د. علي ناصر كنانة : جيوش اللغة والإعلام -دراسة في لغة وإعلام الغزو الأمريكي للعراق 2003-

alikana

موضوعات جريدة اليسار العراقي – الحلقة الأولى – الاستهداف الأمريكي المبكر للعراق

خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ بتاريخ 23 مايو 1991، بُعَيدَ إخراج القوات العراقية من الكويت، حضرها وزير الخارجية جيمس بيكر، قال السيناتور باتريك ليهي Patrick Leahy: “أعتقد أنه يتوجّب علينا البدء بالتخطيط لحرب الخليج الثانية خلال سنوات قليلة اعتباراً من الآن، لأنّ عدم الاستقرار كله سيبقى” . وعندما يقول ليهي “حرب الخليج الثانية” فإنه يعني العراق طرفاً فيها، وأن السنوات القليلة التي أشار إليها سرعان ما حانتْ، ففي عدد ديسمبر 1996 من Weekly Standard، إحدى مجلات المحافظين، وضعت المجلة عنواناً عريضاً بارزاً: “Saddam Must Go: A how-to Guide”، يحيل إلى ملف عن العراق، إذ كتبَ الافتتاحية زلماي خليل زاد Zalmay M. Khalilzad، إضافة إلى باول ولفويتز Paul Wolfowitz. وقد كتبَ خليل زاد: “سننضطر لمجابهته عاجلاً أم آجلاً.. وعاجلاً ستكون أفضل” . وفي عام 1997 صاغَ بعض كبار المحافظين الجدد “مشروع القرن الأمريكي الجديد Project for the New American Century” الذي شدّد منذ البداية على التشدّد ضد العراق . وفي 26 كانون الثاني 1998 وجّهَ “مشروع القرن الأمريكي الجديد” رسالةً مفتوحة إلى الرئيس كلينتون حملتْ دعوةً صريحة ولحوحة للتخلّص من نظام صدام حسين:
“نحن نحثكم على الاستحواذ على تلك الفرصة، وإعلان استراتيجية جديدة تضمن مصالح الولايات المتحدة وأصدقائنا وحلفائنا من حول العالم. تلك الاستراتيجية ينبغي أن تهدف، قبل كل شيء، إلى إزالة نظام صدام حسين من السلطة. نحن نقف مستعدّين لتقديم دعمنا الكامل لهذا المسعى الصعب لكن الضروري./…/ السيد الرئيس، إن أمن العالم في الجزء الأول من القرن الحادي والعشرين سيتقرّر إلى حدّ كبير من خلال الكيفية التي يُعالج بها هذا التهديد. /…/ الاستراتيجية الوحيدة المقبولة هي في التخلّص من إمكانية العراق استخدام أو التهديد باستخدام أسلحة الدمار الشامل. وهذا يعني، في المدى القريب، الشروع بالعمل العسكري إذ فشل الدبلوماسي بشكل واضح. وفي المدى البعيد، يعني إزاحة صدام حسين ونظامه من السلطة. ذلك يحتاج ليصبح هدف السياسة الخارجية الأمريكية” .

يستخدم المشروع لغةً تضخيمية تتجلّى في مفرداتٍ متنوّعة للتعبير عن غرضٍ دلالي واحد، وتستعمل في بنيتها أسلوباً شبيهاً بالمنطق الرياضي في استخلاص نتائج المعادلات:

وإذا ما دقّقَ المرء في هذه المعادلات فإن الاستهداف يظهر في أوضح صورهِ في أن ضمان مصالح أمريكا وحلفائها وأصدقائها وأمن العالم كله والاستراتيجية الوحيدة المقبولة لتكون هدفاً للسياسة الخارجية الأمريكية، كل ذلك يتحقّق من خلال الإطاحة بنظام صدام حسين. وبكلمة أخرى يربط خطاب مشروع القرن الأمريكي الجديد جدلياً بين هيمنة الولايات المتحدة وإزاحة صدام حسين ونظامه، أي أن الهدف الأول لا يتحقق بوجود الثاني، بمعنى أن القرن الحادي والعشرين لن يكون أمريكياً بوجود صدام حسين. إنها معادلة لغوية تدفع إلى الجنون والانفلات والقتل. وبالرغم من الحذق اللغوي والأسلوبي الذي حاول به PNAC طرح موضوع استهداف صدام حسين، ولكن ما شابَ هذا الأسلوب هو الإلحاح المحموم في تكرار ذكر الإطاحة بنظام صدام حسين، وهو إلحاح غير مرغوب وغير مطلوب من الناحية البلاغية، ولكنه ضروريٌ من زاوية التأثير على المتلقي، خاصة إذا كان هذا المتلقي هو رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وصنّاع القرار.
