اقامة علاقات متميزة مع قادة الحركات العمالية ، وليتمكن في هذه الفترة الوجيزة من الاطلاع على العديد من كتابات عدد كبير من المفكرين الفرنسيين والإنجليز في مجال الاقتصاد ، أمثال كتابات آدم سميث وجون ستيوارت ميل وريكاردو وبرودون وفورييه .

و تعرف “إنجلز” على البروليتاريا عن كثب في انجلترا في مركز الصناعة الانجليزية في “مانشستر” حيث عمل عام 1842 مستخدما في مؤسسة تجارية كان ولدة مسهما فيها بنسبة كبيرة ، فلم يكتف بعمل بسيط في مكتب المصنع بل زار الأحياء الفقيرة حيث كان يقطن العمال الكادحين ، ليرى بنفسة حجم معاناتهم اليومية ومدى بؤسهم ، كذلك لم يكتفى ايضا بملاحظاته الشخصية بل اطلع على كل ما دونة الغير من قبله عن حالة الطبقة العاملة الانجليزية ودرس درسا دقيقا جميع الوثائق الرسمية التي تمكن من الرجوع إليها ، وبنظرة الى كتابه : “حالة الطبقة العاملة في انجلترا” والذي صدر عام 1845 ، نجد انة كان ثمرة حقيقية لتلك الدراسات وتلك الملاحظات ، علاوة على ذلك كان “فريدريك” كاتبا ومنظرا سياسيا وفيلسوفا بارعا ، وعندما عاد إنجلز إلى ألمانيا عام 1844 وأثناء مروره بباريس التقى بماركس مرة أخرى ، ويشار إلى أن إنجلز لم ينقطع عن مراسله ماركس الذي غدا هو الآخر اشتراكياً أيضا نتيجة احتكاكه بالاشتراكيين الفرنسيين وهناك قام الصديقان معاً بتأليف كتاب “العائلة المقدسة أو انتقاد النقد”، وفي هذا الكتاب حاول الكاتبان أن يضعا أسس الاشتراكية المادية الثورية ، أما تسمية “العائلة المقدسة” فهي تسمية هزلية للفيلسوفين باور الذين كانا ينظران الى البورليتاريا على إنها جماعة مجردة من كل تفكير انتقادي ، لينتقلوا معا إلى لندن ، حيث أسّسا سنة 1846 “لجان المراسلة الشيوعية”، لتمتين الصلات بين الاشتراكيين الألمان والفرنسيين والإنجليز .

وفي 21 فبراير 1848، أصدر كل من كارل ماركس ، وفردريك أنجلز البيان الأول للحزب الشيوعي، من العاصمة البريطانية لندن ، بلغتهما الأصلية “الألمانية” للتأصيل للنظرية الشيوعية ن وحملت مقدمة البيان : “إن الشيوعيين قد ان لهم أن يعرضوا أمام العالم كله ، طرق تفكيرهم و أهدافهم واتجاهاتهم، و أن يواجهوا خرافة شبح الشيوعية ببيان من الحزب نفسه ، ولهذه الغاية، اجتمع في لندن شيوعيون من مختلف القوميات، ووضعوا البيان الآتي، الذي سيصدر باللغات: الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والإيطالية، و الفلمنكية، والدانماركية” ، شمل البيان الشيوعي 44 فصول هي “برجوازيون و بروليتاريون، بروليتاريون و شيوعيون، الأدب الاشتراكي و الشيوعي، موقف الشيوعيين من مختلف أحزاب المعارضة“. و”مطالب الحزب الشيوعي الألماني” ، وكتب إنجلز وماركس سوياً كتاب “العائلة المقدسة أو انتقاد النقاد”، قبل عام من صدور كتاب “حالة الطبقة العاملة في إنجلترا” لانجلز، الذي صدر 1848، اعتمادا على ملاحظاته وأبحاثه الشخصية ، ليضع الأسس للاشتراكية العالمية .

تنقل إنجلز ما بين الحياة في بروكسل وباريس في الفترة ما بين 1845 إلى 1847، وووطد خلال هذه الفترة هو و ماركس اواصر العلاقات مع المنظمة الألمانية السرية ، المسماة “عصبة الشيوعيين”، التي عهدت لهما بعرض المبادئ الأساسية للاشتراكية ، التي صاغاها فيما بعد ، بعدما امتدت ثورة 1848، التي اندلعت شرارتها الاولى فى باريس ، لتمتد إلى البلدان المجاورة في أوروبا الغربية ، فقد جعلت ماركس وإنجلز يقرران العودة إلى بلادهما ، وهناك في بروسيا الرينانية قاما على رأس الجريدة الديمقراطية “الجريدة الرينانية الجديدة” التي كانت تصدر في مدينة كولونيا ، وكان الرفيقان روح جميع المساعي الثورية الديمقراطية في بروسيا الرينانية ، وقد دافعا بأقصى القوة والعزم عن مصالح الشعب والحرية ضد القوى الرجعية ، غير أن الغلبة كانت لهذه القوى الرجعية ، فعطلت “الجريدة الرينانية الجديدة”. ولما كان ماركس قد فقد جنسيته البروسية أثناء هجرته فقد طرد ، أما إنجلز فقد اشترك في انتفاضة الشعب المسلحة واشتراك في ثلاث معارك من اجل الحرية.

