جدل المواطنية والانتماء الطائفي مقاربة للحالة العراقية-د.عبد الحسين شعبان

shabaan11

د. عبد الحسين شعبان*

مقدمــة
انفصل العراق عن الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، بعد احتلاله من بريطانيا 1914-1918، وتأسّست المملكة العراقية من ثلاث ولايات هي: بغداد، والموصل، والبصرة، في 21 آب (أغسطس) 1921 بتنصيب الأمير فيصل ملكاً على العراق، وبعد حكم بريطاني مباشر رفضه العراقيون، وواجهوه بسلسلة من الانتفاضات والتمرّدات، أبرزها انتفاضتَي النجف العام 1918 والسليمانية العام 1919، التجأت بريطانيا إلى عصبة الأمم لمنحها “حق” الانتداب على العراق، وذلك في 25 نيسان (أبريل) العام 1920.
لكن العراقيين المطالبون بالاستقلال واصلوا رفضهم واحتجاجهم، فاندلعت ثورة العشرين في 30 حزيران (يونيو) 1920، التي غطّت العراق من أقصاه إلى أقصاه واستمرّت بضعة شهور، إلاّ أنها لم تتمكّن من تحقيق أهدافها بسبب الوحشية التي استخدمتها بريطانيا في قمعها من جهة، وبالمكر ومحاولات الاستمالة بعض الأطراف من جهة ثانية، وهكذا نجحت في إجهاض الثورة، ومارست بعدها سياسة انتقامية إزاء زعمائها، لتتمكّن من ربط العراق بطائفة من المعاهدات المجحفة والمذلّة، وخصوصاً معاهدة العام 1922 ، ومعاهدة العام 1930 وقد استمرّت صيغة الانتداب لغاية العام 1932، وبعدها حصل العراق على استقلاله، وانضم إلى عصبة الأمم، وإن ظلّ هناك الكثير من القيود التي تثلم سيادته الوطنية.
ثلاث عُقد مزمنة:
منذ أن تشكّلت الدولة العراقية سنة 1921 وإلى اليوم عانت من ثلاث إشكاليات جوهرية، كادت أن تكون عُقداً مزمنة، وهذه العُقد ذات الطبيعة الموضوعية والمنهاجية تتعلق بطبيعة النظام السياسي وفلسفة الحكم والمواطنة والهويّة والحداثة، وهي من نتائج اتفاقية سايكس بيكو التي مضى عليها أكثر مئة عام ، وتراوحت هذه القضايا في حدّتها، واختلفت في تأثيراتها تبعاً للظروف والتداخلات الخارجية والعوامل الداخلية، فقد كانت محدودة في فترة العهد الملكي، بل كادت أن تختفي في فترة العهد الجمهوري الأول، لكنها عادت وبالتدرّج أصبحت بؤرة شديدة السلبية والخطورة، في أواسط الستينات والسبعينات، ولا سيّما خلال فترة الحرب العراقية – الإيرانية 1980 – 1988 وفيما بعد خلال فترة الحصار الدولي المفروض على العراق 1990 – 2003 تمهيداً للاحتلال.
القضية الأولى: عدم الاعتراف بحقوق الأكراد، وكانت اتفاقية لوزان لعام 1923 قد التفّت على معاهدة سيفر لعام 1920 التي اعترفت جزئياً بحقوق الكرد، الأمر الذي دفعهم لعدم المشاركة في الاستفتاء الأول عند تأسيس الدولة العراقية، ولا سيّما بعد ثورة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية العام 1919.
وكانت الإشارة إلى المسألة الكردية قد وردت في قرار لمجلس وزراء الحكومة العراقية المؤقتة، التي نادت بالأمير فيصل الأول ملكاً على العراق، حين جرى التأكيد على مشاركة الأكراد في انتخابات المجلس التأسيسي وفقاً لما نصت عليه معاهدة سيفر. ويُذكر أن معاهدة سيفر بين دول الحلفاء والحكومة التركية بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، نصّت على حق الأكراد بالتمتع بشكل من أشكال الحكم الذاتي يمكن أن يتحّول إلى نوع من الاستقلال مع السماح لأكراد كردستان الجنوبية (أكراد العراق) بالانضمام إليهم إذا رغبوا بذلك.
ولم يكن الانتداب البريطاني الذي فرض على العراق في 25 نيسان (أبريل) 1920 ليتجاهل وجود الأكراد وحقوقهم، فقد نصّت المادة 16 على أن “لا شيء مما في هذا الانتداب يمنع المُنتدِب من تأسيس حكومة مستقلّة إدارياً في المقاطعات الكردية…”، وكانت الحكومة البريطانية قد أوعزت إلى المندوب السامي البريطاني بيرسي كوكس، الإسراع في وضع لائحة القانون الأساسي (الدستور الدائم الذي صدر في العام 1925)، استناداً إلى صك الانتداب والمعاهدة العراقية البريطانية .
وقد تراجعت القضية الكردية وحقوق الأكراد في المحافل الدولية منذ معاهدة لوزان التي أسدلت ستاراً كاد أن يكون كثيفاً عليها، استمرّ سبعة عقود من الزمان . ولذلك ظلّت القضية الكردية دون حلّ ومصدر قلقٍ وتوتر للعديد من دول المنطقة. وكانت على النطاق العراقي تزداد تعقيداً مع مرور الأيام، لا سيّما شعور الأكراد بالتمييز وعدم المساواة، الأمر الذي أدى إلى إضعاف الهويّة الموحّدة، وبالقدر الذي كانت القضية الكردية تكتسب أهمية متزايدة سواءً على صعيد الحكم أو الحركة الوطنية العربية والكردية، فإنها تركت تأثيرات إنسانية خطيرة على وضع الأكراد، ناهيكم عن تأثيراتها السلبية على دول المنطقة وعلى قضية التنمية والديمقراطية بشكل عام.