وفي دراستهما للغة “مشروع القرن الأمريكي الجديد” يلحظ شيلدون رامبتون وجون ستوبر أن هذه الأفكار “ستتصاوتُ راديكاليةً إلى حدٍّ ما إذا ما أُعلنتْ بشكل واضح جداً، وهكذا فإن PNAC احتاجَ لإيجاد لغةٍ يمكن أن تنعّمَ معانيه . في تقريره يصرّح PNAC بأن الولايات المتحدة تحتاج إلى “إنجاز واجبات constabulary duties، شِرَطِيّة، بالارتباط مع تشكيل البيئة الأمنية في المناطق المتأزمة”. ينظر رامبتون وستوبر إلى تعبير “واجبات شِرَطيّة” على أنه أسلوب غامض لتحويل احتلال الجنود الأمريكان لدول أجنبية إلى شرطة محلية ودودة، و”تشكيل البيئة الأمنية” إلى لغةٍ مؤدّبة للسيطرة على شعوب أخرى بفوّهة البندقية، و”مناطق متأزمة” إلى أسلوب لطيف للقول “بلدان نريد السيطرة عليها”. ومثل ذلك، الأسلحة النووية الأمريكية – التي تُدعى عادة، أسلحة الدمار الشامل، إذا ما امتلكها أي منهم – توصف “أسلحة الردع النووي الأمريكية”، بينما تُسمّى الصواريخ العابرة للقارات “دفاعات للدفاع عن الوطن الأمريكي Defenses to defend the American homeland” .
إن لغة تنعيم المعاني التي يشير إليها رامبتون وستوبر، يلجأ إليها المشروع في الحديث عن جميع القضايا ما عدا واحدة، تلك هي عندما يحين أوان الحديث عن إسقاط نظام صدام حسين، هنا تشحن اللغة بأكثر صورها مباشرةً وجرأةً وتحدّياً. ومن جانبنا نرى أن خطاب المشروع يخفي ما هو أخطر من أي فكرة أخرى. فما لم يصرّح به الخطاب هو أن صدام حسين ونظامه يمثّلان في هذا السياق كنايةً عن العراق، لأنهم يدركون أن صدام حسين ونظامه لا يشكّلان أي تهديد بهذا الحجم.
وهكذا نرى أن مشروع القرن الأمريكي الجديد، منذ نشأتهِ، استهدفَ العراق تصريحاً وتلميحاً بلغةِ استهدافٍ لم نلحظ مثيلاً لصرخانيتها وإنشائيتها في أي تقرير أو دراسة استراتيجية أخرى على قدر ما اطّلعنا. وما إن خاض المحافظون الجدد، الذين يهيمنون على قيادة الحزب الجمهوري ومشروع القرن الأمريكي الجديد، انتخابات الرئاسة الأمريكية في نوفمبر 2000 أشار الكثير منهم إلى العراق كعمل خطير غير منجز – وقد كانت هذه شفرة للإشارة إلى ضعف قيادة الرئيس الديمقراطي، التي يتهمونها، كما يظهر، بعدم حسم موضوع العراق، ويتجاهلون قيادة الرئيس الجمهوري جورج بوش الأب الذي ترك هذا العمل غير منجز عام 1991، أي لم يتم إسقاط الرئيس العراقي صدام حسين.