وبعد هزيمة الثوار لجا إلى لندن عن طريق سويسرا ، كذلك جاء ماركس وأقام في لندن أما إنجلز فقد عاد بعد حين مستخدما من جديد ثم شريكا في المؤسسة التجارية نفسها في مانشستر حيث كان قد اشتغل في السنوات الأربعين ، وحتى عام 1870 عاشا إنجلز في مانشستر وماركس في لندن. ولكن هذا لم يكن يمنعهما من أن تكون وحدة أفكارهما وثيقة اشد الوثوق ، فكانا يتراسلان كل يوم تقريبا، وفي هذه المراسلات كان يطالع الرفيق رفيقة بآرائه ومعلوماته ، وكانا يتابعان معا صياغة الاشتراكية العلمية ، وفي عام 1870 أقام إنجلز في لندن مواصلا مع ماركس حياتهما الفكرية المشتركة الزاخرة بنشاط شديد حتى عام 1883 عام وفاة ماركس ، وقد كانت ثمرة هذا العمل بالنسبة لماركس – كتابه: “رأس المال”، أعظم مؤلف في الاقتصاد السياسي في عصرنا ، وكانت بالنسبة لإنجلز عددا من المؤلفات الكبيرة والصغيرة ، كان ماركس يعمل في تحليل الظاهرات المعقدة في الاقتصاد الرأسمالي ، وكان إنجلز يعرض في مؤلفاته بأسلوب واضح وجدلي في كثير من الأحيان اعم القضايا العلمية ومختلف وقائع الماضي والحاضر ضمن اتجاه المفهوم المادي للتاريخ لدى ماركس ونظريته الاقتصادية ، وبعد وفاة ماركس فى 14 مارس 1883 ، وبعدها بثلاثة أيام ألقى انجلز هذا الخطاب باللغة الانجليزية على ضريح ماركس بمقبرة هايغايت بلندن حيث دفن هناك ، حيث تحدث انجلز بالانجليزية وظهر الخطاب في صحيفة ألمانية في ترجمة ألمانية ثم نشر الخطاب بالانجليزية مترجما عن الألمانية : ” في الرابع عشر من مارس وعلى الساعة الثالثة إلا ربع ظهرا توقف أعظم مفكر عن التفكير. لقد ترك وحيدا لدقيقتين بالكاد وحينما عدنا وجدناه جالسا في كرسيه نائما في هدوء ولكن إلى الأبد ، إنها خسارة لا تـقاس ضربت كلا من الطبقة العاملة المناضلة في أوروبا وأمريكا وعلم التاريخ بوفاة هذا الرجل. إن الثغرة التي نجمت عن رحيل هذه الروح العظيمة ستبرز بجلاء قريبا ، فمثلما اكتشف داروين قانون تطور الطبيعة العضوية اكتشف ماركس قانون تطور التاريخ البشري: الحقيقة البسيطة التي تخفيها هيمنة الايديولوجيا وهي أن الإنسان يجب أولا أن يأكل ويشرب ويجد المأوى والملبس قبل أن يصبح في استطاعته الإهتمام بالسياسة والعلم والفن والدين الخ… وبالتالي فإن إنتاج الوسائل المادية الضرورية للعيش ومن ثمة درجة التطور الاقتصادي المحققة من طرف شعب ما أو في حقبة ما تشكل الأساس الذي تقوم عليه مؤسسات الدولة والمفاهيم الشرعية والفن وحتى الأفكار حول الدين التي يختص بها هذا الشعب أو ذاك وعلى ضوئها يجب أن تفسر وليس العكس كما هو الحال ، ولكن ليس هذا كل ما في الأمر. فقد اكتشف ماركس أيضا القانون الخاص بالحركة الذي يحكم نمط الإنتاج الرأسمالي لعصرنا والمجتمع البرجوازي الذي خلقه هذا النمط من الإنتاج. إن اكتشاف فائض القيمة سلط الضوء فجأة على المشكلة محاولا حل ما عجزت عن حله جميع البحوثات السابقة من لدن الاقتصاديين البرجوازيين وكذلك النقاد الاشتراكيين ، إن هذين الاكتشافين لأمر كاف في حياة شخص. وسيكون سعيدا ذاك الذي يتسنى له تحقيق ولو إحدى هذين الاكتشافين ، علاوة على ذلك فإنه وفي كل حقل بحث فيه ماركس – ولئن بحث في حقول عديدة ولم يكن ذلك بسطحية في أي منها – حتى في حقل الرياضيات قام ماركس باكتشافات مستقلة ، هكذا كان ماركس رجل علم. إلا أن ذلك لم يكن يمثل ولو نصف هذا الرجل. لقد كان العلم بالنسبة لماركس حركية -دينامية- تاريخية