القضية الثانية: تتعلّق بقوانين الجنسية؛ لا سيّما قانون الجنسية الأول رقم (42) لعام 1924، الذي بذر بذرة الطائفية في العراق ، إضافة إلى حزمة من قوانين الجنسية التي عزّزت من الشعور بالتمييز، خصوصاً حين اقترنت بعمليات تهجير ونزع للجنسية بزعم التبعية غير العثمانية، تحت عنوان الأجانب، وكان المقصود بذلك من هم من أصول إيرانية، وقد شملت حملة التهجير في الثمانينات نحو نصف مليون مواطن عراقي بحجة “التبعية الإيرانية” وعدم الولاء السياسي، والتي اتّسمت بموجة عداء وكراهية عشية وخلال الحرب العراقية – الإيرانية، وقد كانت الثورة الإيرانية والمشروع السياسي الذي رافقها، لا سيّما ما عُرف بـ”تصدير الثورة” والتمدّد إلى الخارج عاملاً من عوامل زيادة الشحن الطائفي الذي استخدم لأغراض سياسية من الأطراف المختلفة .
والقضية الثالثة: عدم اكتمال وتبلور هويّة عراقية جامعة على أساس المواطنة الفاعلة، والتي يمكن أن تتعايش تحت سقفها هويّات فرعية وذات خصوصية وتنوّع وتعدّدية، والسبب يعود إلى ضعف وهشاشة البُنى والتراكيب الدولتية “الحكومية” التي أقيمت تحت عناوين “الديمقراطية” أو غير ذلك، في العهد الملكي وفي العهود الجمهورية التي أعقبته، ومما ضاعف الأمر وأضفى عليه خطورة هو انحسار موجة الحداثة والثقافة المدنية والحقوقية، وإضعاف دور الطبقة الوسطى، وهيمنة الفكر والثقافة التقليديين بالتدرّج.
وارتبط ذلك بتراجعات على مستوى الإقليم بشكل خاص ودول العالم الثالث بشكل عام، بصعود بعض التيارات الدينية وارتفاع رصيد الهويّات الفرعية، علماً بأن العديد من البلدان النامية شهدت موجة من الانقلابات العسكرية التي لعب فيها الجيش دوراً أساسياً، سواء بمشاركة حركات وأحزاب شمولية أو انفراد قيادات عسكرية تسلطية بالحكم، الأمر الذي ساهم في إضعاف التوجّهات الديمقراطية من جهة والهويّة الجامعة من جهة أخرى، خصوصاً بالترابط مع موجة الشحن الطائفي والاصطفافات المذهبية وصعود الهويّات الفرعية .
وقد كان للمركزية الشديدة في السلطة والرأسية في العلاقات دوراً كبيراً في ذلك، خصوصاً بضعف ثقافة الحداثة وعدم تغلغلها في المفاصل الاجتماعية المختلفة، حيث بقت محصورة لدى بعض النخب وأحياناً في قشرتها الفوقية، في حين أن جذور الثقافة التقليدية والموروث الديني كانت عميقة الغور وتحفر في باطن المجتمع بينما ظلّت الثقافة الجديدة تنقر في السطح.
إن فشل المشروع الحداثي بتياراته المختلفة ساهم في صعود المشروع الديني، سواء بطبعته التقليدية أو بطبعته الإرهابية، علماً بأن ما يجمعهما هو إقصاء الآخر وعدم الاعتراف بالتنوّع والتعدّدية ومحاولة إملاء الإرادة، وقد حاولت الجماعات الدينية توظيف الدين بطريقة آيديولوجية مغلقة ولا تقبل الآخر. وكانت التضحية بالحرّية والكينونة الفردية لحساب ما سمي الجماعة أو التضامن الاجتماعي امتداداً للماضي الفلاحي القروي والبدوي على حساب الحداثة ومستلزماتها سبباً آخر في التراجع .
هكذا نشأت الدولة العراقية ضعيفة، ولم تستكمل بناء هويّتها الموحّدة والمتينة، خصوصاً بالقضايا العُقدية التي واجهتها، وبالتدخّلات الإقليمية والدولية، وبعدم الاستقرار الذي عاشته، حيث كانت دولة قلقة، وأقرب إلى الطوارئ أحياناً، فشهدت سلسلة انقلابات عسكرية، وتمرّدات، وثورات، حتى أُطيح بالنظام الملكي سنة 1958، لكن العهد الجمهوري كان أكثر اضطراباً وعنفاً واستبداداً، وضاقت بالتدريج قاعدة الدولة الاجتماعية، حتى جاء الاحتلال الأمريكي إلى العراق على أنقاض الاحتلال البريطاني الأول وأنظمة جمهورية متصارعة وحروب وحصار وتناحرات داخلية، فعمّق من هذه الوجهة وذلك بقرار الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر عند تشكيل مجلس الحكم الانتقالي وفقاً لنظام المحاصصة الطائفية – الإثنية، وقد كان ذلك يعني تعزيز الانتماءات الضيقة الطائفية والإثنية، ولا سيّما بعد إضعاف مرجعية الدولة .