في تقرير مشروع القرن الأمريكي الجديد الموسوم “إعادة بناء الدفاعات الأمريكية: استراتيجيات، قوات وموارد لقرن جديد Rebuilding America’s Defenses: Strategies Forces and Resources for a new century. “، الذي نشره عام 2000 يؤسس أعضاء المشروع للكثير من الثقة العقلية بالسياسة الخارجية لإدارة بوش. وقد أُنتقد التقرير عبر العالم كمخطط تفصيلي للهيمنة الكونية الأمريكية، إذ بدأ بإعلان أن الولايات المتحدة في الوقت الحاضر قوة عظمى وحيدة “لا تواجه منافساً عالمياً”. وأن الاستراتيجية الأساسية لأمريكا ينبغي أن تهدف إلى “الحفاظ على هذا الموقع النافع والاستمرار فيه لأطول فترة ممكنة في المستقبل”. ولتحقيق هذا الهدف، يُفضّل إقامة قواعد عسكرية أمريكية دائمة في الشرق الأوسط وفي أقاليم أخرى في العالم خالية من القواعد، بما في ذلك جنوب شرق أوروبا، أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا . وفي هذا السياق، ومرةً أخرى يؤكد تقرير PNAC على ضرورة التخلص من صدام حسين لأنه يقف حائلاً أمام كل شيء كما يوحي التقرير:
“من منظور أمريكي، تكمن قيمة هكذا قواعد في بقائها حتى لو أزيح صدام من المسرح. وعلى مدى طويل، قد تبرهن على أن إيران تمثل تهديداً كبيراً للمصالح الأمريكية في الخليج كما كان العراق. وكذلك ينبغي أن تتحسّن العلاقات الأمريكية – الإيرانية، ولكن الاحتفاظ بقواعد متقدّمة في الإقليم تظلّ عنصراً أساسياً في استراتيجية الأمن الأمريكي بشأن المصالح الأمريكية الطويلة المدى في المنطقة”.
ويعلّق رامبتون وستوبر على هذه الفقرة بما يلي: “إذا ما ترجمنا هذه الفقرة إلى إنجليزية خالصة ستكون هكذا: “لا يعنينا أي نوع من الحكومة لديهم، نريد جنودنا هناك حتى نستطيع السيطرة على نفطهم”. ومع ذلك، هناك محرّمات ضد قول ذلك بصراحة، وهكذا يتحدّث أصحاب المشروع عن “قواعد متقدّمة” في أسلوب تلطيفي بدلاً من الجنود، و”مصالح أمريكية طويلة المدى” تلطيفاً للقول “نفط” .
خلال مناظرات ديسمبر 1999 بين مرشحي الرئاسة الأمريكية، تراجع الرئيس بوش عن قوله: “take ’em out”، إذا كانت لديه أسلحة دمار شامل” عندما سئلَ عمّا إذا كان قال: “take him out”، فأجابَ:
“Take out the weapons of mass destruction” . وما إن تمّ انتخاب الرئيس جورج دبليو بوش حتى بدأت إدارته العمل على سياسة جديدة حيال العراق، عندما قام وزير الخارجية كولن باول – كما ذكرنا – بزيارة المنطقة في فبراير 2001 ليدعو إلى تشديد العقوبات بما يدعى – العقوبات الذكية – كسبيل لإعادة بناء دعم الأمم المتحدة لنظام العقوبات. ولكن الفكرة ماتت داخل الإدارة نفسها بسبب الأزمة الأمريكية الصينية بشأن طائرة التجسّس الأمريكية التي احتجزتها الصين. ثم جاءت أحداث 11 سبتمبر لتعيد صدام حسين إلى الواجهة، ليس لأنه طرفٌ في الهجمات، ولكن لأنه “العمل غير المنجز” الذي حان وقت إنجازه بالنسبة إلى الإدارة، فهو “حاكم مارق واجه المجتمع الدولي، ولا يخفي دعمه للمنظمات المعادية لإسرائيل، وفي الأقل ما زال يتحدّى الولايات المتحدة. إنه النموذج المناسب. أي أن الخطة العامة التي تمّ إعدادها منذ عشر سنوات حان الوقت لإعادة النظر فيها .
