رسالة خاصة جدا.. وبرقية تهنئة الى الشهيد الشيوعي العمالي جواد كاظم الموسوي :صباح زيارة الموسوي

Gawad (2)
تاريخ النشر : 2007-02-09

رسالة خاصة جدا.. وبرقية تهنئة الى الشهيد الشيوعي العمالي جواد كاظم الموسوي :رسالتي.. اتذكر يا جواد كيف اغتال انقلاب 8 شباط الاسود طفولتنا؟ برقيتي.. لقد شنق قاتلك المجرم العميل صدام حسين

الا زلت تذكر لعبنا الطفولي و وذهابنا المشترك الى مدرسة الموارد ؟ وخروجنا قبل وقع الانقلاب الاسود في تظاهرات , نحمل فيها سعف النخيل , هاتفين ” ديغول اطلع بره الجزائر صارت حرة

الا زلت تذكر المضمد الكردي ابو شكرية ؟ الطيب القلب , الحنون , فقد كان طبيب المحلة بالمعنى الحرفي للكلمة , بيته- عيادته مفتوح ليلا نهارا , ليستقبل الجميع بلطفه المعهود , صغارا وكبار

الا زلت تذكر القابلة الماذونة التركمانية؟ مولدة جميع اطفال المحلة , وكيف تحول منزلها الى ما يشبه مركز اتصالات , بعد حصولها على اول تلفون في المحلة و كم كانت طيبة وكريمة هذه العائلة, فكم مرة طرق باب بيتها في منتصف الليالي لاجراء مكالمة طارئة , بل أن العائلة بجميع افرادها تستقيض من النوم وتحيط بالمتصل بكل حنو وقلق للاطمئنان عليه

الا زلت تذكر المدرس الصابئي ؟ مدرس اللغة العربية ومشيته الوقورة ذهابا وايابا الى المدرسة, كم كانت زوجته طيبة , وصديقة ودودة لجميع امهاتنا, فكانت هي من ضيفنا , حين سقط تلفزيوننا وتحطم , لنشاهد التلفزيون معا في بيتهم الانيق الترتيب حتى جاء والدي بعد ايام بتلفزيون جديد

الا زلت تذكر جارنا الشيخ ذو العمامة البيضاء؟ كم كنا نمازحه هو وجدنا ذو العمامة السوداء , خصوصا حين يصادف ذهابنا الى المدرسة صباحا , موعد خروجهما , الشيخ بعمته البيضاء والسيد بعمته السوداء, فقد كان كل منهما لا يكف عن ممازحتنا بعد تحية احدهما الاخر , بالرغم من مظهريهما الجدي الوقور

الا زلت تذكر مباريات كرة القدم بين الفرق المتنافسة الثلاث؟ فريق محلتنا( الوشاش) وفريقي المنكوبين وحي الزعيم, هذا الحي الذي غير اسمه انقلابي 8 شباط 1963 الاسود الى الحي العربي , لكننا بقينا نحن نسميهم فريق حي الزعيم رغم انف الفاشست

الازلت تذكر بقال عطار المحلة؟ و اللقطات الطريفة التي نشهدها عند محله , منها ان جاره المطرب داود العاني وخروجه غاضبا على الاطفال , بسبب حرمانه من النوم, ناهرهم بقولته الشهيرة ” هو ماكو شباك غير شباك غرفتي لتلعبون لعبة مراهنات البيبسي تحته” , او منظر كناس – زبال المحلة طويل القامة المتصبب عرقا دوما , وهو يجرع مشروبا غازيا باردا مع لقمة خبز هي كل وجبة الغداء, وكم ضحك منا مرة حين سقطت ذبابة في طاسته فرماها واكمل الشرب , معلقا على اشمئزازنا ” انشالله تريدوني اذب المشن”,لا اعرف اسباب فضولنا بمشاهدته الممزوج بحبنا اليه , لكن اهم تلك اللقطات , واكثرها وقعنا في نفوسنا , حين شهدنا تجمعا كبيرا من رجال الحارة عنده , يضربون كفا بكف اسفا على سماع خبر انتحار شاب من شباب الحارة , فقد كان حدثا عظيما ان مات شابا , فكيف به ان مات منتحرا, فلم يكن يخطر ببال هؤلاء الرجال ولا حتى بالخيال , بان العراق كله , وليس محلتنا وحدها , سيتحول الى ساحة موت وقتل جماعي لشبابه منذ لحظة الانقلاب البعثي الفاشي الامريكي الصنع في 8 شباط 1963 الاسود