من دولة بسيطة إلى دولة مركّبة
استمرّت الدولة العراقية منذ 1921 وحتى 2003، دولة بسيطة، أي دولة مركزية هرمية الصلاحيات، ولكن مع مرور الأيام أخذت السلطة تتمركز شيئاً فشيئاً وبالتدرّج، بيد واحدة شديدة الصرامة، لكن تلك المركزية بدأت بالتحلّل وإن كانت ببطء شديد، بل إن عوامل التفكّك ازدادت من داخلها، لا سيّما في المراحل الأخيرة من فرض الحصار الدولي على العراق 1990-2003 ، لكن انهيارها المدوي كان بفعل العامل الخارجي، حيث لعب الاحتلال دوراً حاسماً في انحلالها، فبدأ بحلّ الجيش العراقي وقوى الأمن الداخلي، الأمر الذي ساهم في إحلال الفوضى التي عمّت البلاد، وحملت معها فيروس الطائفية التي هبّت رياحها مترافقة مع مظاهر التسلّح، حيث بدأت تتشكّل ميليشيات، بعضها كان قد نشأ في الخارج خلال الحرب العراقية – الإيرانية، إضافة إلى هدر المال العام والفساد المالي والإداري الذي ترافق مع حكومات الاحتلال وما بعده .
ويمكن القول إنه منذ أواخر العام 1991، وبفعل انفصال المنطقة الكردية تحوّلت الدولة العراقية إلى دولة مركّبة دون قرار منها، ولكن بحكم الأمر الواقع، لا سيّما عندما أعلن برلمان إقليم كردستان المنتخب لأول مرّة 1992، الاتحاد الفيدرالي من طرف واحد ، أي أن الدولة أصبحت دولة اتحادية حتى دون إرادتها، وهو الأمر الذي أدى إلى اختلاف في المسارات بين الإقليم “غير المعترف به” من جهة، وبين الحكومة التي خضعت لعقوبات دولية وضغوط وتحدّيات بحكم انتهاكاتها لحقوق الإنسان، إضافة إلى تدخلات خارجية، وهو ما واجه “دولة” ما بعد الاحتلال، التي أقرّت ضمن مسارها الجديد “النظام الفيدرالي” أساساً، حيث ورد النص عليه في “قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية” ، وفي نص الدستور الدائم .
الدولة في طور “مختلف”: المواطنة والطائفية
ثمة خلاصات واستنتاجات أولية يمكن وضعها بعد عرض مسار الدولة العراقية ومسألتَي المواطنة والطائفية على مدى نحو قرن من الزمان، من خلال بعض العلامات الفارقة وهي:
العلامة الأولى – انتقال العراق من الحكم الشمولي، المركزي، الشديد الصرامة، إلى حالة من الفوضى أقرب إلى اللاّدولة، تبلورت على نحو لاحق بصيغ دستورية وقانونية أساسها مركز ضعيف وإقليم قوي، الأمر الذي سيعني مع مرور الأيام تناقض وتعارض في صلاحيات الدولة “الاتحادية” وصلاحيات “الإقليم”، خصوصاً فيما يتعلّق بالتمثيل الخارجي ووضع البيشمركة وعلاقته بالجيش وباتفاقيات النفط واستخراجه وتصديره والتصرف بوارداته، وكل ما يتعلّق بالخلافات الجوهرية بين الدستور الاتحادي ودستور الإقليم. ولعلّ من مخرجات هذه الوضعية هي استمرار التآكل وربما الانحلال بعد محاولة إعادة بناء الدولة بتركيب جديد بعد تفكيكها، لكن مظاهر التآكل ظلت قوية واستمرّت تفعل فعلها، حتى غدا المشهد أقرب إلى التشظّي.
وقد بدت صورة الدولة العراقية قوية وواعدة كما هو ظاهر في الماضي، ولكنها في الوقت نفسه كانت تخفي الكثير من عناصر الضعف في داخلها، وهي التي بدأت تقضم في كيانيتها بفعل شحّ الحرّيات ونقص جرعة المواطنة وانعدام أو ضعف المساواة والشراكة والمشاركة، لا سيّما إزاء المجاميع الثقافية، الإثنية والدينية، وقد ترافق ذلك مع انفراد بالسلطة ومغامرات داخلية وخارجية ونزاعات وحروب وحصار دولي أوصلت الدولة إلى ما هي عليه الآن.
ويمكننا لغرض الدراسة والتشخيص تأشير ورصد بعض الظواهر السلبية التي عانت منها الدولة العراقية في السابق والحاضر، المتعلّقة بالمواطنة والطائفية من خلال ما يلي:
أ – من الناحية النظرية يمكن القول: إن أية وحدة دون المواطنة والمساواة والحرّيات والعدالة الاجتماعية والمشاركة بحدّها الأدنى، ستتحوّل مع مرور الأيام إلى وحدة قسرية أو إكراهية، أو هكذا سيشعر جزء من المواطنين. (والأمر لا يتعلّق بالعراق فحسب، بل يمكن متابعته مع العديد من البلدان ذات الثقافات المتعدّدة)، خصوصاً للذين يشعرون من المجموعات الثقافية المختلفة أنهم ليسوا على قدم المساواة مع الآخرين، أو أنهم “مواطنون من الدرجة الثانية”، سواء كان ذلك بنصوص دستورية كما هي الدساتير العراقية وقوانين الجنسية، أو من الناحية الفعلية وفي التطبيقات والممارسات اليومية، فما بالك حين تفرض صيغة “أغلبية” طائفية على أخرى.