وما يستدعي التعليق على هذه الفقرة، هو حجم الإيهام اللغوي الذي يستحضر ما أدعوه “الوهم المقبول” لتمرير “الحقيقة المرفوضة”، فالقول (حاكم مارق واجه المجتمع الدولي) هو اختراع لغوي أمريكي لواقع غير قائم، لأن الحاكم (صدام حسين) قدّمَ التنازلات واحداً تلو الآخر من أجل إرضاء “المجتمع الدولي”. وهو “مارق” لأنه لا يروق للولايات المتحدة، كأي حاكم آخر لا ينتظم بالشكل المطلوب في سياقات متطلبات الهيمنة الأمريكية على العالم. أما “المجتمع الدولي”، فهو مفهوم اخترعتْهُ الولايات المتحدة أيضاً، كما ذكرنا سابقاً، لتختبئ وراءه. أمّا الجملة (وفي الأقل مازال يتحدى الولايات المتحدة)، فهو تنويعٌ لغوي على تهمةِ “المروق”، بالرغم من أن صدام حسين لم يكن يعرب عن تحدٍّ حقيقي للولايات المتحدة، وهي تعرف ذلك، ولا تنكر محاولات نظامه منذ عام 1990 إيجاد قنوات للتفاهم مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة التي كانت كلها ترفض هذه العروض ولا تقبل بغير شروط تعجيزية.
وهاتان الجملتان اللتان تعبِّران عن “المروق” و “التحدي” تعكسان “الوهم المقبول” الذي يلقى رواجاً في أوساط دولية عريضة. بَيْدَ أن ما وردَ بينهما فيأتي تمثيلاً لـ”الحقيقة المرفوضة”: (ولا يخفي دعمَهُ للمنظمات المعادية لإسرائيل). ويُلاحظ أن الخطاب لا ينعت هذه المنظمات بالإرهابية، ولكن دعمها يكفي ليجعل من صدام حسين “نموذجاً مناسباً”. أي أن أصل المسألة هو في البحث عن “نموذج مناسب”، لتحقيق الهيمنة الأمريكية، ولكن هذا النموذج تتحقّق نموذجيته المناسبة من خلال دعمه للمنظمات المعادية لإسرائيل التي تمثّل معادلاً موضوعياً للولايات المتحدة.
يذكر روبرت دريفوس وجاسون فيست Robert Dreyfuss and Jason Vest أن “قضية احتلال العراق بُحثتْ في الاجتماع الأول لفريق الأمن القومي المحيط ببوش، بعد يوم واحد من انتقاله إلى مكتبه بالبيت الأبيض في كانون الثاني 2001، طبقاً لأحد المشاركين في الاجتماع” . وينقل جان ماير عن بروك Brooke أن ولفويتز دعاه في وقت مـتأخر من الليل في فبراير 2001، أي بعد فترة قصيرة من استلام إدارة بوش مكاتبَها، ليبشّرَهُ أن أوان خلع صدام قد حان . ويذكر وزير الخزانة الأسبق بول أونيل أن تغيير النظام في العراق كان على الأجندة في أول اجتماع لبوش بمجلس الأمن القومي في 30 كانون الثاني 2001. ويؤكد أن بوش ومستشاريه، بعد ذلك، استحوذوا على الحادي عشر من سبتمبر لخلق حالة تمهّد لإزاحة صدام حسين، بدلاً من تسليط الضوء على بن لادن واستراتيجية للأمن والاستقرار في أفغانستان . ويكشف أونيل (في كتابه: (ثمر الولاء): أن جورج بوش الذي ترأس الاجتماع، أبلغ فريقه بقرارين: الأول تنحية كل ما يتعلق بعملية السلام بين العرب وإسرائيل جانباً حتى لو كان هذا يعني إراقة المزيد من الدماء، والثاني التركيز على العراق وضرورة غزوه عسكرياً. وطلبَ من مساعديه يومها: “اذهبوا واعثروا لي على طريقة للتنفيذ” .
تلتقي هذه الشهادات كلها عن حقيقة أنّ العراق كانَ وارداً على أجندة المحافظين الجدد بصفته الهدف الأول، حتى لو اقتضتْ معالجتُهُ المرورَ بهدفٍ آخر استعراضي، يقول جورج شولتز، مثل أفغانستان. ويروي المستشار السابق في وزير الخارجية الأمريكية ديفيد ل. فيليب أن ريتشارد أي. كلارك، مسؤول مكافحة الإرهاب في إدارة بوش، اندهشَ عندما طرح دونالد رامسفيلد، بعد أيام من 11 سبتمبر، فكرة ضرب العراق. ولاحظ كلارك عدم وجود أي صلة بين القاعدة والعراق. وطبقاً لكلارك، اشتكى رامسفيلد من افتقار أفغانستان للأهداف ذات القيمة العالية، قائلاً:
“لا أريد أن أطلق صاروخاً بتكلفة مليون دولار على خيمة بقيمة خمسة دولارات”.