الا زلت تذكر يا جواد العزيز طفولتنا الجميلة ؟ التي حطمت فجاة على ايدي قطعان الحرس القومي البعثي الفاشستي , حين اقتحمت منزلنا الجميل في انقلاب 8 شباط الاسود 1963؟

الا زلت تذكر مشهد منتصف الليل ؟ حين هرعنا مرعوبين من فراشنا الدافئ في منتصف الليل على اصوات صراخ القطعان الفاشية, لنشهد اسلحتهم مشهورة بوجه ابي وعمنا وجدنا

اتذكر السجون في بغداد وكركوك التي زرناها بصحبة الاهل للقاء الاعمام والاخوال الشيوعيين الذي وقعوا في قبضة البعث الفاشست؟

لقد اغتالت قطعان البعث الفاشي طفولتنا , فمنذ ذاك اليوم الاسود لم نعد نلعب كما كنا, وشببنا على فكر ثوري يهدف الى تحرير الانسان , وقصة شبابنا هي ذاتها قصة كل الشبيبة العراقية الثورية

فقطعان البعث ذاتها التي كانت قد اغتالت طفولتنا , كما اغتالت ثورة الشعب العراقي , ثورة 14 تموز 1958 المجيدة , هي ذات القطعان السوداء التي اغتالت شبابنا بعد عودتها الى اغتصاب الحكم مجددا في انقلابها المشؤوم الثاني 1968 , فلم تمر الا سنوات , وكأن هذ القطعان تنتظر الاطفال لكي يشبوا حتى تنقض عليهم كالوحوش الكاسرة , وهذا ما جرى معك بالضبط , ايها العامل الشيوعي البطل , حين وقفت بوجه القتلة , وتحملت كل اساليب التعذيب القذرة , لتستشهد واقفا عام 1980 في احدى اقبية التعذيب البعثية القومجية الفاشية , وانت في بدايات العشرينات من عمرك ( الاستشهاد وفق ملفات الفاشست 1983)

لقد كنت ايها الشهيد البطل ورغم الظروف الحياتية القاسية التي عشتها , كنت انسانا متفائلا, ولا انسى طالما حييت تلك اللقطة الاخيرة في محطة حياتنا الاخوية والرفاقية المشتركة , خاتمة حياة الطفولة والصبا والشباب , أخر لقاء بيننا عام 1979 في شارع ابي نؤاس , وبعد حديث طويل عن ما آلت اليه الاوضاع , وما انت فاعل للخلاص من امكانية الوقوع في قبضة الفاشست , ورفضك عرضي في أن اساعدك على الذهاب الى كردستان العراق, فكان قرارك البقاء في بغداد العزيزة حتى الموت , واذا بك ترقص رقصة فرحة جميلة لحظة سماعك لاغنية عبدالحليم حافظ في صوته العذب القادم من احدى المقاهي البغدادية المترامية على نهر دجلة الخير, التي تقول ” اي دمعة حزن لا لا” عندها قبلتك وافترقنا , فلم يدع البعث الفاشي لنا متسع من الوقت لنعيش معا او نلتقي مجددا , فكما اغتال طفولتنا في انقلابه الفاشي الاسود في 8 شباط 1963 , فقد اغتال شبابنا ونحن في مقتبل العمر , بين شهيد ومنفي .

https://pulpit.alwatanvoice.com/content/print/74256.html