ب – إن الوحدة السائدة إذا كانت مفروضة أو غير مرغوب فيها، ستكون مثل “السمنة” الزائدة، لأنها تخفي خلفها العديد من الأمراض، الكامنة أو التي لا تظهر أحياناً، وبالتالي فالسمنة ليست دليل صحة وعافية، بل هي دليل مرض واعتلال حتى وإن لم تظهر علائمه بصورة سريعة.
ج – انبعاث الهويّات الفرعية الذي وصل إلى ذروته، بل كاد أن ينفجر بُعيد الاحتلال الأمريكي للعراق والذي كانت مقدّماته أسبق من ذلك. ويعود مثل رد الفعل هذا إلى جانب موضوعي يتعلّق بالوضع الجديد الذي فرضه الاحتلال وإلى غياب السلطة المركزية الصارمة، فضلاً عن الشعور المزمن بالإقصاء والتهميش الطويل الأمد، وبعضه إلى جانب ذاتي يتعلّق بتبلور الهويّات الفرعية ذاتها بعد كبت وحرمان، لكن ما هو سلبي في هذه الظاهرة، هو المبالغة في ردود الفعل، لا سيّما التي اتّسمت بعداء وكراهية ونزعة انعزالية، ولا يخلو الأمر من تداخلات واختراقات خارجية.
ولم يقتصر الأمر في ذلك على العراق وحده، فقد كان انهيار الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينات سبباً في اندلاع نزاعات وحروب أهلية يعود قسمها الأكبر إلى انبعاث الهويّات الخاصة والفرعية، وإلى عدم الإقرار بالتنوّع والتعدّدية ومبادىء المساواة، ناهيك عن ضعف أساسات المواطنة، وبقدر ما يكون الأمر مشروعاً، فإن إدارته إذا كانت سليمة سيتم وفقاً لها، تلبية الحقوق والحريّات والاعتراف على قدم المساواة بالآخر، كما حصل حين قرّرت تشيكوسلوفاكيا الانقسام إلى دولتين بصورة سلمية، وهو ما أطلق عليه “الانفصال المخملي” حيث تأسس كيانان أحدهما سمّي جمهورية الشيك “تشيكيا” والثاني جمهورية سلوفاكيا، والعكس صحيح فقد قاد الأداء السيىء إلى نزاعات وحروب أهلية، كما حصل في يوغسلافيا السابقة التي انشطرت إلى 6 دول، والاتحاد السوفييتي السابق الذي انقسم إلى 15 دولة.
د – إن عوامل التفكّك التي عانت منها الدولة العراقية، والتي برزت في فترة الحصار الدولي سارت بالتدرّج والتراكم لتصبح ظاهرة متميزة، خصوصاً حين ترافقت مع صعود الموجة الطائفية وحالة الفوضى وانفلات العنف وهضم الحقوق، وقد شكّلت تلك أرضية صالحة وتربة خصبة لتفقيس بيض الطائفية عبر الشحن الطائفي، وبالطبع جاء ذلك على حساب الهويّة والمشترك الجامع، بل استخدمت الفوارق والمختلفات للمزيد من التباعد تارة باسم “المظلومية” وأخرى باسم “الأغلبية” وثالثة الزعم بـ”احتكار الحقيقة” و”ادّعاء الأفضليات”.
العلامة الثانية – انتقال العراق من الدكتاتورية الواحدية الإطلاقية وتخوين الآخر وإنكار وجود معارضة، إلى دولة المحاصصة الطائفية – الإثنية الغنائمية، ذات المراكز المتعدّدة، وهكذا نشأت دكتاتوريات مصغّرة على نطاق الطوائف والإثنيات، ومرجعيات أخرى غير مرجعية الدولة مثل المرجعيات المذهبية والإثنية والعشائرية والمناطقية وغيرها، فقد تحولت الدولة بفعل النظام الجديد إلى دولة زبائنية للحصول على المكاسب والامتيازات.
العلامة الثالثة – انتقال العراق من نظام الحزب الواحد إلى فوضى الأحزاب، وكلّها تعمل كأحزاب غير قانونية أو غير مرخّص لها، فحتى الآن لا يوجد قانون للأحزاب السياسية، ولم يتم التوصل إلى صيغة دستورية لذلك في البرلمان، علماً بأن العراق لم يعرف الحزبية الشرعية والقانونية إلاّ فترتين وجيزتين هما: الأولى في العام 1946 حين أجاز وزير الداخلية سعد صالح 5 أحزاب سياسية استمرت في العمل الشرعي والقانوني لبضعة أشهر حتى جرى حلّها. والثانية في العام 1960 حين أجاز وزير الداخلية أحمد محمد يحيى عدد من الأحزاب السياسية، استمرت في العمل لنحو سنتين، وعلى نحو محدود، ثم جرى تحريمها بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963.
العلامة الرابعة – انتقال العراق من بلد مستقل إلى تآكل الاستقلال الوطني: وضعف السيادة ما بعد الحرب العراقية – الإيرانية من خلال:
( أ ) الحصار الدولي ونظام العقوبات المفروضة عليه والتي تجلّت بعدد من القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن طبقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، واستمرت أكثر من 12 عاماً، ولا زالت تبعاتها حتى الآن.