فأجاب كلارك:”لا.. لا. القاعدة في أفغانستان، نحتاج لقصف أفغانستان” .
ويدل الحوار على عملٍ متواتر، بخفاءٍ حيناً وبعلانيةٍ حيناً آخر، من أجل إيجاد صلة غير واقعية بين العراق والقاعدة، أي صلة للاستهلاك اللغوي الإعلامي، تبرّر الخطط المطلوب تنفيذها. ولعلّ أكثر القصص فجاعةً ما رواه كلارك بهذا الصدد:
” سحبَني الرئيس إلى داخل غرفة مع اثنين آخرين، أغلق الباب، وقال: أريدك أن تخلق جوّاً بأن العراق فعل هذا. المحادثة كلها تركتْني غير مصدّق على الإطلاق إن جورج بوش يريدني أن أعود بتقرير يقول:”العراق فعل هذا” .
ثم يعبّر بوش بنفاد صبر عن رغبته الكامنة، مستخدماً مجازين متنافرين بلاغياً، فلا علاقة بين الذباب والرياضة، إلا في ما أراد بوش إيصاله لمساعديه بما لا يقبل الشك:
“لقد سئمتُ من ضرب الذباب. سئمت من اللعب مدافعاً. أريد أن ألعب هجوماً. أريد أن أبادر بقتال الإرهابيين “.
I’m tired of swatting flies. I’m tired of playing defense. I want to play offense. I want to take the fight to the terrorists.
إن المجاز في القول: (سئمتُ من ضرب الذباب) يعني الشعور بالبطالة. وهو تعبيرٌ من الغرابةِ أن يجري على لسان رئيس أمريكي منتخب للتو وأمامه الكثير مما ينبغي أن ينجزه لشعبه. ولكنه قد يعني عند الرئيس بوش أن الهدف الأساسي له هو أن يحارب وقد سئم انتظار لحظة القتال كما توحي بذلك الجمل اللاحقة. وكان غزو أفغانستان سهلاً إلى الحد الذي أغرى بالسعي نحو إتمام العمل الخطير غير المنجز: غزو العراق.
وفي تقريرٍ، نشرته واشنطن بوست، يتناول غلين كيسلر Glenn Kessler أسئلة استهداف العراق في عقلية إدارة بوش، فيذكر أن الرئيس بوش وقّعَ، في 17 سبتمبر 2001 أي بعد ستة أيام من هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وثيقةً، من صفحتين ونصف، دُمِغَتْ بختم “سرّي للغاية” وأشارتْ إلى خطة محاربة أفغانستان كجزء من حملة كونية ضد الإرهاب. مسؤول رفيع المستوى في إدارة بوش أبلغَ كيسلر أن الوثيقة وجّهت البنتاغون كذلك للشروع في التخطيط للخيارات العسكرية لغزو العراق .
وفي ديسمبر 2001، أُبلغ الجنرال تومي فرانكس بأن على القيادة المركزية لوزارة الدفاع أن تشرع في إعداد خطة الحرب للعراق، إذ تتضمن خطوط الهجوم، أهدافاً محدّدة للصواريخ والطائرات الأمريكية، وتشكيل قوات برية آلية. وقد مُنحت وكالة المخابرات المركزية من 100 – 200 مليون دولار إضافية لتغطية العمليات. ويذكر كلارك أن البيت الأبيض حوّل 700 مليون دولار من أفغانستان لتمويل البنية التحتية التي يمكن استخدامها في العملية العسكرية في العراق .