وقوة ثورية. ومهما كان سروره عظيما بأي اكتشاف جديد في العلوم النظرية ولئن كانت تطبيقاتها مستحيلة البلوغ فإنه كان يعيش سرورا من نوع آخر حين يشمل الاكتشاف الجديد تغييرا ثوريا مباشرا في الصناعة وفي التطور التاريخي عموما. فعلى سبيل المثال كان متابعا عن قرب لتطور الاكتشافات المحققة في مجال الكهرباء وآخرها تلك لمارسال دوبري Marcel Deprez ، كان ماركس قبل كل شيء ثوريا. وكانت مهمته الأولى في الحياة المساهمة بطريقة أو بأخرى في الإطاحة بالمجتمع الراسمالي وبمؤسسات الدولة التي جلبها معه وكذلك المساهمة في تحرير البروليتاريا الحديثة الذي كان أول من جعلها تعي بموقعها وحاجاتها وتعي بشروط تحررها. لقد كان الكفاح أمرا أساسيا بالنسبة له فكافح بحب وعزم ونجاح لا ينافسه فيهم إلا قليلون ، وكان عمله في الجريدة “الرينانية الأولى” 1842 وفي “إلى الأمام” الباريسية 1844 Vorwarts – وفي جريدة “البروكسالي” Brussler الألمانية 1847 وفي “الرينانية الجديدة” 1848-1849. وفي “التريبيون” النيويوركيةNew York Tribune 1852-1861. وبالاضافة إلى ذلك إشرافه على نشريات نضالية وعمله في منظمات في باريس وبروكسال ولندن وأخيرا توج كل ذلك بتكوينه جمعية الرجال العاملين العالمية. كان ذلك انجازا بإمكان محققه أن يفخر به حتى ولو لم ينجز شيئا غيره ، وكنتيجة لذلك كان ماركس أفضل المكروهين وأكثر المشهَّرين بهم في عصره فقامت حكومات مطلقة وجمهورية على حد السواء بترحيله عن أراضيها وتنافس البرجوازيون من المحافظين أو من أقصى الديمقراطيين بالتشهير والثـلب لشخصه. لقد أزاحوا ماركس كما تزاح خيوط العنكبوت. لكن لم يعر ماركس اهتمامه بذلك ولم يردّ إلا عندما دعته الضرورة إلى الرد. ومات محبوبا ممجدا ونعته الملايين من العمال الثوريين من مناجم سيبيريا إلى كاليفورنيا وفي كافة أنحاء أوروبا وأمريكا ، ولمن المهم القول أنه برغم خصومه العديدين فبالكاد كان له عدو شخصي واحد ، سيخلد إسمه على مر العصور وكذلك أعماله” ، وبعد وفاة ماركس أصبح إنجلز وحده المستشار والمرشد للاشتراكيين الأوروبيين ، كذلك قام إنجلز بالعبء الثقيل بعد وفاته رفيقة فنقح واصدر المجلدين الثاني والثالث من “رأس المال”: فقد نشر المجلد الثاني في 1885 والثالث في 1894 “و لم يتوافر له الوقت لتحضير المجلد الرابع” ، ولقد اضطر لبذل مجهود كبير جدا لتحضير وإصدار المجلدين المذكورين ، ويدعوا إلى تأسيس الأممية الثانية ، و من اهم مؤلفاته : “شيلنغ والرؤيا” “1842”، “الأسرة المقدسة أو نقد النقد” بالتعاون مع كارل ماركس “1846”، “ظروف الطبقة العاملة في إنجلترا” “1845”، “معارضة دوهرينغ”، “أصل العائلة والملكيّة الخاصة والدولة”، الجزء الثاني والثالث من “رأس المال” ، و”مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي”، “ظروف الطبقة العاملة في انجلترا” ، “مبادئ الشيوعية”، “الحرب الفلاحية في ألمانيا”، “الثورة والثورة المضادة في ألمانيا”، “لودفيج فيورباخ ونهاية الفلسفة الألمانية الكلاسيكية”، “الرد على دهرينج”، وفي 5 أغسطس “اب” 1895 توفي فريدريك إنجلز في لندن ن لقد كان إنجلز بعد رفيقة كارل ماركس الراحل في 1883 ، أبرز عالم ومرب للبروليتاريا المعاصرة في العالم بأسره ، ومنذ أن جمع المصير كارل ماركس وفردريك إنجلز أصبح عمل حياة الرفقين عملا مشتركا ، وقد نعاه لينين قائلاً ” أي مشعل للفكر قد أنطفأ، أي قلب توقف عن الخفقان”».