(ب) وقوع العراق تحت الاحتلال لاحقاً العام 2003، واضطراره إلى التوقيع على معاهدات مجحفة وغير متكافئة، منها اتفاقية الإطار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية.
(ج) احتلال داعش للموصل ونحو ثلث الأراضي العراقي، وهكذا ظلّت سيادة العراق معوّمة ومجروحة منذ العام 1991 ولحد الآن.
العلامة الخامسة – انتقال العراق من وجود جيش وطني بغضّ النّظر عن القيادات الآيديولوجية والانتماءات الضيّقة على مستوى القيادات والمغامرات العسكرية، التي قام بها على صعيد الداخل والخارج إلى جيش يفتقد إلى عقيدة عسكرية متينة بسبب انضمام مليشيات تابعة لأحزاب وقوى معارضة وفقاً للتقاسم الوظيفي الإثني والمذهبي، فحتى وإن اعتبرت البيشمركة والحشد الشعبي جزء من القوات المسلّحة، إلا أنهما يحتفظان بقيادات تكاد تكون مستقلّة ولها مرجعيات خاصة بها، وخصوصاً بالنسبة للبيشمركة الكردية التي تتقاضى رواتبها من الحكومة العراقية، لكنها تأتمر بأوامر رئاسة إقليم كردستان في إطار فيدرالية رخوة، فلم يتشكّل بعد مجلس الأقاليم ولا وجود لإقليم سوى إقليم كردستان . أما الحشد الشعبي فهناك اتهامات متكررة بخصوص انتهاكاته، على الرغم من الدور الذي قام به في التصدي لداعش، الأمر الذي اضطرّ رئيس الوزراء باعتباره القائد العام للقوات المسلحّة إلى إلحاقه به، لكن الاتهامات التي حدثت في الفلوجة والرمادي، وتكرّرت في معارك الموصل.
العلامة السادسة – انتقال العراق من احتكار السلاح إلى انفلات السلاح واستخداماته وبوجود ميليشيات واتهامات متبادلة بينها. وهذا المظهر لوحده يعني أن هناك مراكز قوى، وهذه يمكن أن تحتكم للسلاح إذا اقتضى الأمر، لأنها لا يمكن أن تسلّم سلاحها للدولة أو تمتثل لإرادتها إذا ما تعارضت مع مصالحها. ومن يمتلك السلاح يوازي استخدامه، لذلك فإن ما ينتظر العراق من احتدامات وصراعات مسلّحة قد يكون خطيراً بحكم انتشار السلاح.
العلامة السابعة – انتقال العراق من الفساد الذي كان محدوداً وغير ظاهر، إلى فساد منفلت من عقاله، فمن بول بريمر إلى الآن بدّد الحكام الجدّد حوالي 1000 مليار دولار: أي تريليون دولار ضاعت هباءً منثوراً دون إنجازات تُذكر .
وبعد استخلاص بعض الاستنتاجات من قراءة المشهد السياسي العراقي، فما الذي سيتغيّر ما بعد داعش؟ وأية مستجدات متحملة؟
سيناريوهات محتملة
حسب الدراسات المستقبلية هناك ثلاث سيناريوهات يمكن بحثها ما بعد داعش، علماً بأن الباحث كان قد كتب قبل أكثر من عامين أن خشيته هي ما بعد داعش، لما للأمر من صلة بجدل الهويّات وصراعها من جهة، وبفكرة المواطنة التي يعتمد على تعزيزها أو احترامها بقاء الدولة العراقية، سواء بوضعها الحالي أو بتفتتها تمهيداً لتقسيمها أو تأمين عناصر جديدة يمكن بواسطتها إعادة لحمة الدولة العراقية وتعزيز وحدتها الوطنية واستعادة مكانتها، ويتطلب ذلك أولاً وقبل كل شيء توفّر إرادة سياسية وتوافق وطني ومصالحة سياسية حقيقية.
أما السيناريوهات المحتملة فهي:
1 – سيناريو التفتّت
ويمكن أن ينقسم سيناريو التفتت إلى ثلاثة أقسام محتملة وهي:
أ – التفتّت الواقعي (Defacto fragmentation)، وذلك بتحوّل الدولة إلى “كانتونات” أو “فيدراليات” أو “دوقيات” أو “مناطقيات” لا يربطها رابط وثيق فيما بينها، سواءٌ كانت معلنة أو غير معلنة، معترف بها أو غير معترف بها رسمياً، داخلياً أو إقليمياً أو دولياً، لكنها قائمة بالفعل ويمثّل إقليم كردستان نموذجاً لها، من حيث السلطة والإدارة والموارد والخدمات، وهكذا تضمحل وتتقهقر الدولة تدريجياً.
ب – التفتّت الرسمي Dejure Fragmentation) ( وهو الشكل الفعلي للانقسام أو الانشطار وقد يتحقق بالقوة وبعد احترابات ونزاعات مسلحة، أو بالاتفاق سلمياً، وقد يحصل على اعتراف دولي وإقليمي، وقد تأخذ الأقاليم المنقسمة أسماء أخرى غير الدولة القائمة أو تضيف شيئاً إلى اسمها السابق، وسيكون لهذه الدولة نشيدها الخاص وعلمها ورموزها، إضافة إلى مؤسساتها وتمثيلها الخارجي، ومن المحتمل أن يكون هذا التفتت الفعلي هو نتيجة أو مرحلة أخيرة للأمر الواقع، خصوصاً إذا ما استمرّت سلطات محلية بصلاحيات موسّعة ونفوذ سياسي وعسكري واقتصادي، ناهيك بامتيازات، حينها سيكون من الصعب تخلّي النخب الحاكمة الإقليمية عنها.