يورد بوب وودورد Bob Woodward في كتابه “Bush at war” إن اجتماع الحرب عُقِد في 15 سبتمبر بكامب ديفيد فالكثير من صقور البيت الأبيض القياديين ضغطوا على الرئيس بغية دفعه نحو الحرب ضد العراق، سواء كان أو لم يكن على صلة بالحادي عشر من سبتمبر. فعندما اجتمعت المجموعة، سأل رامسفيلد، أليس هذا أوان الهجوم على العراق؟ وأشار إلى أنه ستكون هناك جاهزية كبيرة للقوات في المنطقة، وهو ما زال قلقاً بعمق بشأن وجود أهداف جيدة في أفغانستان. وسبقَ لولفويتز أن ضربَ على الطبلِ نفسه ، قائلاً: “مهاجمة أفغانستان ستكون غير مأمونة”. كان قلقاً على مائة ألف من القوات الأمريكية يتم توريطهم في قتال جبلي في أفغانستان لستة أشهر. على العكس من ذلك، كان العراق هشّاً، وذا نظام ظالم، يمكن أن ينكسر بسهولة. وقدّر أن هناك فرصة بنسبة 10-50% بأن صدام كان متورطاً في هجمات “سبتمبر الإرهابية”. ويجب على الولايات المتحدة أن تلاحق صدام في وقتٍ ما، إذا ما أُخذتْ الحرب على الإرهاب بشكل جدّي” .
يُلاحظ في البنية اللغوية لأفكار رامسفيلد وولفويتز منطقٌ غير عقلاني ظاهرياً، فالأول (رامسفيلد) يقول: (لا أريد أن أطلق صاروخاً بتكلفة مليون دولار على خيمة بقيمة خمسة دولارات)، وكأن قرار الغزو (الحرب) ينبع من مقدار القيمة الاقتصادية أو المالية للهدف الذي يراد تدميره. فيما يقول الثاني (ولفويتز): (مهاجمة أفغانستان ستكون غير مأمونة) والعراق بلد هش وقابل للكسر بسهولة وملاحقة صدام حسين هي الجدية في الحرب على الإرهاب. وكأن الأمر يتعلق باستبدال هدف مأمون بآخر غير مأمون، وليس بأسباب موجبة للغزو، كما يحاول ولفويتز أن يلمّح إليها من دون دليل: (يجب على الولايات المتحدة أن تلاحق صدام في وقتٍ ما، إذا أخذت الحرب على الإرهاب بشكل جدّي)، في إشارة إلى أن الإطاحة بصدام حسين أمرٌ لا بدَّ منه. إن ما يبدو على أنه منطق غير عقلاني إنما هو تلاعبٌ باللغة لإقناع الرئيس بالمنطق القوي الخبيئ الهادف لغزو العراق بذريعة إسقاط نظام صدام حسين تحت مظلّة الحرب على الإرهاب، وقدَ وردَ بشكلٍ صريحٍ في الثامن عشر من سبتمبر 2001، عندما وجّهتْ إحدى وأربعون شخصية بارزة من المحافظين الجدد، المنضوين تحت لواء “مشروع القرن الأمريكي الجديد” الذي يقوده وليام كريستول، رسالةً إلى الرئيس بوش دعتْهُ فيها بقوة إلى غزو العراق:
نتفق مع التصريح الأخير لوزير الخارجية كولن باول بأن صدام حسين “واحد من أبرز الإرهابيين على وجه الأرض”.. وقد تكون الحكومة العراقية منحت دعماً بشكلٍ ما للهجوم الأخير على الولايات المتحدة. ولكن حتى لو لم يوجد دليل يربط العراق مباشرة بالهجوم، فإنّ أي استراتيجية تستهدف استئصال الإرهاب ورعاته يجب أن تتضمن جهداً حاسماً لإزاحة صدام حسين من السلطة في العراق. وإن الفشل في الالتزام بهكذا جهد سوف يشكّل استسلاماً مبكراً وربما حاسماً في الحرب على الإرهاب الدولي .
يعود مشروع القرن الأمريكي الجديد، بأبرز شخصياته، وبلغةٍ تُراكم الحجج لبناء منطقها اللغوي من دون اكتراثٍ لقوة أو هشاشة هذا البناء طالما تعلّقَ الأمر بالعراق فيحضر التصريح بجرأتهِ المألوفة:
– يلجأ محرّرو الرسالة إلى الاستعانة باقتباس عن كولن باول يفتقر لأسانيد يمكن أن تعضّدَهُ.. ولعل هذا التصريح جرى على لسان باول بمثابة “الشتيمة” في لحظة حانقة: (صدام حسين واحد من أبرز الإرهابيين على وجه الأرض). فلم يصدر عن أي مسؤول أمريكي، وفي أكثر الأجواء احتقاناً، تصريح يغامر بالقول أن صدام حسين “إرهابي”، بل أن محاولة زج اسمه في “دعم الإرهاب” كانت تتم عبر التلميح من دون التصريح، وكثيراً ما نفى مسؤولون أمريكان حيازتهم لأي دليل يثبت وجود صلة ما بين صدام والإرهاب، بالرغم من المزاعم التي حاولت إدارة بوش اختلاقها لتثبيت هذا الإيهام.
– ويستخدم أصحاب الرسالة الاحتمالية المخادعة التي تمرّر الرسالة من دون أن تتحمّل مسؤولية الدفاع عن مصداقيتها: (وقد تكون الحكومة العراقية منحتْ دعماً بشكل ما للهجوم الأخير على الولايات المتحدة). فالجملة غير الواثقة تبدأ بـ (قد) لتعبّر عن الإيحاء فقط بما يتمنى قائلها أن يكون. ويستخدمون هذه المرة تعبير الحكومة العراقية وليس اسم صدام حسين أو نظام صدام حسين، لإشاعة المزيد من الضبابية والتملّص من المسؤولية. ويواصلون فرضيتهم (منحتْ دعماً بشكل ما) ليؤكدوا غياب أي تصوّر عن هذا الدعم.. والحقيقة اللغوية هنا هي “الافتراض” لتكريس المزيد من الإيحاء بـ “الوهم المرغوب”. ولمزيد من التغريب يحيل محررو الرسالة هذا الدعم “المفترض” شكلاً ومضموناً إلى “الهجوم الأخير على الولايات المتحدة”، في واحدة من المرات القلائل التي لا تُذكر فيها هجمات الحادي عشر من سبتمبر بالاسم، ولطالما كان الأمر إيهاماً فلربما بدا من المناسب إحالتهُ إلى هجوم مجهول من دون تعريف صريح. ولكن الجرأة التي تعصف بأي منطق لغوي هي في القول المتعالي: (ولكن حتى لو لم يوجد دليل يربط العراق مباشرة بالهجوم). وهنا تصريحٌ آمرٌ بأن الافتراضات والاحتمالات، صحّتْ أو لم تصحْ، لا نحتاج لمصداقيتها في أن العراق على صلة بأحداث الحادي عشر من سبتمبر أم لا لأن إزاحة صدام حسين يجب أن تكون في صميم استراتيجية الحرب على الإرهاب. وأي شيء غير ذلك سيكون استسلاماً مبكراً وحاسماً. لاشيء آخر غير العراق إذاً.. هذا هو الهدف.
وفي 19 سبتمبر 2001 ذكرت نيويورك تايمز أن “بعض مسؤولي الإدارة، بقيادة باول د. ولفويتز، نائب وزير الدفاع، وآي. لويس ليبي، رئيس موظفي نائب الرئيس ديك تشيني، ضغطوا من أجل حملة عسكرية مبكرة وواسعة ليست ضد شبكة أسامة بن لادن في أفغانستان فحسب، وإنما أيضاً ضد قواعد إرهابية أخرى مشتبه بها في العراق وفي إقليم البقاع بلبنان. هؤلاء المسؤولون سعوا إلى ضمّ العراق إلى قائمة الأهداف مع هدف إطاحة الرئيس صدام حسين، الخطوة التي دافع عنها طويلاً المحافظون الداعمون للسيد بوش .
وليس بعيداً عن دوائر “مشروع القرن الأمريكي الجديد” يكتب روبرت كاغان Robert Kagan ووليم كريستول William Kristol بتاريخ 21 كانون الثاني 2002:
“الخطر العراقي هائل. إنه يكبر مع كل يوم يمرّ. ولا نستطيع أن ننتظر/…/ التاريخ يمضي الآن على عجل، والساعة تدق في العراق. إذا ما مضت أشهر كثيرة بدون قرار للتحرّك ضد صدام، قد تزداد المخاطر تصاعدياً في الولايات المتحدة. وبعد الحادي عشر من سبتمبر، لم تعد هذه المخاطر نظرية. في النهاية، ما نفعله وما لا نفعله في الأشهر المقبلة بخصوص نظام صدام حسين في العراق سوف يؤثر بشكل حاسم على أمننا المستقبلي./…/ في المستقبل القريب، العراق هو التهديد والاختبار الأعلى إذا ما تعلّمنا كأمة من درس الحادي عشر من سبتمبر” .