ج – الانضمام والإلحاق (Joining and Annex)، وهو وسيلة أخرى للتفتت، يضاف إلى التفتت الواقعي والتفتت الرسمي (الفعلي)، إذْ من المحتمل أن تسعى بعض دول الجوار إلى ضمّ ما تبقى من الدولة أو شطرها عند الانقسام، سواء باستخدام القوة لفرض واقع جديد أو بدعوة من أطراف سياسية أو جماعات مسلحة وتحت عناوين التحالف والمصالح المشتركة “القومية” أو “المذهبية” أو غير ذلك، وأعتقد أن الجارين الكبيرين والمحتربين تاريخياً على الأرض العراقية (بلاد ما بين النهرين) وهما تركيا وإيران يمكن أن يكونا جاهزين لاحتواء التفتت العراقي، وخصوصاً بالتمدّد الجيوبوليتيكي.
د – التقسيم بعد التشظي وهناك عدد من المشاريع على هذا الصعيد، لعلّ أبرزها مشروع جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي، الذي سبق أن وافق عليه الكونغرس الأمريكي العام 2007 والذي يفترض تقسيم العراق إلى:
ثلاث أقاليم، شيعية وسنّية وكردية، وفعلياً تقام نقاط تفتيش بينها، ويكون لكل إقليم هويته الخاصة وحدوده وموارده وسلطاته، وفعلياً سيتحوّل إلى دويلة.
أما راهنياً فهناك أطروحات تدعو إلى إقامة الإقليم السني، أو أكثر من إقليم، خصوصاً وأن هناك دعوات لإقامة إقليم أو أكثر في الموصل، والأمر قد يشمل على إقليم للأنبار وآخر لصلاح الدين. وحتى كردستان فقد تكون مهيّأة لأكثر من إقليم بسبب النزاع السياسي، لا سيّما بين الحزب الديمقراطي الكردستاني من جهة وبين الاتحاد الوطني الكردستاني وكتلة كوران “التغيير” من جهة أخرى، وهكذا يمكن أن يكون إقليم خاص بإربيل يضم دهوك وآخر للسليمانية يضم حلبجة.
وثمّة مشكلات بين الشيعية السياسية التي يمكن أن تقسم وسط وجنوب العراق إلى مناطق نفوذ وأقاليم في المناطق الشيعية والتي لن تتحقق بدون اندلاع صراعات بين مليشيات، شيعية – شيعية وهي كالآتي: مجموعة الصدر، لواء بدر، عصائب أهل الحق، كتائب حزب الله، النجباء، حزب الدعوة، المجلس الإسلامي الأعلى، وبقية الأحزاب والكتل الشيعية.
والانقسام سوف لا يستثني المناطق السنّية التي يمكن أن تنقسم إلى عدد من مراكز القوى وصراعات عشائرية ومناطقية، وخصوصاً بين الحزب الإسلامي وقوى أخرى منافسة لها ولا تريده الانفراد بتمثيل السنة، إضافة إلى قوى معارضة للعملية السياسية.
أما الاحترابات الأهلية، فقد تبدأ شيعية ـ سنية أو كردية – تركمانية أو كردية -عربية أو كردية – عربية + تركمانية، لكنها في نهاية المطاف قد تهدّد كيان العراق الموحّد، حتى وإنْ بقيت الوحدة شكلية، خصوصاً وأن سلطات الأقاليم إذا ما تكرّست وإذا ما شعرت أنها ليست بحاجة للامتثال لقرارات المركز، فإنها قد تتحوّل إلى دويلات متصارعة، لأنها لا تريد أن تخسر الامتيازات والمكاسب ومناطق النفوذ.
ومن العوامل التي تسهم في زيادة التحدّي وعدم الاستجابة الفعّالة لحلول ممكنة هو الإخفاق في مواجهة الأزمات والمشكلات الحادة وعدم التمكّن من تلبية المطالب الشعبية، بالقضاء على الفساد ومحاسبة المفسدين، وكذلك عدم التمكّن من تحسين الخدمات واستمرار الإرهاب وأعمال التفجير والمفخّخات وتدهور الوضع الأمني، إضافة إلى استمرار التفاوت الشاسع بين الفئات الاجتماعية في الدخول والموارد، وعدم تحقيق المشاركة السياسية الحقيقية، ناهيك عن شحّ موارد الدولة ووصول نموذجها التنموي إلى طريق مسدود، واقتراضها من البنوك الدولية وغير ذلك.
ويمكن أن يقود سيناريو التفتيت، وخصوصاً فيما إذا تم القضاء على داعش، وبعد تحرير الموصل إلى تنازعات على السّلطة، وقد يقود إلى حروب أهلية مصغّرة، محلية، وذلك للاستحواذ على مقاليد السّلطة والنفوذ والمال، وخصوصاً في ظل غياب جهد وطني عام لإعادة بناء الدولة وترسيخ كيانياتها القائمة على المواطنة وسيادة القانون، وإرساء قواعد اللعبة الديمقراطية على نحو صحيح.