إنَّ قراءةً عابرةً لهذه الفقرة تذكّرُ المرء حتماً بأزمة الصورايخ في كوبا في عام 1962 لأن مثل هذه الجمل المتضخّمة التي تصنع الخوف والحرب يمكن أن تكون مقنعةً لو جرى الحديث عن الإتحاد السوفييتي أيام الحرب الباردة، وتحديداً بعد نقل الصواريخ السوفييتية إلى الأراضي الكوبية. وإنّ مثل هذه الأفكار تدفع بالمتلقي إلى استنتاجين:
– إما أن القائلين بها يقيمون في الأوهام، وهم على قناعة بما يقولون. وهذا احتمال مستبعد.
– وإمّا أن القائلين بها يقصدون اختلاق هذه الأفكار وهذه اللغة لأغراض سياسية صريحة. ولا أرى ذلك احتمالاً قوياً.
– وإمّا أن القائلين بها يختلقون هذا الخطاب بهذه اللغة لأهداف غير صريحة، تتحاشى الكلمات تسميتها. وهذا هو ما أميل إليه.
وإن قناعتي بالخيار الثالث تنبع من إيماني بأنّ كاغان وكريستول يدركان، وسواهما، أنّ لا صلة للعراق بالإرهاب، وإنما هما، ضمن مشروع القرن الأمريكي الجديد، يتبنيّان الاستراتيجية الأمريكية الجديدة (غير المعلنة) التي تقوم على استباق التاريخ ووأد الحتميات التاريخية في مهدها، وإنّ بلداً مثل العراق يمثّل حاضنةً نهضوية قد يشكّل خطراً استراتيجياً على المصالح الأمريكية في المنطقة .

وتنقل الأم جونز Mother Jones عن الصحفيين روبرت دريفوس وجاسون فيست أن إدارة بوش أنشأت وكالةً استخبارية سرية، أصبحت فيما بعد “نواةَ حملةِ التضليل التابعة لوزارة الدفاع″، كان غرضها خلق تبرير لاحتلال العراق. دريفوس وفيست لاحظا من خطاب بوش أنه “بعد يوم واحد من أدائه القسم، كانت قضية احتلال العراق قد برزت”. وقبل الحادي عشر من سبتمبر، بدأت الإدارة تنفيذ خطة طوّرها “مشروع القرن الأمريكي الجديد الذي كانت مهمّته الأساسية حلّ “مشكلة” الشرق الأوسط بتغيير النظام في العراق. ولنشر المعلومات الزائفة، استحدثت الإدارة “مكتب الخطط الخاصة Office of Special Plans (OSP)” ضمن “شؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا New East and South Asian Affairs (NESA) ليُدار من قبل ابرام شولكسي Abram Shulksy تحت إشراف وليم لوتي William Luti من وزارة الدفاع ومدير NESA. وأولئك الذين لم يتفقوا مع البروباغندا المعادية للعراق التي استحدثت من قبل OSP تمّ إبعادهم عن المواقع الاستخبارية المهمة، حسبما ذكرت ليفتنانت كولونيل كارين كويتكوسكي Karen Kwiatkowski التي شهدت مع آخرين بأن “مجموعة العاملين لحساب لوتي وشولكسي قي NESA/OSP “سلقوا” بروباغندا بأسلوب استخباري. وربما جاءت أكثر الأدلة لعنةً من الكولونيل سام غاردينر Sam Gardiner (من القوة الجوية USAF) الذي حدّد 50 قصة إخبارية مزيفة ابتدعَها مكتب الخطط الخاصة OSP: بكلمات أخرى، أول وزارة أمريكية للبروباغندا .
*
منذ الأيام الأولى لاستلام مكاتبهم في البيت الأبيض، تداولَ أركان إدارة جورج دبليو بوش موضوع العراق بصفتهِ “عملاً خطيراً لم يُنجز” في عام 1991 من قبل بوش الأب. ومنذئذٍ بدأ صقور الإدارة في التحضير اللغوي والإعلامي لغرس خطورة العراق وضرورة استهدافهِ عملياً، بما في ذلك عسكرياً، في أذهان الراي العام.