2 – سيناريو استمرار الحال
وهذا يعني بقاء الوضع على ما هو عليه من دون إحراز تقدّم يُذكر، وذلك سيعني فشل الخطط المعلنة للإصلاح، بسبب عوامل الكبح والمعارضة من جانب الجماعات المتضرّرة من الإصلاح، وخصوصاً أن هناك تحالفاً سرّياً بين مختلف الكتل والجماعات على عدم فتح ملفّات الفساد، وحين تجرأ وزير الدفاع خالد العبيدي على كشف محاولات ابتزازه، وصفّق له الشارع طويلاً، بغض النظر عن شبهات الفساد التي تحيط بوزارته، عاقبه مجلس النواب بسحب الثقة منه، فمن بعد ذلك سيغامر ويكشف ملفات الفساد أو التعرض للفاسدين؟
وإذا توقّف مشروع الإصلاح وهو متعثّر فعلاً، فإن ذلك سيكون سبباً في الخيبات والمرارات التي سيعيشها العراقيون، وأن استمرار مثل هذا الأمر لفترة غير قصيرة سيؤدي إلى تعميق فشل الدولة الفاشلة والرخوة، ويساهم في تفتيتها وتشظيها، خصوصاً وأن عوامل الهدم ستكون فعّالة في ظل شعور بالتمييز ومواطنة غير متساوية، وتقديم الهويّات الخاصة أو حتى اختراع هويّات على الهويّة العامة. فهل يمكن استمرار الدولة وهي غارقة حتى رأسها بالأزمات والمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وخصوصاً بفشل إدارتها وفشل إدارة حلّ الأزمة؟

3 – سيناريو التوحيد
إذا كان هناك سيناريو التفتيت وسيناريو بقاء الحال دون تغيير، فالدراسات المستقبلية لا تهمل سيناريوهات أخرى أيضاً، فهل هناك سيناريو توحيد؟ هذا السؤال هو مقدمة لحوار حول دور النخب في شأن مستقبل البلاد، فحتى موجة الاحتجاج هذه، هناك من يحاول ركوبها والاستفادة منها وتوظيفها بما فيها قوى تعاونت مع الاحتلال ومخرجاته، وكانت جزءًا من أسباب الخراب التي تعانيها البلاد.
إن النخب الفكرية والثقافية والأكاديمية في مجتمعنا لا تزال ضعيفة ومُستلبة ومُلحقة لحساب النخب السياسية التي بيدها القدح المعلّى ولها سطوة عليها، بل إن لها القابلية على الاستتباع حسب توصيف المفكر الجزائري مالك بن نبي “القابلية على الاستعمار”، ولا سيّما أن النخب السياسية تملك المال والسلطة أو جزءًا منها والنفوذ وأحياناً تقود ميليشيات مدعومة من بعض دول الجوار أو القوى الدولية، لذلك فإن أي استعادة لدورها، يتطلّب استعادة الوعي أولاً واستعادة الإرادة. ويحتاج مثل هذا إلى التحدّي والاستجابة الخلاقة لمتطلبات التغيير ونتائجه.
كما أن إجراء إصلاحات واستجابة لمطالب المتظاهرين قد يفتح آفاقاً جديدة لنشوء كتل وجماعات سياسية تسهم في عملية التغيير. ويمكن القول إن القوى الدافعة للتوحيد والتغيير تمثل طيفاً واسعاً من القوى، ولكنها قد لا تكون منسجمة أو موحّدة مع أن الكثير من المشتركات تجمعها، ولا تزال القوى المهيمنة، ولا سيّما الدينية والطائفية والإثنية، تمنع وتعرقل أي لقاء بينها، بل تضع العصا في دولاب أي تحرّك باتجاه الحوار.
وسيكون على عاتق الطبقة الوسطى، وخصوصاً المثقفين والأكاديميين والمفكرين ومؤسسات المجتمع المدني، دور مهم على صعيد التوحيد والتغيير، ويحتاج الأمر إلى جهود فكرية وثقافية وسياسية لتشكيل قوة ضغط لإعادة النظر بالدستور واعتماد قواعد اللاّمركزية الإدارية على صعيد الأقاليم الفيدرالية أو المحافظات على نحو صحيح ومن دون صفقات سياسية بوصفها نظاماً لتوزيع الثروة والسلطة، كما لا بدّ من اعتماد آليات توحيد ديمقراطية الأسلوب واجتماعية المضمون.
يبقى هناك أسس للتوحيد ولقيام دولة عصرية دستورية لا يمكن تجاوزها، وأولها الحرية، وثانيها المساواة، وثالثها العدالة، ولا سيّما الاجتماعية ورابعها المشاركة، وكل هذه تصبّ في مبادئ المواطنة، التي تشكّل جوهر الهويّة الجامعة، مع احترام الهويّات الفرعية والخصوصية الثقافية . وسيبقى ما يهدّد الدولة في ظل عدم الشعور بالأمان إزاء مواطنة متساوية وهويّة موحّدة عامة تعترف بالهويّات الفرعية، تحدّيات عديــدة تكمن بالأساس في عدم التوصل إلى حل لها منذ نشوء الدولة العراقيـة المعاصرة.
ثلاث إشكاليات وثلاث رافعات
ثلاث إشكاليات أساسية تغذّي فكرة التفتيت، إذا ما استحكمت وهي ذاتها يمكن اعتبارها ثلاث رافعات ضد التفتيت لو جرى وضع حلول ومعالجات لها، باستمرارها ستكون الدولة العراقية التي نعرفها “في خبر كان”، وإنْ تم تطويقها والتخلّص من آثارها السلبية، حتى وإن احتاجت إلى وقت ليس بالقصير، وهذه الإشكاليات والرافعات هي:
أوّلها: الطائفية ونظام المحاصصة أحد مخرجاته، إذْ أن استمراره سيعني دفع الدولة نحو المزيد من التفتيت والانقسام والتمذهب والتطييف والإثننة، وعكسه إذا ما تم التخلص منها. وكان الباحث قد اقتراح مشروعاً لتحريم الطائفية وتعزيز المواطنة في العراق، ويعتبر ذلك بمثابة حجر الزاوية في استعادة مقوّمات الدولة العراقية وتعزيز الهويّة الوطنية الجامعة .
وثانيها: الإرهاب والفساد وهما وجهان لعملة واحدة، فإن تم استعادة الدولة لمكانتها وهيبتها، فإنها يمكن أن تستعيد بالتالي وحدتها، والعكس صحيح أيضاً، ولا سيّما إذا استحكم أمراء الطوائف.
وثالثها: الهويّة التي أجهز عليها الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003، وهي وإن كانت ضعيفة أو هشّة، لكنه يمكن تقويتها بتلبية المطالب وبالاتفاق والتوافق وحل المشاكل العالقة مع إقليم كردستان، وإعادة النظر بالدستور سواء بتغييره أو بتعديله بما يؤدي إلى تعزيز المواطنة وإبراز الجوامع والمشتركات وتقليص الفوارق والمختلفات فيما يتعلق بالهويّات الفرعية واحترام خصوصياتها.
لقد تكرّست صيغة المحاصصة الطائفية – الإثنية منذ تأسيس مجلس الحكم الانتقالي الذي قسّم المجتمع العراقي إلى شيعة وسنّة وكرد، وخصّص نسباً لكل منهم، وباشر بتأسيس نظام الزبائنية الذي يقوم على الامتيازات والمكاسب، ففتح بذلك الباب على مصراعيه أمام الفساد بمختلف أنواعه وأشكاله، لدرجة أصبحت الغنائمية سمة تطبع التشكيلات الحكومية اللاّحقة وذيولها .
وإذا كانت نظرية “الصدمة والترويع” وفي ما بعد “الفوضى الخلاقة” قد استهدفتا التفكيك وإعادة التركيب، إلاّ أنهما أفضيا إلى تفشّي ظواهر التعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب وتمذهب الدولة التي لا تزال مستمرّة منذ 14 عاماً وتتّخذ أشكالاً مختلفة ولها رؤوساً عديدة.
وإذا كان “داعش” والقوى الإرهابية قد تعرّضت خلال الأشهر الأخيرة إلى هزائم كبيرة في صلاح الدين والرمادي، وخلال عمليات تحرير الموصل التي ما تزال مستمرة، لكن تأثيرهما ما يزال قائماً والبيئة الحاضنة مستمرّة، خصوصاً باستمرار نظام المحاصصة الطائفي – الإثني المُنتج للفساد المالي والإداري والسياسي.
خـاتـمـــة
لقد اندفعت الكثير من المجاميع الإرهابية والتكفيرية وتشكيلاتها القديمة والجديدة، في ظل استنفار طائفي، باتجاه سفك دماء العراقيين من مختلف الانتماءات الدينية والإثنية، الأمر الذي أصاب التنوّع والتعددية الثقافية المجتمعية بالصميم ولحق الضرر الكبير بالنسيج الاجتماعي المتعايش، وخصوصاً لفئات المسيحيين والآشوريين والأرمن والكلدانيين والأيزيديين والصابئة المندائين والشبك والكاكائية وغيرهم، وإن كان الأمر يشمل الجميع دون استثناء، لكن هذه المجاميع الثقافية التي يُطلق عليها مجازاً بـ”الأقليات” تعرّضت بكيانياتها إلى عنف شديد، واضطرّت أعداداً واسعة منها إلى الهجرة بعد ما لحق بها من انتهاكات سافرة بالأرواح والمقدسات والممتلكات وغيرها. وقد تعرّضت النساء الإيزيديات إلى عمليات السبي، وهو شكل من أشكال العبودية، حيث تم بيعهنّ بسوق النخاسة، الأمر الذي يندى له جبين الإنسانية.
لقد استُزرِع التعصّب بالتربة العراقية فأنتج تطرّفاً، وهذا الأخير قاد إلى الإرهاب المنفلت من عقاله، وجرى كل ذلك في إطار حواضن طائفية ومذهبية وإثنية غذّاها نظام المحاصصة الذي أشعل الصراعات المذهبية والإثنية وأيقظ الفتن النائمة التي اتخذت طابعاً استئصالياً أو تهميشياً بعد الاحتلال، ولكن ذلك لا يعني أنه أمرٌ مستورد بقدر ما كانت هناك ظروفاً اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية ودينية وطائفية ونفسية ساعدت في انتشار فايروسه على نحو مريع، وذلك بالاستفادة من البيئة الصالحة لنموها وأساسها غياب المصالحة الوطنية والشعور بالتمييز والإقصاء. وهنا لا بدّ من إعادة مرجعية الدولة وجعلها فوق جميع المرجعيات الدينية والطائفية والإثنية والحزبية والسياسية والعشائرية وغيرها.